نقابات صحفية عربية تبحث في بيروت إنشاء جسم موحد للدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الصحفيين
عقدت نقابات واتحادات صحفية من سوريا ومصر والسودان وفلسطين ولبنان وتونس لقاءً تشاورياً في العاصمة اللبنانية بيروت، هو الثاني من نوعه، لبحث التحديات التي تواجه العمل الصحفي في المنطقة العربية، ومناقشة إنشاء جسم نقابي عربي موحد تحت مظلة الاتحاد الدولي للصحفيين، استناداً إلى قرارات سبق أن أقرها مؤتمرا الاتحاد في باريس وتونس.
وناقش المشاركون سبل الانتقال من التضامن وتبادل المواقف إلى بناء شبكة عربية أكثر فاعلية في الدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الصحفيين، في ظل تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة، مؤكدين أهمية تطوير التعاون بين النقابات بما يسمح بتبادل الخبرات وتنسيق جهود المناصرة والحماية على المستوى الإقليمي.
وقالت ميسرة اللقاء الدكتورة منى عبد المقصود إن الاجتماعات التشاورية تستهدف الانتقال من رصد التحديات المشتركة إلى إعداد خريطة طريق وآليات تنفيذية للتعاون، بما يساعد النقابات على تجاوز إدارة الملفات اليومية نحو التخطيط الاستراتيجي وتطوير سياسات مهنية أكثر فاعلية.
جسم عربي موحد وحماية الصحفيين
دعا نقيب الصحفيين الفلسطينيين والنائب الأول لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين ناصر أبو بكر إلى الإسراع بصورة مدروسة في إنشاء الجسم النقابي العربي، مشيراً إلى أن مؤتمري الاتحاد الدولي للصحفيين في باريس وتونس أيدا تأسيس إطار عربي موحد يعمل تحت مظلة الاتحاد وينسجم مع أنظمته.
وأكد أبو بكر أن نجاح أي جسم عربي مشترك يرتبط بقوة النقابات المنضوية فيه، ما يتطلب ترسيخ الديمقراطية داخل المؤسسات النقابية وإجراء الانتخابات بصورة دورية، بما يضمن تجديد القيادات وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة.
وربط أبو بكر أهمية التحرك المشترك بما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون من انتهاكات وجرائم وصفها بأنها بلغت مستوى "الإبادة الإعلامية"، معتبراً أن تشابه التحديات التي تواجه الصحفيين العرب يجعل العمل المنفرد أقل قدرة على حماية الحريات ومواجهة الانتهاكات.
وأكد ممثلو النقابات المشاركة، في سياق متصل، تضامنهم مع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ومسارها في الدفاع عن أعضائها وحمايتهم، في ظل تكرار حالات اعتقال الصحفيين في تونس، فيما غاب نقيب الصحفيين التونسيين زياد الدبار عن اللقاء.
تجارب عربية في التضامن والتأثير
دعا وكيل نقابة الصحفيين المصريين محمد سعيد عبد الحفيظ إلى تحويل اللقاءات التشاورية إلى مسار دوري ومنتظم، بما يتيح تبادل الخبرات في إدارة النقابات وبنيتها وآليات التعامل مع الأزمات، في ظل ما وصفه بتحديات مهنية ونقابية وقومية مشتركة، يتقدمها الاحتلال الإسرائيلي وتداعياته على الصحفيين وحرية الإعلام.
وأشار عبد الحفيظ إلى تجربة نقابة الصحفيين المصريين التي باتت، وفق وصفه، "بيتاً للصحفيين العرب"، بعد إتاحة خدمات علاجية وتدريبية لصحفيين فلسطينيين وسودانيين ويمنيين وغيرهم ممن دفعتهم الأزمات في بلدانهم إلى اللجوء إلى القاهرة.
واعتبر سكرتير الشؤون الخارجية في نقابة الصحفيين السودانيين طاهر المعتصم طاهر أن اجتماع نقابات فاعلة من سوريا ومصر ولبنان وفلسطين والسودان يمكن أن يشكل نواة لمجموعة نقابية قادرة على التأثير في واقع الصحفيين العرب، بدلاً من الاكتفاء بالتنسيق وتبادل المواقف.
