باحث اقتصادي لـ "شام": استعادة الثقة المصرفية تتطلب توسيع الاعتمادات المستندية وضمان استدامتها
باحث اقتصادي لـ "شام": استعادة الثقة المصرفية تتطلب توسيع الاعتمادات المستندية وضمان استدامتها
● اقتصاد ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦

باحث اقتصادي لـ "شام": استعادة الثقة المصرفية تتطلب توسيع الاعتمادات المستندية وضمان استدامتها

يشكل تنفيذ مصرف سوريا المركزي أول اعتماد مستندي بعد انقطاع دام 14 عاماً خطوة جديدة في مسار استعادة العلاقات المصرفية الدولية، وفتح قنوات منظمة لتمويل التجارة الخارجية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري تحديات تتعلق بكلفة الاستيراد وتوفير القطع الأجنبي وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات المالية.

وجاء تنفيذ الاعتماد لصالح الشركة السورية للبترول، بالتنسيق مع أحد المصارف الأمريكية الكبرى، بهدف تأمين توريد منتجات نفطية، في خطوة تثير تساؤلات حول مدى قدرة القطاع المصرفي السوري على توسيع تعاملاته الخارجية، وإمكانية انعكاس هذه التطورات على تكاليف الاستيراد وانتظام الإمدادات والأسعار المحلية.

ويرى الباحث في الشؤون الاقتصادية حامد سيف الدين في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن أهمية العملية تتجاوز تمويل شحنة نفطية، إذ تمثل اختباراً عملياً لإمكانية التعامل مع المؤسسات المصرفية السورية عبر القنوات المالية الدولية، معتبراً أن استعادة الثقة تتطلب نجاح عمليات متكررة وتوسيع نطاق التعاملات لتشمل القطاع الخاص والمصارف التجارية.

اختبار عملي للثقة المصرفية

قال الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين، إن عودة الاعتمادات المستندية إلى التعاملات السورية تمثل تطوراً مهماً، نظراً إلى ارتباط هذه الأداة المصرفية بثقة المؤسسات المالية الدولية وقدرتها على التعامل مع المصارف المصدرة للاعتمادات.

وأوضح أن مشاركة مصرف أمريكي كبير في العملية تشير إلى قبول التعامل عبر القناة المصرفية المعنية، وفق متطلبات الامتثال والعناية الواجبة الخاصة بالعملية، ولو بالحد الأدنى، ما يفتح المجال أمام إعادة استخدام أدوات تمويل التجارة الخارجية بصورة منظمة.

وبيّن أن سوريا اعتمدت خلال سنوات الانقطاع على الوسطاء والدفع عبر دول ثالثة وقنوات غير رسمية لتأمين جزء من احتياجاتها المستوردة، وهو ما أدى، بحسب تقديره، إلى ارتفاع تكاليف المعاملات نتيجة العمولات الإضافية وهوامش المخاطر.

وأشار إلى أن هذه الآليات حدّت من استفادة المستوردين من الضمانات التي توفرها الأدوات المصرفية التقليدية، وأضعفت قدرتهم على تنظيم عمليات الشراء والتوريد ضمن أطر مالية واضحة.

واعتبر أن استئناف الاعتمادات المستندية يتيح فرصة لمعالجة بعض هذه التحديات، لكنه لا يعني أن العلاقات المصرفية الدولية عادت بصورة كاملة، أو أن جميع المصارف السورية أصبحت قادرة على تنفيذ العمليات ذاتها.

كيف يعمل الاعتماد المستندي؟

أوضح سيف الدين أن الاعتماد المستندي يمثل أداة مصرفية لتنظيم العلاقة بين المستورد والمصدّر، إذ يتعهد المصرف المصدر للاعتماد بالدفع للمستفيد عند تقديم المستندات المطابقة للشروط المحددة في الاعتماد.

وبيّن أن هذه الآلية توفر للمورّد ضماناً مصرفياً للحصول على مستحقاته وفق الشروط المتفق عليها، فيما تمنح المستورد وسيلة لتنظيم الدفع وربطه بتقديم مستندات الشحن والتوريد المطلوبة.

وأشار إلى أن الاعتماد المستندي يقلل بعض المخاطر المرتبطة بالتعامل المباشر بين الأطراف التجارية، ويساعد على تنظيم العمليات المالية وتوثيقها، مع بقاء التحقق من الجودة الفعلية للبضائع مرتبطاً بإجراءات الفحص والمطابقة المتفق عليها.

