تسريبات التعذيب تعيد فتح الجرح السوري.. غضب واسع ومطالب متصاعدة بالعدالة
تسريبات التعذيب تعيد فتح الجرح السوري.. غضب واسع ومطالب متصاعدة بالعدالة
● محليات ٣٠ أبريل ٢٠٢٦

تسريبات التعذيب تعيد فتح الجرح السوري.. غضب واسع ومطالب متصاعدة بالعدالة

أعادت المقاطع المصوّرة المسربة، التي توثّق مشاهد تعذيب مروعة بحق معتقلين سوريين، فتح واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في ذاكرة السوريين، لتفجّر موجة عارمة من الغضب والحزن، وتُجدّد جراح آلاف العائلات التي ما تزال تنتظر مصير أبنائها المغيّبين في السجون.

هذه المواد، التي انتشرت بشكل واسع خلال الساعات الماضية، لم تُستقبل بوصفها مجرد توثيق جديد، بل كصدمة جديدة أعادت استحضار الألم الجماعي وأعادت طرح ملف العدالة بقوة إلى واجهة النقاش العام.

وأوضح الباحث تامر تركماني، المهتم بتوثيق أحداث الثورة السورية، في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، أن المقاطع المصوّرة المتداولة مؤخراً ليست جديدة بالكامل، بل سبق أن نُشرت في وقت سابق على منصات التواصل الاجتماعي، دون أن تحظى آنذاك بانتشار واسع أو تفاعل يُذكر.

وأشار إلى أن حجم المشاهدة والتفاعل مع تلك المقاطع عند نشرها لأول مرة كان محدوداً للغاية، ما أبقاها خارج دائرة الاهتمام الإعلامي، في حين عادت اليوم إلى الواجهة محققة نسب مشاهدة مرتفعة وانتشاراً واسعاً، في ظل تغيّر السياق العام وزيادة الاهتمام بإعادة توثيق الأحداث المرتبطة بتلك المرحلة.

وأكد تركماني أن إعادة تداول هذه المواد حالياً يعكس تحوّلاً في سلوك الجمهور الرقمي، حيث باتت المقاطع القديمة تُعاد قراءتها وتحليلها ضمن سياق جديد، خاصة مع تزايد الاعتماد على الأدلة البصرية في توثيق الانتهاكات.

وحصلت شبكة شام الإخبارية على نسخ أصلية من هذه المقاطع، خالية من أي عمليات تعديل أو تمويه، ما يعزز من موثوقيتها كمادة توثيقية قابلة للتحقق والتحليل، ويمنحها قيمة إضافية في سياق العمل الإعلامي والحقوقي، ويؤكد بأنها نشرت سابقا إلا أن سياسية الفيسبوك تؤدي إلى حذف مثل هذه المشاهد.

في رصد ردود الفعل، قال الصحفي عبد العزيز خليفة إن المقاطع التي توثّق الجرائم داخل المشافي العسكرية، وما يظهر فيها من “تلذذ بقتل المعتقلين”، تؤكد ضرورة الإسراع في مسار العدالة، وعدم الاكتفاء بمحاسبة القيادات، بل ملاحقة جميع المتورطين، معتبراً أن ما جرى يفوق ما يمكن تخيله حتى في “أبشع الكوابيس”.

وأشار الحقوقي المعتصم الكيلاني إلى أنه وثّق على مدى 14 عاماً انتهاكات “لا تُصدق”، مؤكداً أن ما ظهر ليس مستغرباً، ومشدداً على رفض تمييع مسار العدالة الانتقالية أو إعادة تدوير المتورطين، معتبراً أن “ما خفي كان أعظم”.

ورأى الصحفي تمام أبو الخير أن هذه المقاطع تمثل أدلة دامغة على نمط إجرامي ممنهج، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن استقرار دون تطبيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة جميع المسؤولين، محذراً من أن تجاهل هذه الأدلة يساهم في طمس الحقيقة وإعادة إنتاج الخوف.

