تراجع متسارع لليرة.. خسائر جديدة تعيد المخاوف للواجهة
تشهد الليرة السورية خلال الأسابيع الأخيرة موجة تراجع جديدة تعكس هشاشة الواقع النقدي حيث فقدت نحو 6% مؤخرًا، في وقت تجاوز فيه سعر صرف الدولار في السوق الموازية حاجز 13,400 ليرة سورية.
ويأتي هذا الانخفاض في سياق اقتصادي معقد، حيث ينعكس ارتفاع سعر الصرف بشكل مباشر على الأسواق، مع تسجيل موجات غلاء طالت السلع الأساسية، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية وتراجع قدرة الرواتب على تغطية الاحتياجات إلى مستويات متدنية.
كما ساهم غياب الضبط الفعلي للأسواق واتساع الفجوة بين العرض والطلب في تسريع انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار، وسط شكاوى من ممارسات احتكارية ورفع الأسعار بشكل استباقي، في وقت حافظ السعر الرسمي الصادر عن المصرف المركزي على الثبات.
في قراءة أسباب التراجع، يجمع عدد من الخبراء الاقتصاديين على أن ما يحدث ليس تطوراً مفاجئاً، بل امتداد لمسار ضعف بنيوي مستمر ويبرز في هذا السياق عامل اختلال التوازن بين العرض والطلب على القطع الأجنبي، حيث يعتمد الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاستيراد مقابل ضعف شديد في الإنتاج والتصدير، ما يخلق طلباً دائماً على الدولار يفوق حجم المعروض منه.
ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد علبي أن جذور الأزمة تعود إلى تراجع حاد في مصادر القطع الأجنبي، إذ انخفضت الصادرات من نحو 18.4 مليار دولار قبل عام 2011 إلى مستويات متدنية للغاية، بالتزامن مع ارتفاع الحاجة إلى الاستيراد، خاصة في مجالات الطاقة والقمح، ما يضع ضغطاً دائماً على الليرة.
كما يشير إلى شح الاحتياطي النقدي وغياب الشفافية بشأنه، ما يعمّق حالة عدم اليقين في السوق، من جهته، يشير الخبير سمير طويل إلى أن التراجع الأخير لا يزال ضمن نطاق محدود نسبياً من حيث تأثيره المباشر على الأسعار، لكنه يحذر من استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
في المقابل، يشير خبراء آخرون إلى عامل الثقة بوصفه أحد المحددات الأساسية لسعر الصرف، حيث أدى تراجع الثقة بالليرة إلى زيادة توجه الأفراد والتجار نحو الدولار كملاذ آمن، ما يعزز الطلب عليه ويفاقم الضغوط على العملة المحلية مع استمرار المضاربات في السوق الموازية.
كما تلعب السياسات الاقتصادية دوراً محورياً في هذا التراجع، إذ يرى بعض المحللين أن فتح الأسواق أمام المستوردات دون دعم موازٍ للإنتاج المحلي أدى إلى استنزاف القطع الأجنبي، في حين أن ضخ السيولة النقدية دون نمو اقتصادي حقيقي ساهم في رفع معدلات التضخم دون تحقيق استقرار فعلي في سعر الصرف.
وفي سياق متصل، يسلط خبراء الضوء على تأثير العوامل الإقليمية والدولية، حيث أدت التوترات في المنطقة إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية بشكل عام، إلا أن هذا العامل يبقى ثانوياً مقارنة بالعوامل الداخلية المرتبطة ببنية الاقتصاد السوري.
بالتوازي مع ذلك، يتقاطع تراجع الليرة مع عملية استبدال العملة التي بدأت مطلع عام 2026 عبر حذف صفرين من قيمتها الاسمية، وهي خطوة وصفها مسؤولون بأنها إجراء تقني يهدف إلى تسهيل التداول النقدي دون أن يؤثر على القيمة الحقيقية للعملة.
غير أن خبراء، من بينهم الدكتور إبراهيم قوشجي، يشيرون إلى أن هذه العملية تجري في ظل بيئة نقدية مضطربة، مع استمرار ازدواجية التعامل بين الليرة القديمة والجديدة، ونقص في الفئات النقدية المطبوعة، ما يخلق اختناقات إضافية في السوق ويزيد من مساحة الشائعات والمضاربات.
ويؤكد أن مستقبل الليرة خلال عام 2026 سيبقى مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على توليد تدفقات حقيقية من القطع الأجنبي، سواء عبر الصادرات أو الاستثمارات أو التحويلات، مشيراً إلى أن السيناريو الواقعي يبقي سعر الصرف ضمن نطاق 13,000 إلى 14,500 ليرة، مع احتمالات مفتوحة لمزيد من التراجع في حال غياب الإصلاحات.
من جانبه، يقدّم الخبير مهران لبابيدي طرحاً مختلفاً يركز على سلوك المستهلك، داعياً إلى اعتماد نمط استهلاك قائم على الحاجة الفعلية لتقليل الضغط على الأسواق، وهو ما قد يساهم بشكل غير مباشر في الحد من موجات الغلاء.
وكان أوضح مركز عمران للدراسات أن تراجع الليرة ليس وليد المرحلة الحالية فقط، بل هو نتيجة مسار طويل من الانهيار بدأ منذ عام 2011، حين فقدت العملة قيمتها تدريجياً من نحو 50 ليرة للدولار إلى آلاف الليرات، نتيجة تداخل عوامل الحرب، والعقوبات، وفقدان الموارد، واعتماد سياسات نقدية غير فعالة، والتمويل بالعجز وطباعة النقود دون غطاء إنتاجي.
ويشير المركز إلى أن أي استقرار مستقبلي للعملة يبقى مرهوناً بإصلاحات هيكلية تشمل إعادة بناء الثقة بالمؤسسات المالية، وتعزيز الشفافية، وضبط الكتلة النقدية، ودعم القطاعات الإنتاجية.
هذا وقدم المركز مجموعة من التوصيات التي قد تسهم في الحد من تدهور العملة واستعادة الاستقرار النقدي، وفي مقدمتها ضرورة تبني سياسة نقدية واضحة وشفافة من قبل المصرف المركزي، وتوحيد أسعار الصرف وإزالة الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.