سوريا تستقطب عمالقة الطاقة مع بسط سيطرتها على حقول النفط والغاز في الشمال الشرقي
أفاد تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” أن الحكومة السورية بدأت بتسلّم بعض أكبر حقول النفط والغاز في البلاد بموجب اتفاق مع ميليشيات “قسد”، في خطوة قالت الصحيفة إنها ترفع الآمال بإمكانية رفد مسار التعافي الاقتصادي الهش بعائدات نفطية خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع تحرّك رسمي مكثف لاستقطاب شركات نفط دولية بغرض إنعاش قطاع تآكل على مدى سنوات الحرب والإهمال والعقوبات.
وفي سياق التطورات الميدانية المرافقة، أشار التقرير إلى دخول قوات حكومية مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، يوم الثلاثاء، ضمن “اتفاق دمج” تم التوصل إليه مع ميليشيات “قسد”، وفق توصيف الصحيفة، بما يعكس انتقالًا عمليًا في السيطرة على مناطق كانت خارج إدارة الدولة خلال سنوات الصراع.
اتفاقات دولية جديدة وتدشين استكشاف بحري
وبحسب “فايننشال تايمز”، يأتي تسلّم الحقول متزامنًا مع مساعٍ حكومية لعقد شراكات مع شركات طاقة كبرى للمساعدة في إعادة تشغيل القطاع، إذ تحدث التقرير عن توقيع اتفاق استكشاف بحري يوم الأربعاء مع شركة “شيفرون” الأميركية، إلى جانب شركة “باور إنترناشونال هولدنغ” التي تتخذ من قطر مقرًا لها. وذكر التقرير أن إعلان “شيفرون” جاء بعد “عدة اتفاقات أخرى حديثة” شملت شركات من بينها “كونوكو فيليبس” و“دانة غاز” وشركات سعودية، في إشارة إلى اتساع دائرة الاهتمام الاستثماري، وفق ما نقلته الصحيفة.
وفي عرضٍ لخلفية السيطرة على الموارد، قال التقرير إن الجيش السوري استعاد “الكثير” من مناطق شمال شرقي البلاد خلال “هجوم خاطف” الشهر الماضي، وهي مناطق تضم عددًا كبيرًا من الحقول الرئيسية التي كانت تحت سيطرة ميليشيات “قسد” خلال سنوات الحرب. وربطت الصحيفة ذلك بفرصة تتيح للحكومة إحياء قطاع وصفته بـ”المتهالك”، بعدما أنهكته الحرب التي امتدت لأكثر من عقد.
إعادة تشغيل أولية وإنتاج متواضع إلى المصافي
ونقل التقرير عن الشركة السورية للنفط، المملوكة للدولة، قولها إنها أعادت تشغيل الإنتاج في بعض الحقول التي جرى الاستحواذ عليها حديثًا، وإنها تقوم بتوجيه هذا “الإنتاج المتواضع” نحو مصافي التكرير في مختلف أنحاء البلاد.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن الدولة التي تعاني وضعًا ماليًا بالغ الصعوبة ترى في الاحتياطيات النفطية والغازية مصدرًا محتملًا مهمًا للإيرادات، لكن مصادر داخل القطاع شددت، وفق التقرير، على أن إعادة النهوض بصناعة تضررت بفعل الحرب والإهمال والعقوبات الاقتصادية ستكون “تحديًا هائلًا”.
وفي تقديرات الإنتاج، أفاد التقرير بأن مسؤولين سوريين قالوا إن الإنتاج قد يصل إلى مئة ألف برميل يوميًا خلال أشهر، مقارنة بنحو عشرة آلاف برميل يوميًا في الحقول الواقعة ضمن مناطق سيطرة الحكومة، وهي مناطق بدأت بالإنتاج منذ أن أطاح الرئيس أحمد الشرع برئيس النظام السوري البائد في أواخر عام 2024.
وأشار التقرير إلى تقديرات خبراء بأن الإنتاج في المناطق التي كانت تحت سيطرة ميليشيات “قسد” كان يتراوح بين ستين ألفًا وثمانين ألف برميل يوميًا، مع تأكيده أن الأرقام الدقيقة “يصعب الحصول عليها”.
وبالعودة إلى مرحلة ما قبل الحرب، لفتت “فايننشال تايمز” إلى أن سوريا كانت تضخ ما بين ثلاثمئة وستين ألفًا وأربعمئة ألف برميل يوميًا من النفط الخام قبل اندلاع الثورة عام 2011، موضحة أن الإنتاج كان قد بدأ بالتراجع أصلًا عن ذروة التسعينيات بسبب انخفاض ضغط المكامن وشيخوخة البنية التحتية، لكنه ظل كافيًا لتلبية الاستهلاك المحلي مع وجود فائض للتصدير إلى السوق الدولية.
وقارنت الصحيفة ذلك بالعراق الذي قالت إنه أنتج 4.4 ملايين برميل يوميًا في عام 2024، ما جعله ثاني أكبر منتج داخل منظمة “أوبك” بعد السعودية.
