من مجزرة البيضا إلى شبكات التهريب.. القبض على ساري مخلوف يعيد فتح أكثر الملفات دموية في الساحل
أعلنت وزارة الداخلية إلقاء القبض على المدعو ساري مؤيد مخلوف، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الجرائم دموية التي شهدتها سوريا خلال سنوات الثورة، بعد أن كشفت التحقيقات الأولية تورطه بالمشاركة في مجزرة البيضا بمدينة بانياس عام 2013.
ويضاف إلى سجل جرائمه سلسلة طويلة من الجرائم الجنائية المنظمة شملت السلب والسطو المسلح والخطف مقابل الفدية وسرقة السيارات وممتلكات المواطنين، فضلاً عن إدارة شبكة تهريب دولية ارتبطت بعدد من رموز عائلة الأسد.
ويكتسب هذا التوقيف أهمية خاصة كونه يرتبط بملف مجزرة ما تزال جراحها مفتوحة في الذاكرة السورية، حيث شكلت أحداث البيضا ورأس النبع إحدى أكثر المحطات دموية في سجل الجرائم التي ارتكبتها قوات النظام البائد والميليشيات المساندة له بحق المدنيين.
من هو ساري مؤيد مخلوف؟
بحسب بيان وزارة الداخلية، فإن ساري مؤيد مخلوف استغل صفته الأمنية خلال عهد النظام البائد لتأمين الحماية لنشاطات إجرامية واسعة النطاق، فيما أثبتت التحقيقات الأولية ضلوعه بإدارة شبكة تهريب دولية بالاشتراك مع بشار طلال الأسد وحافظ منذر الأسد.
وأكدت الوزارة أن المقبوض عليه متورط كذلك في جرائم خطف مقابل الفدية وعمليات سلب وسرقة منظمة، إضافة إلى تورطه المباشر في مجزرة البيضا التي وقعت في مايو/أيار عام 2013.
ويأتي هذا الاعتقال ضمن مسار متواصل لملاحقة المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال السنوات الماضية، في وقت تتزايد فيه مطالب الضحايا وذويهم بكشف الحقيقة الكاملة ومحاسبة جميع المسؤولين عن المجازر التي شهدتها البلاد.
البيضا.. قرية تحولت إلى مسرح للقتل الجماعي
تقع قرية البيضا جنوب مدينة بانياس بمحافظة طرطوس، وكانت من أوائل المناطق التي شهدت حراكاً شعبياً مع انطلاق الثورة السورية.
وفي الثاني من مايو/أيار 2013 بدأت قوات النظام البائد عملية عسكرية واسعة ضد القرية، سبقتها ساعات طويلة من القصف المدفعي والصاروخي، قبل أن تتقدم قوات الجيش والأجهزة الأمنية مدعومة بميليشيات "الدفاع الوطني" ومجموعات مسلحة موالية للنظام نحو الأحياء السكنية.
ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل تحول إلى واحدة من أبشع المجازر الجماعية في تاريخ سوريا الحديث فبحسب شهادات الناجين وتقارير المنظمات الحقوقية، جرى اقتحام المنازل بيتاً بيتاً، وجُمعت العائلات في ساحات وأماكن مغلقة، قبل تنفيذ عمليات إعدام ميدانية بحق الرجال والنساء والأطفال.
وتحدث شهود عن استخدام وسائل قتل متعددة شملت إطلاق النار المباشر والذبح بالسكاكين والسواطير، فيما أحرقت جثث عشرات الضحايا بعد قتلهم، وأُضرمت النيران في منازل كاملة بمن فيها.
وعرفت مجزرة البيضا بطابعها الجماعي، حيث لم يكن الاستهداف موجهاً لأفراد بعينهم، بل لعائلات كاملة ففي العديد من الأحياء اختفت أسر بأكملها من السجلات المدنية بعد أن قُتل جميع أفرادها خلال ساعات قليلة.
وتحدث ناجون عن مشاهد مروعة تضمنت قتل أطفال رضع أمام ذويهم، وإعدام رجال بعد فصلهم عن عائلاتهم، وإحراق منازل فوق رؤوس سكانها.
