حملات تضليل إعلامي تروّج شائعات عن نقل العاصمة ومؤسسات الدولة ..كيف تُروّج الشائعات عن سوريا؟
رصدت شبكة شام الإخبارية خلال الفترة الأخيرة نشاطاً مكثفاً لصفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، تروّج أخباراً وادعاءات مضللة تتعلق بالأوضاع العسكرية والأمنية والإدارية في سوريا، من بينها مزاعم نقل العاصمة من دمشق إلى إدلب، وإخلاء مؤسسات حكومية، وتحركات عسكرية غير موثقة، إلى جانب منشورات تتضمن معلومات غير صحيحة عن العمليات الإسرائيلية في الجنوب السوري.
وتعتمد هذه المنشورات على تداول وثائق مفبركة وصور خارج سياقها الأصلي، واستخدام عناوين عاجلة وصياغات تصعيدية توحي بوقوع تطورات ميدانية واسعة، دون تقديم أدلة موثوقة أو معلومات قابلة للتحقق.
وبحسب رصد الشبكة، تنشط في ترويج هذه الادعاءات صفحات وحسابات مرتبطة بفلول النظام السابق، ضمن حملة تسعى إلى التشويش على الرأي العام وإظهار المؤسسات الحكومية السورية في حالة انهيار أو انسحاب من مواقعها، مع التركيز على مزاعم تتعلق باقتراب القوات الإسرائيلية من العاصمة دمشق.
مزاعم متدرجة عن نقل المؤسسات الحكومية
بدأت سلسلة الادعاءات المتداولة بالترويج لأخبار تزعم نقل وزارة الدفاع من دمشق إلى حماة، ووزارة الداخلية إلى حلب، قبل أن تتوسع لتشمل مزاعم نقل العاصمة السورية إلى إدلب.
وركزت المنشورات على تصوير دمشق باعتبارها مدينة لم تعد قادرة على أداء دورها مركزاً لإدارة مؤسسات الدولة، من خلال تداول أخبار عن إخلاء مقار رسمية ونقل وزارات ومؤسسات إلى محافظات أخرى.
وجاءت هذه الادعاءات ضمن تسلسل متكرر، انتقل من الحديث عن تغييرات في مواقع المؤسسات الحكومية إلى مزاعم تتعلق بنقل العاصمة نفسها، دون الاستناد إلى قرارات رسمية أو أدلة موثوقة تدعم هذه المعلومات.
كما استخدمت بعض الحسابات عناوين توحي بوجود تطورات عسكرية متسارعة، في محاولة لربط المزاعم الإدارية بأخبار تتحدث عن تغيرات واسعة في المشهد الأمني.
مرسوم مفبرك يزعم نقل العاصمة إلى إدلب
من أبرز المواد المتداولة صورة وثيقة منسوبة إلى رئاسة الجمهورية السورية، تحمل الرقم 193 لعام 2026، وتزعم صدور مرسوم عن الرئيس أحمد الشرع يقضي بنقل العاصمة من دمشق إلى إدلب.
وتضمنت الوثيقة المزعومة نصوصاً تدعي اعتماد إدلب عاصمة رسمية للدولة السورية، ونقل مقار المؤسسات والسلطات الحكومية إليها خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً.
وأظهر التحقق من الوثيقة أنها مفبركة، إذ استند تصميمها إلى المرسوم الرئاسي رقم 193 لعام 2025، الصادر بتاريخ 29 أيلول 2025، والمتعلق بأحكام استثنائية تخص ترفيع طلاب الجامعات السورية والسماح بإجراء امتحانات تكميلية وفق شروط محددة.
واحتفظت الصورة المتداولة بالشكل العام للمرسوم الأصلي، مع تغيير سنة الإصدار واستبدال مضمونه بنصوص تزعم نقل العاصمة إلى إدلب.
