محلل اقتصادي لـ"شام": مشروع إسمنت المسلمية بحلب يشكل ركيزة لإعادة الإعمار
محلل اقتصادي لـ"شام": مشروع إسمنت المسلمية بحلب يشكل ركيزة لإعادة الإعمار
● اقتصاد ٣ أكتوبر ٢٠٢٦

محلل اقتصادي لـ"شام": مشروع إسمنت المسلمية بحلب يشكل ركيزة لإعادة الإعمار

أعلنت مديرية إعلام حلب بدء وضع حجر الأساس لمشروع إعادة بناء وتشغيل معمل إسمنت المسلمية، باستثمار تبلغ قيمته 200 مليون دولار وفق صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، وذلك بعد توقيع عقد الاستثمار مع شركة "تشيمكو" التركية.

ويتضمن المشروع إعادة تأهيل المعمل القائم وربط خط إنتاج جديد، إلى جانب إنشاء خط لإنتاج الكلنكر بطاقة تصل إلى 5000 طن يومياً، على أن تمتد مدة الاستثمار إلى 30 عاماً، فيما حُددت مدة تنفيذ خط الإنتاج الجديد بـ12 شهراً.

ومن المتوقع أن يسهم المشروع في زيادة إنتاج الإسمنت، وتوفير فرص عمل، ودعم القطاع الصناعي، وتلبية جزء من احتياجات مرحلة إعادة الإعمار.

وفي تصريح خاص لشبكة "شام" الإخبارية، قال المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، إن المشروع يشكل "بعداً اقتصادياً هاماً"، ليس فقط لكونه يعيد تشغيل معمل متضرر، وإنما لارتباطه بقطاع يتوقع أن يكون من الركائز الأساسية خلال مرحلة إعادة الإعمار.

وأوضح الدبس أن أهمية الاستثمار البالغ 200 مليون دولار تتجاوز إعادة تشغيل المعمل، إذ يمثل إضافة لرأس المال الأجنبي المباشر إلى الصناعة التحويلية، ويوجه الاستثمار نحو إنتاج الإسمنت محلياً بدلاً من الاعتماد على استيراده جاهزاً، فضلاً عن إعادة تأهيل بنية صناعية قائمة والاستفادة من الموقع والبنية التحتية والخامات المتوفرة، بدلاً من إنشاء مشروع جديد من الصفر.

وأشار إلى أن المشروع يمكن أن يساهم أيضاً في إدخال تقنيات وخبرات تشغيلية حديثة، إلى جانب تدريب وتأهيل الكوادر السورية، وخلق طلب على قطاعات مرتبطة بصناعة الإسمنت، بينها النقل والتعدين والمحاجر والصيانة وقطع التبديل والطاقة والخدمات الهندسية والمقاولات، إضافة إلى إمكانية تقليص جزء من فاتورة الاستيراد وتوفير القطع الأجنبي عبر إحلال الإنتاج المحلي مكان جزء من الإسمنت المستورد.

وبيّن الدبس أن المشروع يحمل كذلك دلالة استثمارية على مستوى القطاع الصناعي السوري، خصوصاً أنه يأتي ضمن توجه أوسع لطرح معامل الإسمنت للاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص والأجنبي، ما قد يشجع استثمارات إضافية في الصناعة خلال المرحلة المقبلة.

وفيما يتعلق بالطاقة الإنتاجية للخط الجديد، أوضح أن إنتاج 5000 طن من الكلنكر يومياً يعني، في حال التشغيل بالطاقة الكاملة، نحو 1.825 مليون طن كلنكر سنوياً. إلا أن الكلنكر لا يمثل الإسمنت النهائي، بل يشكل المادة الأساسية التي تُطحن مع مواد مضافة لإنتاج الإسمنت، ولذلك لا يمكن اعتبار الرقم نفسه كمية إسمنت نهائية بشكل مباشر.

وأضاف أن الطاقة الفعلية من الإسمنت قد تعادل تقريباً 1.8 إلى مليوني طن سنوياً في أفضل الظروف، مع اختلاف الرقم النهائي بحسب تصميم خط الطحن ونوع الإسمنت ونسبة الإضافات وفترات التوقف والصيانة وكفاءة التشغيل.

ويرى الدبس أن حجم الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي يجعل المشروع ذا أهمية واضحة، مشيراً إلى بيانات رسمية تفيد بأن الاستهلاك السوري قارب 8 ملايين طن خلال عام 2025، مقابل إنتاج محلي بلغ نحو 3 ملايين طن، ما يعني فجوة تقترب من 5 ملايين طن.

وبحسب تقديره، يمكن لخط المسلمية نظرياً أن يغطي جزءاً كبيراً من فجوة الإنتاج الحالية، لكنه لن يكون قادراً بمفرده على إنهاء الاعتماد على الاستيراد، خصوصاً إذا ارتفع الطلب على الإسمنت مع توسع أعمال إعادة الإعمار.

وأشار إلى أن تقديرات البنك الدولي لحجم الاحتياجات المادية لإعادة الإعمار في سوريا تصل إلى نحو 216 مليار دولار، منها 82 مليار دولار للبنية التحتية و75 ملياراً للمباني السكنية و59 ملياراً للمباني غير السكنية، ما يعكس حجم الطلب المحتمل على مواد البناء خلال السنوات المقبلة.

