الليرة بين ضغوط السوق وقيود السيولة.. دعوات متزايدة لمراجعة السياسة النقدية
الليرة بين ضغوط السوق وقيود السيولة.. دعوات متزايدة لمراجعة السياسة النقدية
● اقتصاد ٣ يونيو ٢٠٢٦

الليرة بين ضغوط السوق وقيود السيولة.. دعوات متزايدة لمراجعة السياسة النقدية

يشهد سعر صرف الليرة السورية تراجعاً جديداً في السوق الموازية مع اقتراب الدولار من مستوى 14 ألف ليرة، في وقت لا يزال فيه السعر الرسمي المعتمد من مصرف سوريا المركزي عند مستويات أقل بكثير، ما أعاد النقاش حول فعالية السياسات النقدية المتبعة، وفي مقدمتها سياسة "حبس السيولة" التي اعتمدها المصرف خلال السنوات الماضية للحد من الضغوط التضخمية وكبح الطلب على القطع الأجنبي.

ويأتي هذا التراجع في ظل مجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل تداعيات التطورات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، إضافة إلى تحديات داخلية مرتبطة بضعف الإنتاج وتراجع الثقة بالقطاع المالي. ومع ارتفاع سعر الصرف، انعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات، وسط تقديرات اقتصادية تشير إلى زيادة الأسعار بنسب تتراوح بين 30 و35 بالمئة، ما يفاقم الضغوط المعيشية على المواطنين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن سياسة تقييد السحوبات النقدية أسهمت في تحقيق قدر من الاستقرار النقدي خلال فترات معينة، عبر تقليص الكتلة النقدية المتداولة والحد من المضاربات على العملات الأجنبية، إلا أن آثارها الجانبية باتت أكثر وضوحاً مع مرور الوقت، خاصة على صعيد النشاط الاقتصادي والقدرة التمويلية للمصارف.

ويؤكد أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أن سياسة حبس السيولة تحولت إلى أحد أبرز أسباب الاختلالات النقدية الحالية، معتبراً أنها دفعت الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج الجهاز المصرفي واللجوء إلى الدولار كوسيلة ادخار، ما عزز الطلب على العملة الأجنبية وأضعف فعالية الإجراءات الرامية إلى حماية الليرة.

كما يشير إلى أن القيود المفروضة على السحوبات والتحويلات ساهمت في تقليص قدرة المصارف على تمويل القطاعات الإنتاجية والتجارية، الأمر الذي دفع العديد من المستوردين إلى الاعتماد على السوق الموازية للحصول على الدولار، ما انعكس بدوره على ارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة معدلات التضخم.

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محيي الدين أن السياسة التقييدية جاءت استجابة لظروف استثنائية فرضتها الأزمة الاقتصادية وضعف الأدوات النقدية التقليدية، موضحاً أنها ساعدت مؤقتاً في تخفيف الضغوط على سعر الصرف، لكنها لا يمكن أن تشكل حلاً دائماً ما لم تترافق مع إصلاحات أوسع تعزز الإنتاج والاستثمار وتعيد الثقة بالقطاع المالي.

وتتزايد الدعوات حالياً إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة تقوم على إدارة السيولة بدلاً من حبسها، من خلال توحيد أسعار الصرف تدريجياً، وتخفيف القيود المفروضة على السحوبات والتحويلات، وتطوير أدوات ادخارية واستثمارية جاذبة بالليرة السورية، إلى جانب تعزيز الاحتياطيات الأجنبية وتفعيل أدوات السوق المفتوحة.

ويجمع الخبراء على أن استقرار الليرة لا يرتبط فقط بالإجراءات النقدية المباشرة، بل يحتاج إلى بيئة اقتصادية أكثر إنتاجية وثقة، تسمح بتحريك عجلة الاستثمار والنشاط الاقتصادي، وتمنح العملة الوطنية دعماً حقيقياً ومستداماً بعيداً عن الحلول المؤقتة والإجراءات الاستثنائية.

