الرقابة على سوق الصرف تدخل مرحلة الملاحقة القانونية.. خبير يوضح انعكاساتها على الليرة
تواصل الجهات المعنية في سوريا تنفيذ إجراءات رقابية مشتركة لضبط سوق الصرافة والحوالات المالية، مع انتقال مصرف سوريا المركزي ووزارة الداخلية من مرحلة توجيه الإنذارات إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، في خطوة تستهدف الحد من أنشطة الصرافة غير المرخصة وتنظيم حركة القطع الأجنبي وتعزيز التعامل عبر المؤسسات المالية المعتمدة.
وتأتي هذه الإجراءات بعد توجيه 755 إنذاراً إلى محال ومنشآت تمارس أنشطة الصرافة والحوالات دون ترخيص، قبل الإعلان عن بدء مرحلة جديدة تشمل ضبط المخالفات وإحالة مرتكبيها إلى القضاء المختص، وسط تساؤلات حول تأثير هذه الخطوات في الحد من المضاربة على العملات الأجنبية ودعم استقرار سعر صرف الليرة السورية.
وفي هذا السياق، أكد الباحث في الشؤون الاقتصادية حامد سيف الدين، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن تشديد الرقابة على سوق الصرافة يمثل خطوة مهمة لتنظيم التعاملات المالية والحد من التقلبات غير المبررة، مشدداً على ضرورة أن تترافق الإجراءات الرقابية مع سياسات نقدية واقتصادية تعالج العوامل الأساسية المؤثرة في سعر الصرف.
الرقابة على الصرافة وأثرها في استقرار الليرة
قال الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين إن انطلاق المرحلة الثانية من الجولات الرقابية المشتركة بين مصرف سوريا المركزي ووزارة الداخلية جاء في توقيت مهم، في ظل الحاجة إلى ضبط سوق الصرف والحد من الأنشطة المالية التي تجري خارج الأطر القانونية.
وأوضح أن القرارات النقدية تحتاج إلى إجراءات تنفيذية تضمن الالتزام بها وتمنع الالتفاف عليها، خصوصاً في ظل وجود أنشطة صرافة غير مرخصة قد تسهم في تغذية المضاربة وزيادة التقلبات السعرية.
وأشار إلى أن تشديد الرقابة يساعد على تقليص المساحة المتاحة للمضاربين، والحد من الممارسات التي تؤثر في حركة العرض والطلب على العملات الأجنبية، بما يعزز فرص استقرار السوق.
وبيّن أن فعالية هذه الإجراءات ترتبط باستمرار تنفيذها وتطبيق القوانين الناظمة للأنشطة المالية، إلى جانب توفير بدائل رسمية قادرة على تلبية احتياجات المتعاملين.
تحذيرات من المضاربة مع اقتراب نهاية العام
لفت سيف الدين إلى أهمية تكثيف الحملات الرقابية خلال الفترة الحالية، ولا سيما مع اقتراب نهاية السنة المالية 2026، محذراً من احتمال تنامي التحركات المضاربية التي تستهدف التأثير في سعر الصرف.
وأوضح أن بعض المضاربين قد يسعون، وفق تقديره، إلى دفع سعر الصرف نحو مستويات مرتفعة مع نهاية العام، بهدف التأثير في مستويات الأسعار التي يبدأ عندها التداول خلال السنة المالية الجديدة.
وأشار إلى أن مواجهة هذه التحركات تتطلب متابعة مستمرة للسوق، ورصد الممارسات غير المرخصة، والتعامل مع محاولات التأثير المصطنع في أسعار العملات.
وأكد أن انتظام الرقابة يساعد على الحد من التوقعات السلبية والممارسات المضاربية، مع أهمية التمييز بين التقلبات الناتجة عن عوامل العرض والطلب الفعلية والتحركات التي تستهدف التأثير في السوق بصورة غير مشروعة.
ثلاثة انعكاسات رئيسية للإجراءات الرقابية
حدد الباحث الاقتصادي ثلاثة جوانب رئيسية لأهمية الإجراءات التي ينفذها مصرف سوريا المركزي بالتعاون مع وزارة الداخلية، تتعلق بضبط السوق ودعم استقرار الليرة وتعزيز الثقة بالقطاع المالي.
