نكهة لا تغيب عن المائدة السورية… اليبرق بين الجهد المنزلي وتقلبات الواقع
تحرص النساء خلال شهر رمضان على إعداد أشهى الأطعمة لعوائلهن عند تجهيز مائدة الإفطار، ولا سيما الأطباق الشعبية المعروفة في المنطقة، ويُعد اليبرق (ورق العنب) واحداً من أكثرها حضوراً ومحبة في سوريا.
تعود أصول اليبرق إلى مطبخ القصر العثماني حوالي عام 1300، وتعني باللغة التركية “ورق العنب”، ثم انتقلت خلال فترة الحكم العثماني إلى الدول العربية، خصوصاً بلاد الشام ومصر، حيث أُضيف إليها حمض الليمون، لتصبح واحدة من أشهر مأكولات المطابخ العربية.
يحمل اليبرق تسميات مختلفة في عدد من الدول العربية؛ ففي الأردن وفلسطين يُعرف باسم "ورق العنب" أو "ورق الدوالي"، وفي مصر يُطلق عليه اسم "المحشي"، بينما يُسمى في العراق "الدولما"، أما في بعض دول المغرب فيُعرف بـ"محشي ورق العنب".
يحتاج هذا الطبق إلى ورق العنب، والحشوة المكونة من لحم مفروم ناعم، وأرز، ونعنع يابس، وملح، وثوم مهروس، وزيت، وبهارات، فتُوضع كمية قليلة من الحشوة داخل كل ورقة ثم تُلف، وتُكرر العملية حتى تنتهي الكمية المخصصة للطبخة، وهو ما يستغرق وقتاً طويلاً في التحضير، وقد يختصر إذا حظيت السيدة بمساعدة.
وتُوضع شرائح اللحم أو اللحم بعظمه في أسفل الطنجرة، ثم يُرص فوقها ورق العنب الملفوف، ويُطهى على الغاز حتى ينضج، وتختلف مدة الطهي بحسب نوع القدر المستخدم؛ فإذا كان القدر عادياً فقد يستغرق ساعات طويلة، بينما يُختصر الوقت عند استخدام طنجرة الضغط.
ويُعرف عن أهالي مدينة حلب بسوريا أنهم يفضلون طهيه على نار هادئة لساعات قد تتراوح بين 10 و12 ساعة للحصول على نكهته المميزة، إلا أن هذه الطريقة لا يستطيع الجميع اتباعها، نظراً لما تتطلبه من وقت طويل واستهلاك أكبر للغاز.
طرأت تعديلات على طبق اليبرق، إذ أدخلت ربات المنازل بعض التغييرات عليه نتيجة الفقر وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ليصبح أكثر توافقاً مع الموارد المالية المتاحة، ولا سيما خلال سنوات الثورة في سوريا وما فُرض من ظروف معيشية قاسية على الأهالي.
فاضطرت العديد من النساء إلى استبدال شرحات اللحم أو اللحم بعظمه بقطع من لحم الفروج، وأحياناً إعداد الطبق من دون إضافة اللحم على الإطلاق.
كما استُبدل اللحم الناعم المستخدم في الحشوة من لحم الغنم أو البقر بلحم الفروج أيضاً في بعض الحالات، أو جرى تقليل كميته بحيث لا تتجاوز التكاليف حدود الميزانية، مع الحرص على بقاء الطبق حاضراً على المائدة في سوريا في معظم الأوقات، ولا سيما خلال شهر رمضان.
رغم التعديلات التي طرأت عليه، يبقى طبق اليبرق واحداً من الأطباق الشهية التي تحرص السيدات على وجودها على سفرة رمضان في سوريا، مع أنه يتطلب ساعات طويلة من العمل والجهد في تحضيره، قبل أن يتلاشى هذا التعب مع تذوق أول قطعة منه.