خلف تراجع التحصيل وتغير السلوك.. كيف نكتشف المعاناة النفسية لدى الطلاب؟
قد تظهر المعاناة النفسية لدى الطلاب من خلال تغيرات في السلوك والتحصيل الدراسي والتفاعل مع الآخرين، دون أن تكون مصحوبة بعلامات واضحة كالحزن أو البكاء، ما يجعل اكتشافها المبكر مرتبطاً بقدرة المعلمين والأسر على ملاحظة هذه التغيرات وفهم الظروف التي يمر بها الطالب.
وتؤثر عوامل متعددة، من بينها الخلافات الأسرية والضغوط المعيشية والتنمر والمطالب الدراسية، في شعور الطلاب بالأمان وقدرتهم على التركيز والتعلم، فيما تبرز أهمية توفير بيئة مدرسية داعمة، تتيح لهم التعبير عن احتياجاتهم والحصول على المساعدة المناسبة دون خوف أو وصم.
وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضحت الاختصاصية النفسية سمية عبد الفتاح أن التعامل مع الصعوبات النفسية لدى الطلاب يتطلب التمييز بين التغيرات السلوكية المؤقتة والمؤشرات التي تستدعي تدخلاً متخصصاً، مع تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمرشدين النفسيين.
مؤشرات نفسية تتجاوز الحزن والبكاء
قالت عبد الفتاح إن المعاناة النفسية لدى الطلاب قد تظهر في صورة انسحاب اجتماعي، أو تراجع المشاركة داخل الصف، أو تغيرات مفاجئة في السلوك، إلى جانب صعوبات التركيز والانفعال السريع والخوف المفرط من ارتكاب الأخطاء.
وأضافت أن بعض الطلاب يعبرون عن ضيقهم النفسي من خلال شكاوى جسدية متكررة، مثل آلام البطن والصداع دون سبب طبي واضح، بينما تظهر لدى آخرين مؤشرات تتعلق بتراجع التحصيل الدراسي أو التغيب المتكرر عن المدرسة وتجنب مواقف أو أماكن معينة فيها.
وأوضحت أن ظهور هذه العلامات لا يعني بالضرورة إصابة الطالب باضطراب نفسي، إذ قد تكون استجابة مؤقتة لضغوط أو تغيرات يمر بها، مشيرة إلى أن تقييم الحالة يعتمد على مدة استمرار الأعراض وشدتها ومدى تأثيرها في التعلم والعلاقات الاجتماعية والشعور بالأمان.
وأكدت أن استمرار المؤشرات أو تفاقمها بصورة تعيق حياة الطالب اليومية يستدعي تقييماً من مختص نفسي، فيما تتطلب التغيرات السلوكية الحادة والمفاجئة، أو ظهور دلائل على التعرض للعنف والإيذاء، أو حديث الطالب عن إيذاء نفسه، استجابة سريعة دون انتظار استمرار الأعراض لفترة طويلة.
الضغوط الأسرية والمعيشية وتأثيرها في الطلاب
أشارت عبد الفتاح إلى أن الخلافات الأسرية المتكررة والتوتر وعدم الاستقرار داخل المنزل قد تؤثر في شعور الطفل بالأمان، وتزيد احتمالات تعرضه للقلق والتشتت وصعوبة تنظيم مشاعره.
وبيّنت أن الظروف المعيشية الصعبة قد تنعكس على تلبية احتياجات الطالب الأساسية واستقراره النفسي، كما قد تحد من قدرة الأسرة على توفير المتابعة الدراسية والدعم العاطفي اللازم.
وشددت على أن الظروف الاقتصادية الصعبة لا تعني بالضرورة تعرض جميع الأطفال لمشكلات نفسية، إذ تختلف استجاباتهم بحسب ظروفهم الفردية ومستوى الدعم المتاح لهم.
وأوضحت أن فهم البيئة الأسرية والمعيشية يساعد على تفسير بعض التغيرات التي تظهر على الطلاب، بدلاً من التعامل معها بمعزل عن الظروف المحيطة بهم.