وأوضح أن الجانب الأول يتمثل في تقليص نشاط الصرافة غير المرخصة والحد من قدرة المضاربين على التأثير في حركة التداول، بما يساعد على جعل سعر الصرف أقرب إلى مستويات العرض والطلب الفعلية.
أما الجانب الثاني، فيرتبط بدعم استقرار الليرة السورية من خلال الحد من المضاربة والتوقعات التي قد تدفع المتعاملين إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية بدافع الخوف من ارتفاع أسعارها.
وأشار إلى أن الجانب الثالث يتمثل في تعزيز الثقة بالمؤسسات المالية، عبر توجيه عمليات الصرافة والحوالات إلى المصارف والشركات المرخصة والخاضعة للرقابة، بما يتيح متابعة حركة الأموال وفق القوانين والأنظمة المعتمدة.
وأكد أن هذه الجوانب مترابطة، وأن تحسين مستوى الالتزام في سوق الصرافة يمكن أن يسهم في توفير بيئة مالية أكثر تنظيماً ووضوحاً للمتعاملين.
الملاحقة القضائية وتعزيز الالتزام المالي
أوضح سيف الدين أن إحالة المخالفين إلى القضاء المختص تمنح الإجراءات الرقابية طابعاً مؤسسياً وقانونياً، وتسهم في تعزيز الالتزام بالتشريعات الناظمة لأنشطة الصرافة والحوالات.
وأشار إلى أن استمرار تطبيق الإجراءات وفق الأطر القانونية يساعد على تجاوز الطابع المؤقت للحملات الرقابية، ويعزز قدرة الجهات المعنية على متابعة المخالفات والحد من تكرارها.
وبيّن أن التعامل عبر المصارف وشركات الصرافة المرخصة يوفر مستوى أعلى من الشفافية والرقابة على حركة الأموال، ويساعد على الحد من المخاطر المرتبطة بالأنشطة المالية غير النظامية.
وأضاف أن تنظيم هذه التعاملات يدعم جهود سوريا في الالتزام بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي من الجوانب المهمة في مسار استعادة العلاقات المصرفية والمالية مع المؤسسات الإقليمية والدولية.
وأكد أن تعزيز الثقة بالقطاع المالي يتطلب وضوح القواعد التنظيمية وتطبيقها بصورة منتظمة، إلى جانب حماية حقوق المتعاملين وتوفير قنوات مالية موثوقة.
هل تكفي الرقابة لتحقيق استقرار مستدام؟
شدد الباحث الاقتصادي على أن الإجراءات الرقابية تمثل أحد العوامل المساعدة على ضبط سوق الصرف، فيما يتطلب تحقيق استقرار نقدي مستدام معالجة مجموعة من التحديات الاقتصادية والمالية.
وأوضح أن نجاح الرقابة يحتاج إلى تسهيل وصول المواطنين والشركات إلى القنوات المالية الرسمية، وتوفير خدمات صرافة وحوالات قادرة على تلبية احتياجات السوق بصورة منتظمة.
وأشار إلى أهمية تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وتوفير سيولة كافية من القطع الأجنبي عبر الجهات المرخصة، بما يحد من دوافع اللجوء إلى التعاملات غير النظامية.
كما أكد ضرورة اعتماد سياسة تواصل واضحة ومنتظمة من مصرف سوريا المركزي مع الجمهور، تتضمن توضيح القرارات والإجراءات النقدية وأهدافها، بما يساعد على الحد من الشائعات والتوقعات غير المستندة إلى معطيات اقتصادية.
ولفت إلى أن الرقابة قد تسهم في معالجة بعض التشوهات والممارسات المضاربية، بينما يرتبط الاستقرار طويل الأمد بتحسين موارد القطع الأجنبي، ودعم الإنتاج المحلي والصادرات، وتعزيز تدفقات تحويلات السوريين في الخارج.
ورأى أن التكامل بين الإجراءات القانونية والسياسات النقدية والإصلاحات الاقتصادية يمثل عاملاً أساسياً في تحسين استقرار السوق وتعزيز الثقة بالليرة السورية.
755 إنذاراً خلال المرحلة الأولى من الحملات الرقابية
وكان مصرف سوريا المركزي قد أعلن في 10 تشرين الأول 2026 توجيه 755 إنذاراً إلى محال ومنشآت تمارس أنشطة الصرافة والحوالات المالية دون ترخيص، خلال جولات رقابية مشتركة نُفذت بالتعاون مع وزارة الداخلية.