احتياطيات كبيرة وبنية تحتية منهكة ومخاوف من عودة القتال
وأشار التقرير إلى أن سوريا ما زالت تُعد مالكة لنحو 2.5 مليار برميل من الاحتياطي النفطي القابل للاستخراج، لكنه شدد على أن قدرات التكرير والخلط “محدودة بشدة”، وأن خطوط الأنابيب “بحاجة ماسة إلى الإصلاح”، وأن مسؤولين من وزارة الطاقة زاروا الحقول المستعادة خلال الأسابيع الأخيرة ووجدوا أن بعضها “كان متدهورًا بشكل سيئ”.
وبحسب الصحيفة، عبّر أحد المطلعين في القطاع عن صورة أشد تحفظًا بقوله: “نحن فقط في بداية عملية طويلة جدًا… مجرد استعادة الحقول لا يعني أننا نستطيع فتح الصنابير فورًا، هذا سيستغرق سنوات”. كما أورد التقرير أن بعض الجهات المشاركة في محادثات الاستثمار تنظر بتردد إلى حجم الكلفة المتوقعة، وإلى غياب الأطر القانونية والاستثمارية، وإلى محدودية الخبرة الفنية لدى بعض المسؤولين في التفاوض على عقود طاقة “معقدة”، بحسب أشخاص مطلعين على المفاوضات.
ولم يغب البعد الأمني عن حسابات الشركات، إذ أشار التقرير إلى مخاوف من احتمال استئناف القتال بين ميليشيات “قسد” ودمشق، بما قد يعيد خلط أوراق السيطرة على الحقول مجددًا، وفق ما نقلته الصحيفة عن مصادرها.
توقعات الطلب والعقوبات وملفات الشركات العائدة أو المنسحبة
واعتبرت “فايننشال تايمز” أن توقيت تحركات الحكومة السورية “ملائم”، في ظل توجه شركات نفط غربية لتعزيز الاستكشاف مع توقعات جديدة تشير إلى أن الطلب على النفط سيبقى قويًا لعقود بسبب تباطؤ الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
كما أورد التقرير أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جعلت الوقود الأحفوري في صلب سياستها الخارجية، وشجعت الشركات الأميركية بما يخدم هدف “الهيمنة الطاقية”، وفق تعبير نقلته الصحيفة.
وفي ملف العقوبات، نقل التقرير عن مطلعين في الصناعة وأشخاص على صلة بالمحادثات قولهم إن الإدارة الأميركية منحت تخفيفًا للعقوبات على سوريا العام الماضي، بما فتح الطريق أمام “شيفرون” وشركات أميركية أخرى لعقد صفقات مع حكومة الرئيس أحمد الشرع.
وأضاف التقرير أن الحكومة دفعت أيضًا شركات كانت قد علّقت عملياتها خلال الحرب الممتدة لأربعة عشر عامًا إلى إعادة الاستثمار أو التفاوض على تسوية انسحاب.
وفي التفاصيل المتعلقة بالشركات، ذكر التقرير أن إريك برنس، الرئيس السابق لشركة “بلاك ووتر”، استكشف فرصًا في قطاع الطاقة السوري، بحسب شخصين مطلعين على تلك المحادثات، موضحًا أن شركته لم ترد “فورًا” على طلب للتعليق. كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين سوريين أن شركة “شل” تسعى إلى الخروج من حقل “العمر” النفطي ونقل حصصها إلى مشغّلي الدولة، وأن السلطات تُنهي تسوية مالية مع الشركة، بينما قالت “شل” إنها رفضت التعليق.
وأشار التقرير إلى أن حقل “العمر” كان يُدار كمشروع مشترك مع الشركة السورية للنفط قبل أن تضطر الحرب والعقوبات إلى إيقاف عملياته في كانون الأول/ديسمبر 2011.
وختم التقرير بصورة ميدانية من حقل “الطيّيم” في ريف دير الزور الشرقي، بوصفه “تذكيرًا صارخًا” بحجم التحديات أمام الشركات الغربية الراغبة بالعودة، إذ تحدث عن خطوط أنابيب “مثقوبة بالرصاص”، وخزانات وقود “مصدّأة”، ومعدات “ممزقة”، إضافة إلى تجمع “مزيج سام” من مخلفات الاستخراج على سطح الحقل. ونقل عن مدير العمليات فراس الحمدان قوله للصحيفة خلال زيارة العام الماضي إن البنية الأساسية تُمسك أحيانًا عبر “ألواح خشبية وأشرطة مطاطية”.
وأورد التقرير شكوكًا عبر عنها جهاد يازجي بقوله إن الشركات معتادة على بيئات صعبة، لكنه تساءل، بالنظر إلى حجم الاحتياطيات وما يمكن أن تُدرّه، عمّا إذا كانت سوريا “مغرية بما يكفي” لشركات النفط الكبرى للاستثمار، مضيفًا: “لست متأكدًا”.