التنمر والضغط الدراسي وراء تغيرات السلوك
لفتت الاختصاصية النفسية إلى أن التنمر داخل المدرسة قد يؤثر في شعور الطالب بالأمان والانتماء، وينعكس على تقديره لذاته وعلاقاته بزملائه ومشاركته في الأنشطة الصفية.
وأضافت أن آثار التنمر قد تظهر في صورة عزلة أو قلق أو تراجع دراسي، وقد تدفع بعض الطلاب إلى تجنب أشخاص أو أماكن معينة، فيما تظهر لدى آخرين سلوكيات عدوانية.
وفيما يتعلق بالضغوط الدراسية، أوضحت عبد الفتاح أنها قد تتحول إلى مصدر للإجهاد والقلق عندما تتجاوز المطالب التعليمية قدرة الطالب على التكيف، أو ترتبط بالخوف من العقاب والفشل والمقارنة المستمرة بالآخرين.
وأشارت إلى أن هذه الضغوط قد تؤثر في الانتباه والذاكرة وتنظيم المشاعر والقدرة على حل المشكلات، ما يجعل استيعاب المعلومات ومتابعة الدروس أكثر صعوبة، حتى لدى الطلاب الذين يمتلكون قدرات تعليمية جيدة.
وأكدت أن تراجع التحصيل الدراسي لا ينبغي تفسيره تلقائياً على أنه إهمال أو ضعف في القدرات، فقد يرتبط بصعوبات نفسية أو اجتماعية تحتاج إلى الفهم والمعالجة.
المعلم ودوره في اكتشاف المعاناة مبكراً
أوضحت عبد الفتاح أن وجود المعلم بصورة يومية مع الطلاب يجعله من أكثر الأشخاص قدرة على ملاحظة التغيرات في سلوكهم وتفاعلهم ومشاركتهم الصفية، ما يمنحه دوراً مهماً في الاكتشاف المبكر للصعوبات النفسية.
لكنها شددت على أن مهمة المعلم تقتصر على ملاحظة المؤشرات والتعامل معها تربوياً، دون محاولة تشخيص الاضطرابات النفسية، باعتبار أن التشخيص من اختصاص الكوادر المؤهلة.
ودعت إلى تجنب إطلاق أوصاف سلبية على الطلاب، مثل «كسول» أو «مشاغب» أو «ضعيف الشخصية»، لأن بعض السلوكيات قد تعكس شعوراً بالقلق أو الخوف أو صعوبة في تنظيم المشاعر.
وأوصت بالتحدث مع الطالب على انفراد، باستخدام لغة هادئة وغير اتهامية، وإتاحة المجال أمامه للتعبير عن مشاعره دون ضغط، مع احترام خصوصيته وتجنب إحراجه أمام زملائه.
وأكدت ضرورة التواصل مع المرشد النفسي أو الجهة المختصة داخل المدرسة عند استمرار المؤشرات، واتباع إجراءات حماية الطفل في الحالات التي تتضمن إفصاحاً عن التعرض للعنف أو الإيذاء.
وأشارت إلى أهمية التعامل بجدية مع إفصاحات الطلاب، دون الضغط عليهم لتكرار التفاصيل أو محاولة إجراء تحقيق فردي معهم، مع إحالة الحالات إلى الجهات المختصة وفق الإجراءات المعتمدة.
الإرشاد النفسي داخل المدارس
أكدت عبد الفتاح أن وجود مرشدين نفسيين مؤهلين داخل المدارس يمثل جزءاً أساسياً من توفير بيئة تعليمية آمنة، نظراً لدورهم في اكتشاف الصعوبات النفسية والاجتماعية وتحديد احتياجات الطلاب وتقديم المساندة المناسبة.
وأوضحت أن خدمات الإرشاد تشمل الجلسات الفردية والجماعية، وتنمية المهارات النفسية والاجتماعية، وتنفيذ برامج وقائية تساعد الطلاب على التعامل مع الضغوط والتحديات اليومية.
كما يسهم المرشد النفسي في مساعدة المعلمين على فهم بعض السلوكيات، وتوعية الأسر بأساليب التواصل الداعم مع أبنائها، وإحالة الحالات التي تحتاج إلى تقييم أو علاج متخصص إلى الجهات الصحية المناسبة.
