موجة غلاء جديدة تضرب الأسواق المحلية في سوريا
تشهد الأسواق السورية منذ أسابيع موجة ارتفاعات سعرية متلاحقة طالت معظم السلع الغذائية والاستهلاكية، مدفوعة باستمرار تذبذب سعر صرف الليرة أمام العملات الأجنبية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والاستيراد، ما فرض واقعاً معيشياً أكثر صعوبة على الأسر السورية ودفع شريحة واسعة من المواطنين إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بصورة غير مسبوقة.
ومع انتقال سعر صرف الدولار خلال الفترة الأخيرة إلى مستويات أعلى من مطلع الربيع، انعكس ذلك مباشرة على أسعار المواد الأساسية واللحوم والزيوت والحبوب والمنظفات ومختلف الاحتياجات اليومية، في ظل اعتماد جزء كبير من السوق المحلية على مدخلات مستوردة أو مواد إنتاج مرتبطة بسعر القطع، الأمر الذي وسّع الفجوة بين الدخل الشهري ومتطلبات المعيشة.
ودفع هذا التحول السعري كثيراً من العائلات إلى تبني ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الضرورة"، حيث بات الإنفاق يتركز على الخبز والمواد التموينية الأساسية والخضروات الأقل تكلفة، مقابل تقليص شراء اللحوم والفواكه والمواد الكمالية وحتى بعض الأصناف التي كانت تعد جزءاً ثابتاً من السلة الغذائية الشهرية كالأرز والقهوة والزيوت مرتفعة السعر.
وفي الأسواق الغذائية، برزت موجة غلاء واضحة في أسعار اللحوم الحمراء والفروج ومشتقاتهما نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة والمحروقات وأجور النقل والتبريد، إضافة إلى تقلص أعداد المربين القادرين على الاستمرار بالإنتاج، وهو ما جعل البروتين الحيواني خارج قدرة شريحة واسعة من المستهلكين إلا في الحدود الدنيا.
كما طالت الضغوط السلع الزراعية الطازجة رغم دخول بعض المواسم الإنتاجية، إذ بقيت أسعار عدد من الخضروات والفواكه عند مستويات مرتفعة نسبياً نتيجة تفاوت تكاليف الري والسماد والنقل والتسويق، في حين سجلت بعض المحاصيل انخفاضات دون أن تنعكس بصورة كافية على مجمل الفاتورة الغذائية للأسر بسبب ارتفاع أسعار بقية المكونات الأساسية.
ولم يقتصر الأمر على الغذاء فقط، بل امتد إلى المواد المنزلية اليومية والزيوت والمنظفات ومستلزمات الطبخ والوقود، ما دفع الأسر إلى اعتماد بدائل أرخص وتقليص الكميات المستهلكة، مع اتجاه متزايد نحو إعداد وجبات أقل كلفة وأقل اعتماداً على اللحوم والزيوت والبهارات، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التوازن بين الدخل والمصروف.
وحذر خبراء تغذية في المقابل من أن استمرار هذا النمط من الترشيد القاسي قد يترك آثاراً صحية متراكمة، إذ إن تقليص استهلاك اللحوم والبروتينات والفواكه ومنتجات الألبان لفترات طويلة يؤدي إلى اختلال في التوازن الغذائي ونقص الفيتامينات والمعادن، ما ينعكس على مناعة الأطفال والبالغين ويزيد من المشكلات الصحية الصامتة داخل المجتمع.
اقتصادياً، يرى مختصون أن جزءاً من الأزمة يرتبط بارتفاع تكاليف الإنتاج محلياً نتيجة أسعار الطاقة والأعلاف والمواد الأولية، بينما يرتبط الجزء الآخر باستمرار التسعير الحر في الأسواق وتفاوت حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، الأمر الذي يجعل أي ارتفاع في سعر الصرف ينعكس بسرعة على الرفوف، في حين لا تنخفض الأسعار بالوتيرة نفسها عند تحسن المؤشرات النقدية.
وفي مقابل هذا المشهد، تواصل مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك تنفيذ جولات رقابية وتنظيم ضبوط بحق المخالفين ومتابعة حالات الغش ورفع الأسعار غير المبرر، إلا أن اتساع السوق وتعدد مصادر التسعير وحجم المضاربات التجارية يجعل التدخل الرقابي غير كافٍ وحده ما لم يترافق مع زيادة المعروض المحلي وخفض تكاليف الإنتاج وتحسين قنوات التوزيع.
هذا وتشير المعطيات الحالية إلى أن السوق السورية دخلت مرحلة إعادة فرز استهلاكي واسعة، حيث لم يعد السؤال لدى معظم الأسر ماذا تريد أن تشتري، بل ما الذي يمكن الاستغناء عنه هذا الشهر، في دلالة واضحة على أن موجة الغلاء لم تعد مجرد ارتفاع دوري في الأسعار، بل تحوّلت إلى عامل يعيد تشكيل نمط الغذاء والاستهلاك والحياة اليومية للمواطن السوري على امتداد البلاد.