كما وثقت تقارير حقوقية العثور على عشرات الجثث المتفحمة داخل المنازل والمحال التجارية وفي الطرقات العامة بعد انتهاء العملية العسكرية.
ولم تتوقف الانتهاكات عند القتل، بل رافقتها عمليات نهب واسعة للمنازل والمحال التجارية، حيث نُقلت الأثاثات والمقتنيات الخاصة بواسطة شاحنات إلى مناطق مجاورة، في مشهد وصفه الناجون بأنه كان عملية منظمة للقتل والسلب في آن واحد.
رأس النبع.. امتداد للمجزرة
وفي اليوم التالي، الثالث من مايو/أيار 2013، انتقلت عمليات القتل إلى حي رأس النبع بمدينة بانياس فبعد حصار الحي وقصفه بشكل مكثف، اقتحمته قوات النظام والميليشيات المساندة له، وكررت الأسلوب ذاته الذي استخدم في البيضا.
وأفادت شهادات موثقة بأن المهاجمين جمعوا الرجال والشبان في ساحات عامة قبل تنفيذ إعدامات جماعية بحقهم، فيما قُتل مدنيون داخل منازلهم وأُحرقت منازل أخرى بعد نهب محتوياتها.
وأدى الهجوم إلى موجة نزوح واسعة من المدينة والقرى المحيطة بها، فيما بقيت الجثث لساعات طويلة في الشوارع وبين الأنقاض بسبب منع فرق الإسعاف من الوصول إلى المنطقة.
مئات الضحايا وملف مفتوح للعدالة
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل مئات المدنيين في مجزرتي البيضا ورأس النبع، بينهم عشرات الأطفال والنساء، فيما أكدت منظمات حقوقية دولية أن ما جرى يمثل نمطاً منظماً من القتل الجماعي والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين.
كما صنفت تقارير حقوقية عديدة ما حدث ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى طبيعة الاستهداف الواسع والمنهجي للمدنيين.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على وقوع المجزرة، بقيت ملفات كثيرة مرتبطة بها دون حسم كامل، سواء ما يتعلق بالمفقودين أو بالمشاركين المباشرين في تنفيذ عمليات القتل والاعتقال والحرق.
لماذا يشكل اعتقال ساري مخلوف تطوراً مهماً؟
لا يقتصر البعد القانوني لاعتقال ساري مؤيد مخلوف على كونه متهماً بارتكاب جرائم جنائية اعتيادية، بل لأنه يمثل أحد الأسماء المرتبطة بأحداث البيضا الدموية، ما يمنح التحقيقات الحالية أهمية استثنائية.
فهذا التوقيف قد يفتح الباب أمام كشف مزيد من المعلومات حول البنية الأمنية والميليشياوية التي شاركت في تنفيذ المجزرة، والأوامر التي صدرت آنذاك، ومسارات التنسيق بين الأجهزة الأمنية والميليشيات المحلية التي نفذت عمليات القتل الجماعي.
كما يمكن أن يسهم في الوصول إلى معلومات تتعلق بمصير عدد من المفقودين الذين اختفوا خلال تلك الأحداث، فضلاً عن تحديد المسؤوليات الفردية للمتورطين في الجرائم التي شهدتها المنطقة.
نحو محاسبة أوسع لمرتكبي الجرائم
يأتي الإعلان عن توقيف ساري مؤيد مخلوف في وقت تتواصل فيه الجهود الرسمية لتعقب المتورطين في الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال عهد النظام البائد، وسط مطالب شعبية وحقوقية بفتح ملفات المجازر الكبرى ومحاسبة جميع المسؤولين عنها.
وبالنسبة لعائلات ضحايا البيضا ورأس النبع، فإن هذا الاعتقال لا يمثل نهاية الملف، بل خطوة أولى في مسار طويل يأملون أن يقود إلى كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من شارك أو خطط أو أمر أو نفذ الجرائم التي حصدت أرواح مئات المدنيين، وتركت جرحاً لا يزال حاضراً في الذاكرة السورية حتى اليوم.