حرب الشائعات في السويداء.. اعتصام تحت الضغط ومحاولات لحرف الأنظار عن الأزمات
شهدت محافظة السويداء اعتصاماً ركز على ارتفاع أسعار الخضار والأوضاع المعيشية، وسط ضغوط طالت رئيس غرفة التجارة وعدداً من التجار للمشاركة فيه، وفق مصادر محلية.
وقالت المصادر إن التحرك يتزامن مع ممارسات تتعرض لها فعاليات تجارية في المحافظة، بينها فرض مبالغ مالية عند حاجز أم الزيتون تحت مسمى «تبرعات» لصالح ميليشيا الحرس الوطني، معتبرة أن الاعتصام يأتي ضمن تحركات تسعى من خلالها الميليشيا إلى توظيف الملف المعيشي في المشهد العام.
اعتصام تحت الضغط.. وتوظيف للملف المعيشي
وبحسب المصادر، فإن اختيار ملف الخضار عنواناً للاعتصام يرتبط بكونه قضية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، ما يجعله أكثر قدرة على استقطاب الشارع، في وقت تواجه فيه قطاعات تجارية أخرى، بينها الكهربائيات والإسمنت، تحديات ومشكلات مختلفة، إلى جانب ملفات تتعلق بسوء الإدارة والفساد وسرقة الكابلات والسيارات.
وتستبعد المصادر أن يكون التحرك عفوياً بصورة كاملة، مشيرة إلى الضغوط التي مورست على عدد من التجار للمشاركة فيه، ومعتبرة أن حصر الاعتصام في قضية الخضار قد يصرف الاهتمام عن أزمات أخرى تواجه المحافظة، ولا سيما تلك المرتبطة بالنفوذ المسلح والممارسات المفروضة على النشاط التجاري.
وفي هذا السياق، تتحدث المصادر عن محاولات لتحميل السلطات الرسمية مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والخدمية في المحافظة، بينما تتراجع قضايا تتعلق بالإتاوات والممارسات التي تفرضها مجموعات مسلحة على التجار إلى خارج دائرة النقاش.
الشائعات.. من تداول الأخبار إلى التأثير في حياة الناس
وتزامن الاعتصام مع تداول أخبار عن قطع طريق دمشق–السويداء وتعطل حركة البضائع، قبل أن تنفي مديرية إعلام السويداء صحة هذه الأنباء، مؤكدة أن الحركة المدنية والتجارية على الطريق طبيعية، وأن البضائع والمواد التموينية والتجارية تواصل الوصول إلى المحافظة.
كما استقرت حركة المرور على الطريق مع انتشار قوى الأمن الداخلي لتأمين حركة المواطنين وتسهيل دخولهم وخروجهم، فيما وصلت إلى مدينة السويداء شاحنات تجارية وأخرى إغاثية محملة بالطحين والمواد الغذائية والطبية، في إطار تأمين الاحتياجات الأساسية للأهالي.
وحذر محافظ السويداء مصطفى البكور من تداول الأخبار غير المتحققة، مشدداً على أن الإعلام مسؤولية والكلمة أمانة، ولا سيما ما يتعلق بقطع الطرق وتعطل حركة البضائع، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على حياة الأهالي ومعيشتهم.
وأوضح البكور أن نشر الشائعات قد يثير الخوف بين المواطنين ويفتح المجال أمام الاحتكار ورفع الأسعار والتلاعب بالمواد الأساسية، محذراً في الوقت نفسه من تحول المنصات الإعلامية إلى أدوات بيد جهات مسلحة أو وسيلة لخدمة تصفية الحسابات والمشاريع السياسية.
ودعا البكور الإعلاميين وأصحاب الصفحات إلى ممارسة حقهم في النقد والاختلاف السياسي دون أن يكون ذلك على حساب قوت المواطنين، مطالباً بالاعتماد على مصادر موثوقة والتحقق من المعلومات قبل نشرها، بعيداً عن العناوين المثيرة.
وكان البكور قد أكد في وقت سابق أن طريق دمشق–السويداء غير مغلق وأن البضائع تدخل إلى المحافظة بشكل طبيعي، مشيراً إلى أن الشائعات حول إغلاق الطريق تقف وراءها عصابات خارجة عن القانون تستغل ظروف الناس وتروج لهذه الأخبار للتضييق عليهم واستغلال أوضاعهم المعيشية.
كما أشار إلى أن مجموعات خارجة عن القانون تضغط على محطات المحروقات في السويداء للحصول على كميات كبيرة، مؤكداً أن المحافظة بذلت جهوداً بالتعاون مع وزارة الداخلية لتأمين الطريق وضمان استمرار حركة المدنيين والبضائع.
ولا تقف آثار الشائعات عند حدود التضليل الإعلامي، إذ يمكن أن تنتقل سريعاً إلى الأسواق؛ فالترويج لاحتمال انقطاع المواد أو توقف الطرق قد يدفع المواطنين إلى التخزين، ويرفع الطلب والأسعار، ويمنح المضاربين مساحة أوسع للتحرك. وبذلك، يمكن للمعلومة غير الصحيحة أن تتحول إلى عامل يفاقم الأزمة على الأرض.
وفي ضوء ذلك، ترى المصادر المحلية أن التركيز على ملف الخضار، بالتزامن مع تداول روايات تحمل السلطات الرسمية مسؤولية الأوضاع في المحافظة، يسهم في حصر النقاش في أزمة معيشية واحدة، بعيداً عن ملفات الفساد والابتزاز وفرض الإتاوات والنفوذ المسلح، ما يجعل المعركة على الرواية جزءاً من الصراع على تحديد المسؤول عن أزمات السويداء وتوجيه غضب الشارع.
باراك.. تحذير من فراغ يملؤه السلاح
وتأتي هذه التطورات بينما حذر المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا توم باراك من أن غياب الحوكمة يتيح للعصابات ملء الفراغ، داعياً إلى حصر استخدام القوة العسكرية بمؤسسات الدولة، والعودة إلى الحوار والتفاهم والمساءلة لمعالجة أزمة السويداء.
وأشار باراك إلى أن السلطات السورية بدأت مواجهة التجاوزات التي ارتكبتها قواتها خلال أحداث تموز/يوليو الماضي ومحاسبة المسؤولين عنها أمام القضاء، معتبراً أن استمرار مسار المساءلة ضروري، إلى جانب إعادة الأمن وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإعادة إعمار ما دمرته الأحداث.
كما دعا إلى استمرار التعاون بين أبناء السويداء ومحيطها على أساس التسامح والتفاهم والحوار المجتمعي، مؤكداً أن سوريا يجب أن تبقى «أمة واحدة وشعباً واحداً» مع احترام تنوعها الثقافي والديني، ومحذراً من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى جولة جديدة من الحزن والفقدان.
وفي المحصلة، يكشف تزامن الاعتصام مع حملات الشائعات عن مشهد يتجاوز قضية الخضار أو حركة الطرق، إلى محاولة التأثير في اتجاه غضب الشارع وتحديد الجهة التي يتحملها مسؤولية أزماته.
وبين ضغوط على التجار، ومعلومات نفتها الجهات الرسمية، وتحذيرات من استغلال الإعلام والملفات المعيشية، تبدو مواجهة التضليل وكشف مصادر النفوذ والضغط شرطاً أساسياً لمنع تحويل معاناة الأهالي إلى أداة في الصراع، بالتوازي مع معالجة الأزمات الفعلية ومحاسبة المتجاوزين.