حادثة محاولة انتحار رجل في درعا تسلط الضوء على البطالة في سوريا وتداعياتها
أعاد مقطع مصور تداوله مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي لرجل في مدينة درعا، يحاول الانتحار أمام مبنى مجلس البلدية بعد إزالة “بسطته” التي يعتاش منها، الحديث عن البطالة، أحد أبرز الظواهر السلبية في المجتمع السوري، وتداعياتها على الأهالي.
"نريد شغل، نريد عمل"
ظهر الرجل في مقطع مصور انتشر مؤخراً على المنصات، وهو يربط عنقه بحبل محاولاً الانتحار، قبل أن يسأله المتجمعون حوله عن سبب ما يفعل، ليردد حينها: "نريد شغل، نريد عمل، لا يوجد شغل ولا عمل"، فيما تدخلت قوى الأمن الداخلي لإنقاذه ومنعه من تنفيذ محاولته.
تؤدي البطالة إلى تداعيات سلبية قاسية على حياة الأفراد، إذ تحرمهم من تأمين احتياجاتهم الأساسية وتزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية عليهم، وتُظهر مثل هذه الوقائع كيف يمكن أن تدفع هذه الظروف بعض الأشخاص إلى سلوكيات أو قرارات مأساوية تحت وطأة العجز وضيق الحال.
نسبة البطالة في سوريا
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال الباحث الاقتصادي حيان حبابة إن البطالة تُعد مؤشراً سلبياً في سوريا، مع وجود ارتفاع ملحوظ في نسبتها وتباين واضح في التقديرات حول حجمها الفعلي، إذ تشير بعض التقديرات الرسمية إلى أن نسبة البطالة تبلغ نحو 60%، في حين تقدّرها جهات أخرى بحوالي 26%، بينما تضعها تقديرات إضافية عند حدود 35%.
وأضاف أن هناك ضعفاً في البيانات الرسمية وغياباً للإحصاءات الدقيقة والدورية حول هذا الملف، ما يحول دون الحصول على معلومات صحيحة ويؤثر بالتالي في دقة التحليل الاقتصادي، لافتاً إلى أن الخلاصة تتمثل في أن البطالة في سوريا باتت عميقة وذات طابع هيكلي.
وتابع أن بنية الاقتصاد السوري تعاني خللاً واضحاً، نتيجة الحرب التي شنها النظام على مدى 14 عاماً، إضافة إلى سوء إدارة البلاد قبل اندلاع الثورة، وهو ما أسهم في فرض العديد من العقوبات الاقتصادية على سوريا منذ عام 2004 وحتى اليوم.
أسباب البطالة
وأردف أن أسباب البطالة متعددة، وتشمل عوامل اقتصادية وهيكلية، إضافة إلى أسباب زمنية أو ظرفية، من أبرزها تدمير البنية التحتية والبنية الإنتاجية، وانهيار العديد من القطاعات الإنتاجية في مجالي الصناعة والخدمات، نتيجة الحرب التي شنها النظام البائد على السوريين وعلى البنية التحتية في البلاد.
وأشار إلى أنه يوجد ضعف في الإنتاج التعليمي، أي ضعف التأهيل وضعف المهارات المكتسبة، حتى في التعليم الصناعي أو ما يُعرف بالتعليم المهني، حيث هناك ملايين السوريين غير مؤهلين للعمل في أي عمل كان، كما يبرز عدم مواءمة مخرجات هذا الإنتاج مع سوق العمل نتيجة تردي أوضاع الجامعات والسياسات المتبعة في زمن النظام البائد.
وأردف أن الأهم من بين كل هذه الأسباب هو غياب الاستثمارات أو توقفها، كما لوحظ هروب كبير لرؤوس الأموال من سوريا، سواء قبل الثورة نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة، أو خلال سنوات الثورة السورية حيث ازداد هذا الهروب بشكل ملحوظ.
التداعيات السلبية
ونوه حبابة لـ "شام" إلى أن استمرار البطالة يؤدي إلى تداعيات سلبية عديدة، منها انخفاض الإنتاجية وانخفاض الناتج المحلي، وتراجع الاستهلاك، إذ إن العامل الذي لا يمتلك وظيفة لا يحصل على مدخول، وبالتالي لا يستطيع شراء السلع والخدمات، كما يترتب على ذلك تراجع الاستثمار.
وتابع حبابة في حديثه لـ شام أن ارتفاع البطالة يؤدي أيضاً إلى زيادة الاعتماد على ما يُعرف بـ«اقتصاد الظل» أو الاقتصاد غير الرسمي أو السوق السوداء، أي العمل خارج القنوات الرسمية للدولة.
حلول واستراتيجيات
في سياق الحلول الممكنة لظاهرة البطالة في سوريا، يشير الباحث حيان إلى ضرورة اتباع مزيج من السياسات قصيرة وطويلة الأجل، بدءاً بالبرامج التدريبية المهنية التي تنفذها الدول لسد فجوة المهارات، وهي أحد أسباب البطالة، كما يقترح دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتنفيذ برامج تشغيل مؤقتة، وذلك ضمن الاستراتيجيات القريبة المدى لمعالجة الظاهرة.
أما على المدى الطويل، فتعمل الحكومة السورية حالياً والقيادة المالية على مجموعة من الحلول الاستراتيجية، تشمل تحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتحسين مناخ الاستثمار وبيئة الأعمال على المستويات القانونية والضريبية والبنية التحتية، بالإضافة إلى إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية في الزراعة والصناعة، كما تأتي الاستراتيجية الأهم في ربط التعليم بسوق العمل والاستثمار في رأس المال البشري في البلاد.
وتبقى البطالة في سوريا ظاهرة معقدة تتطلب سياسات قصيرة وطويلة الأمد، إذ لا يقتصر تأثيرها على مستوى المعيشة فحسب، بل يمتد ليشمل تداعيات اجتماعية واقتصادية كبيرة، ما يجعل إيجاد حلول فعّالة ضرورة عاجلة لضمان استقرار المجتمع وتنمية الاقتصاد.