وعبّر الباحث عبد الرحمن الحاج عن صدمته من قسوة المقاطع، متسائلاً عن توقيت نشرها وأهدافه، محذراً من التعامل غير المسؤول معها، ومشدداً على ضرورة مراعاة حقوق الضحايا، وفتح تحقيق رسمي يحدد ملابسات التسريب ومصداقيته.

وقدّم عاطف نعنوع طرحاً غاضباً، معتبراً أن بقاء المتورطين أحراراً قد يؤدي إلى انفجار شعبي، ومؤكداً أن الثورة لم تقم لأسباب معيشية فقط، بل لرفع الظلم، داعياً إلى كشف الحقيقة وعدم التستر عليها.

وقال مالك أبو عبيدة إن المقاطع تعيد التذكير بجرائم لا يمكن إحصاؤها، مشيراً إلى أن كثيراً من المتورطين ما زالوا يعيشون بحرية، محذراً من محاولات تبرير أفعالهم، ومؤكداً أن ملف العدالة لا يزال معقداً ويحتاج إلى إطار قانوني واضح وتسريع الإجراءات القضائية.

واعتبر غسان ياسين أن ما نُشر لا يمثل سوى جزء بسيط من الانتهاكات، مشيراً إلى وجود مواد “أفظع بكثير”، ومؤكداً أن تحقيق العدالة هو السبيل الوحيد لاحتواء حالة الغضب، وعبّرت منيرة بالوش عن صدمتها من المشاهد، معتبرة أن ما يُعرض اليوم عاشه السوريون سابقاً، ومشددة على أن بقاء المتورطين دون محاسبة يُعد خيانة لدماء الضحايا.

ورأى عبد الرحمن طالب أن توثيق الجناة لجرائمهم كان بدافع شعورهم بالإفلات من العقاب، معتبراً أن ذلك يعكس “منظومة طاعة قائمة على الجريمة”، ومؤكداً ضرورة تحقيق العدالة للضحايا، ووصف أنس العبد المقاطع بأنها تتجاوز حدود الوصف، مشدداً على أنها تمثل جزءاً بسيطاً من الحقيقة، ومطالباً بفتح تحقيق شامل ومحاسبة كل المتورطين.

وقال مصطفى الخلف إن هذه المشاهد تعيد لكل سوري صورة شخص يعرفه، وتفتح جراح عائلات المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً، ودعا أمير عبد الباقي إلى التوقف عن نشر هذه المقاطع مراعاةً لمشاعر ذوي الضحايا، مطالباً في الوقت ذاته باعتقال كل من عمل في المشافي العسكرية والتحقيق معه.

وشدد عروة سوسي على أن العدالة لا تتحقق عبر وسائل التواصل، بل من خلال القضاء المختص، مستشهداً بتجارب دولية تؤكد أن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، وأكد الصحفي هادي العبدالله أن العدالة ستتحقق بالقانون، وأن مرتكبي هذه الجرائم سينالون جزاءهم.

واعتبر خالد الإدلبي أن استقرار البلاد مستحيل دون محاسبة جميع المتورطين، داعياً إلى التحقيق مع كل من عمل في المؤسسات العسكرية المرتبطة بهذه الانتهاكات، ورأى أحمد حجازي أن هذه المقاطع تؤكد أن الجرائم لم تكن خفية، بل معروفة منذ سنوات، وأن ما يظهر اليوم ليس إلا جزءاً بسيطاً من الحقيقة.

ووصف فلاح آلياس المشاهد بأنها “تقشعر لها الأبدان”، مشيراً إلى أنها توثق ممارسات صادمة كتعذيب المعتقلين وانتزاع الأعضاء، وأشار سامر السليمان إلى أن هذه المقاطع لا تقدم جديداً من حيث توثيق الجرائم، لكنها تكشف طبيعة مرتكبيها، محذراً من تحويلها إلى مواد تحريضية، ومطالباً باستخدامها ضمن مسار قانوني منظم.