وأضاف أن استخدام هذه الأداة يسهم في بناء سجل مصرفي موثق للمعاملات الخارجية، وهو عنصر مهم في تقييم المؤسسات المالية الدولية للمخاطر قبل توسيع التعاملات أو تقديم التسهيلات التمويلية.

هل تمهد العملية لعودة المصارف المراسلة؟

اعتبر سيف الدين أن نجاح العملية الأولى يمكن أن يبعث بإشارة إيجابية إلى المصارف والموردين الدوليين بشأن إمكانية التعامل مع السوق السورية عبر القنوات الرسمية.

وأوضح أن المؤسسات المالية الخارجية تعتمد على تقييمات متراكمة للامتثال والقدرة على تنفيذ الالتزامات المالية، ولذلك فإن إنجاز اعتماد واحد لا يكفي لاستعادة الثقة بصورة شاملة.

وشدد على أن توسيع العلاقات المصرفية يتطلب تكرار العمليات بنجاح، وإعادة بناء شبكة المصارف المراسلة، وتوفير قنوات مستقرة لتسوية المدفوعات والتحويلات.

ولفت إلى أن القيمة الاقتصادية لهذه الخطوة ستزداد عندما تصبح الاعتمادات المستندية متاحة للمصارف التجارية والمستوردين في القطاع الخاص، بدلاً من اقتصار استخدامها على المؤسسات العامة أو عمليات محددة.

وأكد أن توسيع نطاق الاستفادة يمكن أن يسهم في تنظيم التجارة الخارجية وتخفيف الاعتماد على الوسطاء، ويمنح الشركات السورية فرصاً أكبر للتعامل المباشر مع الموردين الدوليين.

انعكاسات محتملة على استيراد المشتقات النفطية

وفيما يتعلق بقطاع الطاقة، أوضح سيف الدين أن الاعتماد المستندي يمكن أن يتيح للشركات السورية التعامل المباشر مع المنتجين والموردين الكبار، بدلاً من الاعتماد على سلاسل متعددة من الوسطاء.

وأشار إلى أن تقليل عدد الوسطاء قد يسهم في خفض بعض التكاليف المرتبطة بالاستيراد، وتحسين انتظام مواعيد التوريد، وتعزيز القدرة على تحديد المواصفات والشروط التعاقدية بصورة واضحة.

وأضاف أن هذه المزايا تكتسب أهمية خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب على المازوت والغاز المستخدمين في التدفئة وتوليد الكهرباء، في ظل الحاجة إلى تأمين إمدادات مستقرة للسوق المحلية.

وبيّن أن انتظام عمليات التوريد قد يقلل الحاجة إلى عمليات الشراء العاجلة التي تتم أحياناً بتكاليف أعلى، ويساعد على تحسين إدارة المخزون وتخفيف التقلبات المرتبطة بتوافر المشتقات النفطية.

ومع ذلك، فإن هذه النتائج تبقى مرتبطة بحجم الاعتمادات التي يمكن تنفيذها، وشروط التعاقد والتوريد، وقدرة الجهات المستوردة على تأمين التمويل اللازم بصورة منتظمة.

توفير القطع الأجنبي شرط للاستدامة

أكد الباحث الاقتصادي أن تحويل الاعتمادات المستندية إلى أداة مستدامة لتمويل التجارة يتطلب توافر موارد مستقرة من القطع الأجنبي، بما يسمح للمصارف بتغطية الالتزامات المالية الناشئة عنها.

وأوضح أن هذه الموارد يمكن أن تأتي من الصادرات والتحويلات والاستثمارات وغيرها من التدفقات المالية الخارجية، مشيراً إلى أن عدم استقرارها قد يؤدي إلى بقاء عمليات التمويل محدودة أو متقطعة.

وشدد على أن استئناف استخدام الاعتمادات لا يكفي وحده لتوسيع التجارة الخارجية، ما لم يترافق مع قدرة مالية تسمح بتنفيذ العمليات بصورة منتظمة، وتلبية احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة.

وأشار إلى أن القطاع الخاص يحتاج إلى أدوات تمويل واضحة ومستقرة تساعد المستوردين على التخطيط لعمليات الشراء، بدلاً من الاعتماد على ترتيبات مالية مؤقتة تختلف من صفقة إلى أخرى.

الامتثال المصرفي واستقرار الإطار القانوني

لفت سيف الدين إلى أن تعزيز منظومة الامتثال في المصارف السورية يمثل شرطاً أساسياً لاستمرار التعامل مع المؤسسات المالية الدولية.

