المدارس الحقلية.. نموذج تطبيقي يعزز الزراعة المستدامة ويرفع كفاءة الإنتاج في سوريا
تعتمد وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي نهج "المدارس الحقلية" بوصفه أحد أبرز الأساليب الإرشادية الحديثة، التي تنقل التدريب من القاعات التقليدية إلى الحقول، حيث يتلقى المزارعون خبراتهم عبر التطبيق العملي طوال الموسم الزراعي، بما يسهم في تطوير مهاراتهم وتعزيز الإنتاج الزراعي وتحسين مستوى معيشة الأسر الريفية.
التعلّم من قلب الحقول
تقوم المدارس الحقلية على مبدأ "التعلّم بالممارسة"، إذ تتحول الحقول الزراعية إلى مساحات تدريبية مفتوحة، يتابع فيها المزارعون نمو المحاصيل، ويرصدون المشكلات الزراعية ويحللونها عملياً، فيما يقتصر الجانب النظري على دعم التجربة الميدانية وتعزيز نتائجها.
نهج إرشادي حديث
أوضح مدير الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية الدكتور ربيع الحسن أن الوزارة تتبنى هذا النهج باعتباره من أكثر أساليب الإرشاد الزراعي فاعلية، لما يوفره من فرص لتطوير مهارات المزارعين، ورفع كفاءة الإنتاج، وتحسين الظروف المعيشية في الريف.
بيّن الحسن أن المدارس الحقلية تعتمد على مشاركة المزارعين في مراقبة الحقول وتحليل المشكلات الزراعية وتبادل الخبرات فيما بينهم، الأمر الذي يسهم في تبسيط المعلومات الفنية، ونقل التقنيات الزراعية الحديثة، وتحويلها إلى ممارسات عملية تنعكس على زيادة الإنتاج وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.
أكثر من 500 مدرسة حقلية
تشرف مديرية الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية على تنفيذ هذه البرامج بالتعاون مع مديريات الزراعة في المحافظات وعدد من المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، حيث يجري تنفيذ أكثر من 500 مدرسة حقلية في عدد من المحافظات.
يُحدد توزيع هذه المدارس ضمن الخطط الإرشادية السنوية وفق احتياجات كل منطقة وطبيعة التحديات الزراعية فيها، بما يضمن توجيه البرامج التدريبية نحو القضايا الأكثر أهمية.
تحسين الإنتاج وتمكين الريف
تسهم المدارس الحقلية في رفع جودة المحاصيل وزيادة الإنتاجية، بما ينعكس على تحسين دخل المزارعين وترشيد استخدام الموارد الزراعية وخفض تكاليف الإنتاج، إلى جانب تعزيز قدرتهم على اتخاذ القرارات الزراعية المناسبة اعتماداً على الخبرة العملية.
أسهمت هذه البرامج أيضاً في تمكين المرأة الريفية، عبر تطوير مهاراتها الزراعية والفنية، وتوسيع مشاركتها في الأنشطة الإنتاجية، بما وفر مصادر دخل إضافية للأسر الريفية.
روت المربية فاطمة خليل خضور من محافظة حماة تجربتها مع المدارس الحقلية، موضحة أنها اكتسبت مهارات في إعداد السماد العضوي، وتحسين تربية الأبقار، وإدارة الأعلاف وفق الأوزان، وزراعة الفصة لتقليل التكاليف، إضافة إلى تعلم أساليب توثيق النفقات والإيرادات لتقييم الجدوى الاقتصادية للمشروعات الزراعية.
تطوير الزراعة والثروة الحيوانية
تشجع المدارس الحقلية المزارعين على اعتماد التقنيات الحديثة وتطوير مهارات التحليل واتخاذ القرار، من خلال التدريب المباشر بإشراف مختصين، بما يعزز قدرتهم على مواجهة المشكلات الزراعية وتحسين نتائج الإنتاج.
تشمل البرامج مختلف المحاصيل الزراعية وفق خصوصية كل منطقة، مع التركيز على المحاصيل ذات الأهمية الاقتصادية والغذائية، كما تمتد إلى قطاع الثروة الحيوانية، عبر تدريب المربين على تحسين إدارة الأبقار والأغنام، والتغذية الحيوانية، والوقاية من الأمراض، والرعاية البيطرية الأساسية، إلى جانب تصنيع بعض المنتجات الغذائية المنزلية المرتبطة بالإنتاج الحيواني.
نشر مفاهيم الزراعة المستدامة
تركز المدارس الحقلية على ترسيخ مبادئ الإدارة المتكاملة للآفات، والحد من الاستخدام العشوائي للمبيدات والأسمدة الكيميائية، من خلال تشجيع استخدام المكافحة الحيوية، والأسمدة العضوية، والكومبوست، والمراقبة المستمرة للآفات قبل تنفيذ عمليات المكافحة، بما يسهم في حماية البيئة وتحقيق إنتاج أكثر استدامة.
نتائج عملية مشجعة
أظهرت التجارب الميدانية أثراً واضحاً لتطبيق الممارسات الزراعية المستدامة، إذ أوضحت المهندسة مروة زينية، المشرفة على المدرسة الحقلية للثوم في قرية كناكر بريف دمشق، أن الحقل الذي اعتمد التسميد العضوي والمكافحة الحيوية حقق إنتاجية أعلى، حيث بلغ وزن 15 رأساً من الثوم 2.9 كيلوغرام، مقابل 2.5 كيلوغرام في الحقل المقارن، مع الاعتماد على مواد محلية منخفضة التكلفة ودون استخدام مدخلات كيميائية.
تحديات وخطط للتوسع
أكد الدكتور ربيع الحسن أن المدارس الحقلية أثبتت نجاحها كإحدى أكثر أدوات الإرشاد الزراعي كفاءة، إلا أن توسعها لا يزال يواجه تحديات، أبرزها محدودية التمويل، ونقص الكوادر الفنية في بعض المناطق، وصعوبة الوصول إلى عدد من القرى الريفية، في ظل الظروف الاقتصادية والمناخية التي أثرت على القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية.
تتجه الوزارة إلى توسيع نطاق هذه التجربة خلال المرحلة المقبلة لتشمل مختلف المحافظات والأنشطة الزراعية النباتية والحيوانية، مع إدخال تقنيات الزراعة الذكية مناخياً، وتعزيز استخدام المكافحة الحيوية، وزيادة برامج دعم المرأة الريفية، وتأهيل الكوادر الفنية، بما يعزز استدامة الإنتاج الزراعي ويرفع كفاءة القطاع في مواجهة التحديات المستقبلية.