ودعا مطيع البطين إلى تسريع محاسبة المتورطين، معتبراً أن تنفيذ العدالة هو السبيل لحماية المجتمع واستقراره و تعكس هذه الردود حالة إجماع واسعة على ضرورة تحقيق العدالة، مقابل تباين في المواقف حول آلية التعامل مع المقاطع المسربة، بين من يرى في نشرها ضرورة لكشف الحقيقة، ومن يحذر من آثارها النفسية والاجتماعية، في ظل استمرار الجدل حول المسار الأنسب لمحاسبة المتورطين وإنصاف الضحايا.

وكشفت مشاهد مصورة بوقت سابق تفاصيل مروعة من داخل المستشفى العسكري في حمص، والذي حوّله النظام البائد إلى مركز للاعتقال والتعذيب خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.

ويقدم التقرير، الذي أعده مراسل الجزيرة محمود الكن، شهادة عن الفظائع التي ارتُكبت خلف أسوار هذا المستشفى، من خلال شهود عيان وصفوا ما كان يجري في أقسام المستشفى المختلفة.

ويُعيد التقرير إلى الأذهان صورا حصرية حصلت عليها الجزيرة عام 2012 وعرضت في فيلم "البحث عن جلادي الأسد"، والتي أظهرت جثثا متناثرة في ساحة المستشفى، حيث كشفت كاميرا الجزيرة عن تطابق تام بين هذه الصور والموقع الحالي للمستشفى عام 2024.

ووفق شهادات الناجين والمشاهد التي وثقتها الجزيرة، كانت المستشفيات العسكرية في سوريا، بما فيها المستشفى العسكر بحمص، مراكز للتعذيب بدلا من الاستشفاء.

وتوضح الصور التي بثتها الجزيرة الظروف اللاإنسانية التي كان يُحتجز فيها المعتقلون المرضى داخل الزنازين، حيث كانت الأسرّة أشبه بأدوات للتنكيل.

وسلّط التقرير الضوء على البرادات التي استُخدمت لتكديس جثث المعتقلين، حيث أشار أحد الشهود إلى أنها لم تكن تُخصص لحفظ الطعام، بل لتجميع الجثث فوق بعضها البعض بشكل مهين ودون أي احترام للكرامة الإنسانية.

وكانت أشعلت مقاطع الفيديو المسربة من كاميرات المراقبة داخل سجن صيدنايا العسكري موجة غير مسبوقة من التفاعل والغضب والحزن في الشارع السوري، بعدما أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر ملفات الاعتقال دموية وإيلاماً في تاريخ سوريا الحديث، وفتحت الباب مجدداً أمام أسئلة شائكة تتعلق بمصير الأرشيف الكامل للسجن، والجهة التي استحوذت على تسجيلاته، وما إذا كانت تلك المواد تحمل خيوطاً قد تقود إلى كشف مصير آلاف المغيبين.

المقاطع التي ظهرت للمرة الأولى عبر حساب على موقع "فيسبوك" باسم "حيدر التراب" قبل أن تحذف لاحقاً، لم تكن بالنسبة للسوريين مجرد لقطات مصورة من منشأة عسكرية مهجورة، بل بدت كأنها شريط ذاكرة حي يعيد بث الرعب المكتوم في قلوب عشرات آلاف العائلات التي فقدت أبناءها خلف جدران "المسلخ البشري"، وهو الاسم الذي أطلقته منظمات حقوقية دولية على سجن صيدنايا بسبب ما شهده من تعذيب ممنهج وإعدامات جماعية على مدى سنوات على يد نظام الأسد البائد.

وبحسب المقاطع المتداولة، والتي تم تحميلها وإعادة نشرها من قبل ناشطين بعد حذفها من الحساب الأصلي، فإن التسجيلات توثق ثلاثة مواقع إدارية وخدمية رئيسية داخل سجن صيدنايا الأحمر، وتعود زمنياً -وفق التاريخ الظاهر في أحد التسجيلات وشهادات معتقلين سابقين- إلى الثاني من كانون الأول/ديسمبر 2024، أي قبل نحو أيام من سقوط نظام الأسد البائد وتحرير السجن.

الكاتب: فريق العمل - محمد العلي
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