وسجلت الليرة السورية حالة من التذبذب في السوق الموازية بعد عطلة عيد الأضحى، وسط تداخل عوامل موسمية مرتبطة بالطلب على الدولار، مع ضغوط اقتصادية أعمق تتعلق بالإنتاج والسيولة والسياسات النقدية.

وخلال الفترة التي سبقت العيد مباشرة، سجلت العملة تحسناً محدوداً، قبل أن تستقر لاحقاً عند مستويات قريبة من 13,900 ليرة للدولار في السوق الموازية، وهو ما يعادل نحو 139 ليرة جديدة وفق التسعير المعتمد حديثاً.

وخلال تداولات الأيام التي سبقت العيد، تراوح سعر صرف الدولار بين 13,800 ليرة و13,925 ليرة قديمة، مع تسجيل تحسن نسبي بنحو 1.45% أي ما يقارب 200 ليرة خلال أيام قليلة، وهو تحسن ارتبط بشكل مباشر بارتفاع الحوالات الخارجية وتحسن الطلب على الليرة خلال فترة العيد.

وتشير قراءات اقتصادية إلى أن المرحلة التي تلي عيد الأضحى غالباً ما تشهد انخفاضاً في الاستهلاك المحلي وتراجعاً نسبياً في الطلب على الدولار لأغراض الاستيراد الموسمي، وهو ما قد يتيح هامشاً محدوداً للاستقرار أو تحسن طفيف في سعر الصرف.

في حين يبقى هذا المسار مرهوناً بعوامل أكثر تأثيراً تتعلق بحجم التدفقات المالية والاستثمارية، وقدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج والصادرات، إضافة إلى السياسة النقدية التي يتبعها مصرف سوريا المركزي ومستوى الثقة العامة بالبيئة الاقتصادية.

ويرى الخبير الاقتصادي "شادي سليمان" في حديثه لصحيفة الثورة أن الاتجاهات المقبلة لسعر الصرف تبقى مفتوحة على ثلاثة مسارات رئيسية، حيث يتمثل السيناريو الإيجابي في حالة نجاح الحكومة في جذب استثمارات جديدة وتحسين بيئة الأعمال وزيادة الاحتياطيات الأجنبية، ما قد يقود إلى استقرار تدريجي وربما تحسن في قيمة الليرة خلال النصف الثاني من العام.

أما السيناريو المعتدل، والذي يعد الأقرب وفق تقديراته، فيقوم على استقرار نسبي ضمن نطاقات سعرية محددة مع تقلبات محدودة ناتجة عن توازن العرض والطلب دون تغييرات جوهرية في أساسيات الاقتصاد.

في حين يرتبط السيناريو السلبي بتراجع التدفقات الاستثمارية وعودة المضاربات وزيادة الطلب على الدولار، ما قد يؤدي إلى موجات جديدة من التراجع في قيمة الليرة وارتفاع التضخم.

وفي المقابل، يقدم الخبير المصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي قراءة أكثر تشاؤماً، إذ يرى أن الليرة السورية تمر بمرحلة تدهور حاد في قيمتها الفعلية، حيث فقدت جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع مستويات تضخم مرتفعة أثرت بشكل مباشر على دخل الأفراد.

وأوضح الخبير المالي والمصرفي الدكتور عبد الله قزاز أن هناك عدة سيناريوهات قد تؤثر على سعر الصرف بعد عيد الأضحى، السيناريو الأكثر احتمالية هو عودة الدولار للارتفاع تدريجياً، حيث يتوقع أن ينخفض عرض الدولار بعد انتهاء موسم الحوالات والعيد.

وبين هذه المعطيات الاقتصادية والرقابية المتداخلة، تبدو الليرة السورية في مرحلة حساسة تتأرجح بين عوامل دعم مؤقتة مرتبطة بالمواسم والتحويلات، وضغوط هيكلية مستمرة تتعلق بضعف الإنتاج واعتماد الاقتصاد على الاستيراد، ما يجعل استقرارها الحالي غير ثابت ما لم تُستكمل إصلاحات اقتصادية أوسع وأكثر عمقاً في بنية الإنتاج والسياسات النقدية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