وأوضح أن ذلك يشمل تطوير إجراءات مكافحة غسل الأموال، والتحقق من هوية العملاء، ومراجعة العمليات المالية، وتوفير المعلومات التي تطلبها المصارف الخارجية لتقييم المخاطر.

وأكد أن بناء علاقات مصرفية مستقرة يتطلب أيضاً وضوح الإطار القانوني والتنظيمي المتعلق بالعقوبات والتعاملات المالية، بما يتيح للمؤسسات الدولية اتخاذ قراراتها وفق قواعد واضحة.

وحذر من أن استمرار الغموض القانوني أو حدوث تغييرات تؤثر في بيئة التعامل المصرفي قد يدفع بعض المؤسسات المالية إلى التحفظ، ويحد من فرص توسيع شبكة المصارف المراسلة.

واعتبر أن الثقة المصرفية تُبنى من خلال انتظام العمليات والالتزام بالمعايير الدولية، وليس بمجرد الإعلان عن استئناف التعاملات.

هل تنخفض أسعار المحروقات؟

وفيما يتعلق بانعكاس الاعتماد المستندي على المواطنين، أكد سيف الدين أن انخفاض كلفة استيراد المشتقات النفطية، في حال تحققه، لا يعني بالضرورة تراجع أسعارها مباشرة في السوق المحلية.

وأوضح أن انتقال أي وفورات في تكاليف الاستيراد إلى المستهلكين يرتبط بآليات التسعير والتوزيع، ومستويات الهدر، والتكاليف التشغيلية واللوجستية التي تتحملها الجهات المعنية.

وأشار إلى أن تحسين آليات الاستيراد قد يسهم في تخفيف بعض الأعباء المالية، لكن الأثر النهائي على الأسعار يتطلب إجراءات تضمن انعكاس هذه الوفورات على السوق.

وشدد على ضرورة إصلاح منظومة التوزيع والتسعير والحد من الهدر، بما يسمح للمواطنين بالاستفادة من أي تحسن في تكاليف التوريد.

كما أكد أهمية مواصلة إعادة تأهيل حقول النفط والمصافي المحلية، موضحاً أن الاستيراد يساعد على تغطية الاحتياجات الحالية، بينما يتطلب التعافي الاقتصادي على المدى الطويل زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المشتقات المستوردة.

تحركات لاستعادة العلاقات المصرفية الدولية

يأتي تنفيذ الاعتماد المستندي في سياق تحركات مصرف سوريا المركزي الرامية إلى استعادة قنوات التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، وتطوير الآليات اللازمة لتنفيذ المدفوعات المرتبطة بالتجارة الخارجية.

وكان وفد من مصرف سوريا المركزي، برئاسة الحاكم صفوت رسلان، قد بحث في الخامس من تشرين الأول الجاري مع البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك عدداً من الملفات العملية المتعلقة بالعلاقة المصرفية بين الجانبين.

وشملت المباحثات حالات استخدام حساب المصرف المركزي السوري لدى البنك، في إطار الجهود الرامية إلى معالجة المسائل المرتبطة بالتعاملات المصرفية الخارجية.

وتبرز أهمية هذه التحركات في حاجة القطاع المصرفي السوري إلى قنوات مالية منظمة وموثوقة تتيح تنفيذ المدفوعات وتسوية الالتزامات التجارية، بما يدعم حركة الاستيراد والاستثمار والتبادل التجاري.

من عملية واحدة إلى مسار مصرفي مستدام

يرى سيف الدين أن نجاح أول اعتماد مستندي بعد انقطاع طويل يمثل بداية يمكن البناء عليها، لكنه لا يشكل بمفرده مؤشراً كافياً على استعادة القطاع المصرفي السوري كامل علاقاته الخارجية.

وأوضح أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه الخطوة إلى ممارسة مصرفية منتظمة، وتوسيع استخدامها لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية، مع توفير متطلبات التمويل والامتثال والتسوية المالية.

وأكد أن الأثر الاقتصادي الحقيقي سيظهر مع زيادة عدد العمليات المنفذة، وتراجع الاعتماد على الوسطاء، وتحسن قدرة الشركات على التعامل المباشر مع الموردين، وانعكاس ذلك على تكاليف التجارة وتوافر السلع.

وتبقى استدامة الاعتمادات المستندية مرتبطة بقدرة المصارف السورية على بناء علاقات مستقرة مع المؤسسات المالية الدولية، وتوفير القطع الأجنبي، وتعزيز الامتثال، إلى جانب تطوير السياسات التي تضمن انتقال فوائد انخفاض تكاليف الاستيراد إلى النشاط الاقتصادي والمستهلكين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