ويُظهر هذا التلاعب استخدام وثيقة رسمية سابقة أساساً لتصميم مستند مزور، بهدف إضفاء مظهر رسمي على ادعاء لا يستند إلى قرار موثق.
أخبار مختلقة عن إخلاء مقار وتحركات عسكرية
تزامن تداول المرسوم المفبرك مع انتشار منشورات تحمل عناوين عاجلة، تزعم حدوث تغييرات واسعة في مواقع المؤسسات الحكومية وانتشار التشكيلات العسكرية.
وشملت هذه المزاعم إخلاء القصر الجمهوري، وانسحاب قوات الفيلق الخامس من حمص، ونقل مقار البنوك إلى إدلب، إلى جانب نقل وزارات ومؤسسات حكومية إلى حماة.
كما تداولت حسابات ادعاءات عن انتقال قوات الحرس الجمهوري إلى أطمة، وانسحاب الفيلق الثاني باتجاه سرمدا، وتمركز القوات الخاصة في بلدة حاس.
واستخدمت المنشورات عبارات من قبيل «تطورات غير مسبوقة» و«تغييرات كبيرة في خارطة السيطرة»، لإظهار المعلومات المتداولة على أنها أخبار عاجلة مرتبطة بتحولات ميدانية واسعة.
ولم تتضمن المواد المرصودة أدلة قابلة للتحقق أو إسناداً إلى مصادر رسمية يدعم صحة هذه التحركات المزعومة.
ويلاحظ أن المنشورات جمعت بين أسماء مؤسسات حكومية وتشكيلات عسكرية ومناطق جغرافية متعددة، بما يوحي بوجود سلسلة مترابطة من التطورات، رغم غياب المعلومات الموثقة التي تؤيدها.
صورة من لبنان تُستخدم لترويج ادعاء عن درعا
امتدت المعلومات المضللة إلى التطورات المرتبطة بالتحركات الإسرائيلية، إذ تداولت صفحات صورة مرفقة بادعاء يزعم أن الجيش الإسرائيلي ينفذ أعمال شق طريق عسكري يربط بلدة يحمر بمحافظة درعا جنوبي سوريا.
وأظهر التحقق الذي نشرته منصة «تأكد» أن الصورة تعود إلى أعمال شق طريق عسكري ينفذها الجيش الإسرائيلي في محيط بلدة يحمر الشقيف، التابعة لقضاء النبطية في جنوب لبنان.
وبحسب التحقق، تمتد الأعمال من منطقة قلعة صافيتا باتجاه نهر زوطر الشرقية ونهر الليطاني وبلدة الطيبة، ضمن الأراضي اللبنانية.
وأكد التحقق الجغرافي أن موقع الأعمال يقع داخل لبنان، دون وجود أدلة تثبت امتداد الطريق العسكري نحو محافظة درعا السورية.
ويكشف هذا المثال عن استخدام صورة مرتبطة بحدث عسكري حقيقي، مع تغيير موقعها الجغرافي وسياقها، لترويج معلومات غير صحيحة عن التطورات الميدانية داخل سوريا.
ادعاءات غير موثقة عن منع النزوح من درعا
وفي سياق متصل، تداولت صفحات وحسابات ادعاءً يزعم إصدار الجيش الإسرائيلي تعليمات تمنع سكان محافظة درعا من النزوح باتجاه الأردن.
وزعمت المنشورات أن التعليمات تحصر خيارات السكان بين التوجه إلى دمشق أو البقاء في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
إلا أن التحقق الذي نشرته منصة «تأكد» لم يعثر على ما يدعم صدور تعليمات بهذا المضمون، سواء عبر المعرفات الرسمية للجيشين الإسرائيلي والأردني أو من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية والأردنية والإقليمية المعتبرة.
وبذلك بقي الادعاء دون أدلة موثوقة تثبت صحته، رغم تداوله بصيغة توحي بوجود قرار عسكري يتعلق بحركة المدنيين.