وأكد المعتصم أهمية تطوير أدوات مشتركة للمناصرة وتبادل الخبرات، والانتقال من التعامل مع الانتهاكات بعد وقوعها إلى بناء قدرة جماعية على التأثير في السياسات والتشريعات الناظمة للعمل الصحفي.
التشريعات واستقلال الإعلام
عرضت رئيسة اتحاد الصحفيين والصحافيات في لبنان إلسي مفرّج تجربة العمل على قانون الإعلام الجديد، بعد بقائه عالقاً في مجلس النواب لمدة 16 عاماً، موضحة أن الاتحاد شارك على مدى أربع سنوات في الجهود الرامية إلى تعديل مواده وتعزيز ضمانات حرية العمل الصحفي.
وأوضحت مفرّج أن القانون تبنى نحو 90 بالمئة من الإصلاحات التي طالب بها الاتحاد، وبينها حماية الصحفيين ومصادرهم، والاستعاضة عن الترخيص المسبق بنظام العلم والخبر، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام، ونقل الاختصاص القضائي في قضايا النشر من المسار الجزائي إلى المدني، فضلاً عن منع التوقيف الاحتياطي في جرائم النشر.
وحذرت من المادة 104 المتعلقة بتجريم تعمد نشر الأخبار الكاذبة، موضحة أن الاتحاد يعترض عليها خشية استخدام صياغتها الفضفاضة في ملاحقة الصحفيين، بما يؤكد استمرار الحاجة إلى متابعة التشريعات حتى بعد إقرارها وضمان عدم توظيفها لتقييد العمل الإعلامي.
سوريا وإعادة بناء الحضور النقابي
رأى عضو لجنة الشفافية في رابطة الصحفيين السوريين مصعب السعود أن المرحلة الحالية تتيح فرصة لإعادة بناء التشبيك العربي، معتبراً أن قيمة إنشاء جسم نقابي موحد ترتبط بقدرته على تحويل التضامن بين الصحفيين العرب من موقف أخلاقي إلى قوة نقابية منظمة، ومن الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى العمل على منعها أو الحد من آثارها.
وأكد السعود أن أهمية التعاون بالنسبة إلى سوريا تتجاوز تبادل الخبرات وتنسيق المواقف إلى إمكانية تحويل العلاقات النقابية العربية والدولية إلى رافعة لحماية استقلال الإعلام السوري في مرحلة إعادة التأسيس، مشيراً إلى أن القوانين وحدها لا تكفي لضمان حرية الصحافة من دون وجود نقابات قوية وشبكات تضامن وقدرة مهنية على التأثير في صناعة القرار.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الصحفي السوري من موقع المتلقي للدعم إلى موقع الشريك في بناء منظومة إقليمية للدفاع عن حرية الصحافة، والاستفادة من التجارب المختلفة، بدءاً من العمل التشريعي في لبنان والخدمات والتضامن النقابي في مصر، وصولاً إلى تجربة الصحفيين الفلسطينيين وخبرات النقابات العاملة في ظروف الحروب والأزمات.
وخلص المشاركون إلى أن التحديات المتباينة التي تواجه الصحفيين في البلدان العربية تفرض مصالح مهنية مشتركة تتجاوز الحدود، في ظل الاستهداف الذي يواجهه الصحفي الفلسطيني، والنزاع والنزوح في السودان، والمعارك التشريعية في لبنان، وتداعيات أزمات المنطقة في مصر، بالتوازي مع دخول سوريا مرحلة إعادة بناء مؤسساتها وبيئتها الإعلامية.
واتفق المشاركون على مواصلة اللقاءات التشاورية بصورة دورية، والعمل على تطوير التنسيق القائم وصولاً إلى إطار مؤسسي دائم، بما يعزز الدفاع المشترك عن حرية الصحافة وحماية حقوق الصحفيين والصحفيات في مختلف الدول العربية.