وأوضح أن ارتفاع الطلب إلى 15 مليون طن سنوياً، على سبيل المثال، سيجعل إنتاجاً إضافياً بحدود 1.5 إلى مليوني طن من المسلمية يغطي نحو 10 إلى 13 بالمئة من الطلب المتوقع، بينما تنخفض النسبة إلى نحو 7.5 إلى 10 بالمئة في حال وصول الطلب إلى 20 مليون طن سنوياً، ما يوضح أهمية المشروع من جهة، وحدود قدرته على تلبية الطلب منفرداً من جهة أخرى.

وفيما يخص أثر المشروع على الاستيراد، أكد الدبس أن وصول المعمل إلى إنتاج مستقر قريب من طاقته التصميمية سيعني إحلال جزء من الواردات بإنتاج محلي، إلا أن ذلك يرتبط بعدم تحول سوريا من استيراد الإسمنت النهائي إلى الاعتماد بكميات كبيرة على استيراد الكلنكر أو الوقود والطاقة.

ولفت إلى أن ارتفاع تكلفة إنتاج الكلنكر محلياً، ولا سيما نتيجة أسعار الوقود وتقادم بعض خطوط الإنتاج، دفع في حالات سابقة إلى استيراد الكلنكر عندما يكون أقل تكلفة، ما يجعل نجاح المشروع في خفض فاتورة الاستيراد مرتبطاً بكفاءة استهلاك الطاقة، وتوفر الكهرباء والوقود بأسعار تنافسية، وتأمين المواد الخام محلياً، إلى جانب كفاءة النقل وتوفر طاقات الطحن والتعبئة واستقرار سعر الصرف وتكاليف التمويل.

وأكد أن إنتاج الكلنكر محلياً يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق استقلال صناعة الإسمنت عن الخارج، إذ يتطلب ذلك منظومة إنتاج متكاملة تشمل مراحل التصنيع والطحن والتعبئة والنقل والطاقة.

وعلى مستوى حلب وشمال سوريا، يرى الدبس أن موقع المشروع في المسلمية يمنحه أهمية إضافية، نظراً لإمكانية توفير إنتاج كبير بالقرب من واحدة من أكبر مناطق الطلب، بما قد يسهم في خفض تكاليف نقل الإسمنت، ودعم أعمال إعادة إعمار حلب وريفها، وتحفيز مصانع الخرسانة الجاهزة والبلوك والمنتجات الإسمنتية، إضافة إلى دعم المقاولين المحليين وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.

كما يمكن للمشروع، بحسب الدبس، أن يزيد الطلب على الخدمات الهندسية والصيانة والنقل، ويسهم في نشوء قاعدة صناعية وخدمية مرتبطة بالمعمل، فيما قد يتيح موقع حلب، وقربها من الأسواق العراقية والتركية، إمكانية تصدير جزء من الفائض مستقبلاً، في حال تأمين احتياجات السوق المحلية وتحقيق مستويات تنافسية في التكلفة.

ويضع الدبس مشروع المسلمية ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة قطاع الإسمنت السوري، مشيراً إلى وجود مشاريع أخرى قيد التطوير، من بينها مشروع تطوير معمل إسمنت حماة، الذي يتضمن رفع إحدى طاقاته من 3300 إلى 5000 طن كلنكر يومياً وإنشاء خط جديد بطاقة تصل إلى 6000 طن يومياً، بما قد يرفع طاقة المعمل إلى نحو 11 ألف طن يومياً خلال السنوات المقبلة.

هذا ويخلص المحلل الاقتصادي إلى أن الأثر الأكبر للمشروع سيظهر مع تكامل الاستثمارات في قطاع الإسمنت، بحيث تعمل مشاريع المسلمية وحماة وعدرا وطرطوس ومعامل القطاع الخاص والخطوط الإنتاجية الجديدة ضمن قاعدة إنتاجية أوسع، بما يعزز قدرة الصناعة المحلية على مواكبة الطلب المتزايد خلال مرحلة إعادة الإعمار ويحد من الاعتماد على الاستيراد.

وأكد مدير شركة "عمران" محمود فضيلة انتقال صناعة الإسمنت السورية إلى مرحلة إعادة البناء والاستثمار، مع توجه لفتح شراكات استراتيجية مع مستثمرين محليين وأجانب لتأهيل المعامل وتطوير الإنتاج ونقل التكنولوجيا.

وأشار إلى خطط لإعادة تشغيل معامل حماة وطرطوس وحلب وعدرا والمسلمية، مع توقع بدء بعض المعامل بالإنتاج تدريجياً نهاية 2026، معتبراً أن 2027 قد يشكل نقطة تحول للقطاع.

ويأتي ذلك وسط فجوة بين الإنتاج المحلي البالغ نحو 4.6 ملايين طن سنوياً والطلب المقدر بـ8–9 ملايين طن، ما يبقي السوق بحاجة إلى الاستيراد لتغطية العجز.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