ويأتي تداول هذه المزاعم ضمن منشورات تستثمر حساسية التطورات الأمنية في الجنوب السوري، ولا سيما القضايا المرتبطة بالتحركات العسكرية وحركة السكان.
أساليب متعددة لترويج المعلومات المضللة
تكشف المواد التي رصدتها شبكة شام عن استخدام عدة أساليب في نشر المعلومات المضللة، تتنوع بين فبركة الوثائق الرسمية، وإعادة توظيف الصور خارج سياقها الجغرافي، وتداول أخبار عسكرية وإدارية غير موثقة.
ويبرز تزوير المرسوم الرئاسي بوصفه مثالاً على محاولة إضفاء صفة رسمية على معلومات مختلقة، من خلال استخدام الشكل العام لوثيقة حقيقية وتعديل بياناتها ومضمونها.
وفي المقابل، يمثل الادعاء المتعلق بالطريق العسكري في درعا نموذجاً لإعادة استخدام صور من موقع مختلف، وربطها بأحداث جغرافية لا تتصل بها.
أما المنشورات المتعلقة بنقل الوزارات وإخلاء المقار وتحركات القوات، فتعتمد على سرد تفاصيل متعددة دون إرفاق أدلة أو إحالات موثوقة، مع استخدام لغة عاجلة تهدف إلى جذب الانتباه وزيادة التفاعل.
وتتشابه هذه الأساليب في تقديم معلومات غير مثبتة بصيغة أخبار مؤكدة، بما يصعّب على المتلقي التمييز بين الوقائع الموثقة والشائعات عند تداولها دون تحقق.
رواية مضللة عن استقرار المؤسسات السورية
يُظهر تسلسل المنشورات المرصودة تكرار مزاعم تتعلق بانسحاب المؤسسات الحكومية من دمشق، ونقل مقارها إلى محافظات أخرى، بالتوازي مع أخبار غير موثقة عن تحركات عسكرية وتطورات أمنية.
وتسعى هذه الرواية، وفق ما رصدته شبكة شام، إلى تصوير العاصمة السورية باعتبارها مهددة بفقدان دورها الإداري والسياسي، وربط ذلك بادعاءات عن اقتراب القوات الإسرائيلية وحدوث تغييرات واسعة في مواقع انتشار القوات السورية.
ويعتمد هذا النمط من التضليل على تكرار الادعاءات بصيغ مختلفة، بحيث تبدو الأخبار المتفرقة وكأنها تؤكد بعضها بعضاً، رغم افتقارها إلى الأدلة المستقلة.
ومع أن تشابه المنشورات وتزامنها يشيران إلى نمط متكرر من التضليل، فإن إثبات وجود تنسيق مباشر بين جميع الحسابات المتداولة يتطلب معلومات إضافية عن الجهات المشغلة لها وآليات نشر المحتوى.
التحقق من الوثائق والصور قبل تداول الأخبار
تؤكد النماذج المرصودة أهمية التحقق من صحة الوثائق الرسمية قبل تداولها، ولا سيما المراسيم والقرارات المنسوبة إلى مؤسسات الدولة، من خلال مطابقة أرقامها وتواريخها ومضامينها مع الوثائق الأصلية.
كما تبرز ضرورة التحقق من السياق الجغرافي والزمني للصور المتداولة، وعدم اعتمادها دليلاً على وقوع أحداث في مواقع مختلفة عن أماكن تصويرها.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات عند التعامل مع المنشورات التي تستخدم عناوين عاجلة، أو تتضمن ادعاءات عن تغييرات عسكرية وإدارية كبيرة دون الاستناد إلى مصادر موثوقة.
وتكشف حالات التضليل المتعلقة بنقل العاصمة وإخلاء المؤسسات والتحركات الإسرائيلية عن أهمية التمييز بين المعلومات المثبتة والادعاءات غير الموثقة، وتجنب إعادة نشر الأخبار الحساسة قبل التحقق من صحتها، بما يحد من انتشار الشائعات وتأثيرها في الرأي العام.