وشملت الجولات، بحسب البيان المعلن، دمشق وريف دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وحمص وحماة ودرعا ودير الزور والرقة وإدلب.
وجاءت هذه الإجراءات ضمن المرحلة الأولى من خطة ضبط السوق، التي ركزت على توجيه الإنذارات إلى الجهات المخالفة، وإبلاغها بضرورة الالتزام بالتشريعات الناظمة لممارسة أنشطة الصرافة والحوالات.
وفي 15 تشرين الأول، أعلن المصرف انتهاء مرحلة الإنذارات والانتقال إلى الإجراءات القانونية بحق المخالفين اعتباراً من 18 تشرين الأول، دون توجيه إنذارات مسبقة.
وأكد أن الإجراءات تشمل جميع الأشخاص والجهات التي تواصل ممارسة هذه الأنشطة دون ترخيص، سواء سبق توجيه إنذارات إليها أم لم يسبق ذلك.
بدء الملاحقة القانونية وضبط المخالفات
أعلن مصرف سوريا المركزي، في بيان صادر بتاريخ 19 تشرين الأول 2026، بدء المرحلة الثانية من الإجراءات التنفيذية لضبط سوق الصرافة والحوالات المالية، بالتعاون مع وزارة الداخلية.
وأوضح أن الجولات الرقابية أسفرت عن ضبط أشخاص استمروا في ممارسة أنشطة الصرافة والحوالات دون الحصول على التراخيص المطلوبة.
وأشار إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين، شملت التوقيف وتنظيم الضبوط والتحرز على الأموال المضبوطة، تمهيداً لإحالة القضايا إلى القضاء المختص وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.
وتعكس هذه المرحلة انتقال الإجراءات من التنبيه إلى إنفاذ القوانين الناظمة للسوق، في إطار مساعي الحد من التعاملات المالية غير المرخصة وتعزيز الرقابة على حركة الأموال.
المركزي يدعو إلى التعامل مع الجهات المرخصة
وفي سياق تنظيم السوق، نشر مصرف سوريا المركزي قوائم بشركات ومكاتب الصرافة وشركات الحوالات المالية الداخلية العاملة بصورة مرخصة في سوريا، مع تحديد الأنشطة المسموح لكل جهة بممارستها.
ودعا المصرف المواطنين إلى حصر تعاملاتهم المالية بالجهات المرخصة، بهدف حماية أموالهم وحقوقهم وتقليل المخاطر المرتبطة بالاحتيال والممارسات المالية غير المشروعة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية في توضيح الجهات المخولة بممارسة أنشطة الصرافة والحوالات، وتمكين المتعاملين من التحقق من الوضع القانوني للمؤسسات التي يتعاملون معها.
كما تسهم معرفة نطاق الترخيص الممنوح لكل جهة في الحد من التعاملات التي تجري خارج الأطر التنظيمية المعتمدة.
استقرار سعر الصرف بين الرقابة والإصلاح الاقتصادي
تأتي الإجراءات المشتركة بين مصرف سوريا المركزي ووزارة الداخلية في إطار جهود تنظيم سوق الصرافة والحوالات المالية، والحد من الأنشطة غير المرخصة التي قد تؤثر في شفافية التعاملات واستقرار السوق.
وتشير المعطيات التي عرضها الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين إلى أهمية استمرار الرقابة القانونية، بالتوازي مع تطوير الخدمات المالية الرسمية وتوفير السيولة وتعزيز الثقة بالمؤسسات المرخصة.
ويبقى تأثير هذه الإجراءات في سعر صرف الليرة السورية مرتبطاً بمدى قدرتها على الحد من المضاربة غير المشروعة، إلى جانب تطور العوامل الاقتصادية الأساسية، وفي مقدمتها الإنتاج والصادرات وتدفقات القطع الأجنبي ومستويات الطلب على العملات.
ويشكل التكامل بين ضبط المخالفات وتحسين بيئة العمل المالي وتطوير السياسات الاقتصادية مساراً ضرورياً لدعم الاستقرار النقدي، في ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري خلال المرحلة الحالية.