وحذرت من أن غياب خدمات الإرشاد قد يؤدي إلى تأخر اكتشاف المشكلات وتفاقمها، أو تفسير أعراض المعاناة النفسية على أنها مخالفات سلوكية تستوجب العقاب، ما يحرم الطالب من الدعم الذي يحتاج إليه.
ولفتت إلى أن فعالية الإرشاد النفسي تتطلب توفير كوادر مؤهلة وموارد مناسبة وآليات واضحة للإحالة والمتابعة، إلى جانب التعاون المستمر بين المدرسة والأسرة والجهات الصحية المختصة.
كيف توفر المدرسة بيئة نفسية آمنة؟
بيّنت عبد الفتاح أن تعزيز الصحة النفسية داخل المدارس يبدأ بمناهضة التنمر والعنف، وترسيخ الاحترام المتبادل بين الطلاب، وتوفير وسائل آمنة للإبلاغ عن المشكلات دون خوف من العقاب أو الوصم.
وأشارت إلى أهمية إدماج المهارات النفسية والاجتماعية في الأنشطة المدرسية، بما يساعد الطلاب على فهم مشاعرهم وتنظيم انفعالاتهم والتعامل مع الضغوط والخلافات وطلب المساعدة عند الحاجة.
كما أكدت ضرورة تدريب المعلمين والعاملين في المدارس على التعرف إلى المؤشرات المبكرة للمعاناة النفسية، وفهم تأثير الضغوط والتجارب المؤلمة في السلوك والتعلم، واستخدام أساليب تربوية داعمة.
وشددت على أهمية تدريب الكوادر على مبادئ الإسعاف النفسي الأولي وإجراءات التعامل مع حالات العنف والإيذاء، بما يضمن استجابة مناسبة تحافظ على سلامة الطالب وحقوقه.
الأسرة شريك أساسي في الدعم النفسي
أوضحت عبد الفتاح أن توفير الدعم النفسي للطلاب يتطلب تعاوناً منتظماً بين الأسرة والمدرسة، يقوم على تبادل المعلومات المتعلقة باحتياجات الطالب وصعوباته، بعيداً عن اللوم أو تحميل المسؤولية لطرف واحد.
وأشارت إلى أهمية الاتفاق على خطوات عملية تتناسب مع حالة الطالب، وتحديد دور كل من المعلم والمرشد النفسي والإدارة المدرسية والأسرة، مع متابعة أثر الإجراءات المتخذة وتعديلها عند الحاجة.
وأكدت أن التواصل الداعم مع الطلاب، والاستماع إلى مخاوفهم واحترام مشاعرهم، يساعد على تعزيز الثقة وتوفير الشعور بالأمان داخل المنزل والمدرسة.
كما شددت على ضرورة احترام خصوصية الطلاب الذين مروا بتجارب مؤلمة، وتجنب إجبارهم على الحديث عنها أو استعادة تفاصيلها أمام الآخرين.
الخصوصية وحماية الطلاب
لفتت عبد الفتاح إلى أن السرية المهنية تمثل عنصراً أساسياً في بناء الثقة بين الطالب والمرشد النفسي، لكنها لا تعني حجب المعلومات عندما تكون هناك مخاطر جدية تستوجب اتخاذ إجراءات لحمايته.
وأوضحت أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب الالتزام بإجراءات الحماية المعتمدة، ومشاركة المعلومات الضرورية فقط مع الجهات المخولة، بما يحقق سلامة الطالب ويحافظ على خصوصيته قدر الإمكان.
وأكدت أن مسؤولية الصحة النفسية للطلاب تتوزع بين المدرسة والأسرة والجهات المختصة، وأن توفير الدعم المناسب يرتبط بالتعاون بينها ومراعاة احتياجات كل طالب وظروفه.
وختمت عبد الفتاح حديثها لشبكة شام الإخبارية بالتأكيد أن الاهتمام بالصحة النفسية داخل المدارس يسهم في تعزيز قدرة الطلاب على التعلم والتكيف وبناء علاقات اجتماعية صحية، مشيرة إلى أن الاستثمار في هذا المجال يمثل استثماراً في نمو الإنسان وقدرته على المشاركة الفاعلة في المجتمع.