من مغارة تحت القصف إلى المتحف.. تكريم سوري حافظ على مئات القطع الأثرية في إدلب لأكثر من عقد
كرّم وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح، المواطن ضياء الدين الخنوس من محافظة إدلب، تقديراً لدوره في حماية مجموعة من القطع الأثرية التي عثر عليها مصادفة عام 2014، وحافظ عليها خلال سنوات الحرب في سوريا والنزوح، قبل أن يسلمها إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف لتوثيقها ودراستها وحفظها ضمن المجموعات الأثرية الوطنية.
وتختصر قصة الخنوس جانباً من المخاطر التي واجهها التراث السوري خلال السنوات الماضية، إذ بدأت الحكاية أثناء بحثه عن مكان يحمي أسرته من قصف قوات نظام الأسد البائد، قبل أن يقوده حفر ملجأ في بلدته معرتحرمة بريف إدلب الجنوبي إلى اكتشاف مدفن أثري يحتوي على مئات القطع الفخارية، لتبدأ منذ ذلك الوقت رحلة استمرت سنوات للحفاظ عليها.
اكتشاف بدأ أثناء البحث عن ملجأ
قال ضياء الدين الخنوس، وهو موجّه إداري في مدرسة سنا الربيع بمدينة إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القصف على معرتحرمة اشتد عام 2014، ما دفعه إلى حفر مغارة لتوفير مكان أكثر أماناً لأسرته، إلا أن أعمال الحفر كشفت بصورة مفاجئة عن مغارة أثرية تضم مئات القطع الفخارية متعددة الأشكال داخل مدفن واحد.
وأوضح الخنوس أن قراره بعدم التصرف بالقطع جاء بعد استشارة ابن بلدته والمتخصص في الآثار أيمن نابو، مدير مركز آثار إدلب سابقاً ومعاون المدير العام للآثار والمتاحف حالياً، والذي شدد آنذاك على القيمة الحضارية للمكتشفات وضرورة حمايتها في ظل ظروف الحرب وما كانت تتعرض له المواقع والمقتنيات الأثرية من مخاطر.
وأضاف أنه اقتنع بضرورة التعامل معها باعتبارها إرثاً يجب الحفاظ عليه، ورفض بيعها أو التخلي عنها، قبل أن يتوجه نابو برفقة فريق من مركز آثار إدلب إلى منزله لإجراء عملية توثيق أولية للقطع وتنظيم بيانات خاصة بكل واحدة منها.
وتابع أن الفريق عمل على تغليف القطع بمواد مخصصة لحمايتها من الرطوبة، ثم وضعها ضمن أغلفة واقية وصناديق خشبية أغلقت بإحكام لتقليل احتمالات تعرضها للكسر أو التلف نتيجة الظروف المحيطة.
الصناديق بقيت في المنزل
أشار الخنوس إلى أن مركز آثار إدلب طلب إبقاء الصناديق لديه في تلك المرحلة، بعدما اعتبر منزله مكاناً أكثر أماناً من نقلها إلى منشآت أو متاحف كانت معرضة للقصف، ليتحمل بذلك مسؤولية حمايتها وسط ظروف أمنية شديدة الصعوبة.
وأكد أن الخوف من تعرض المنزل للقصف كان من أبرز التحديات التي رافقته طوال فترة الاحتفاظ بالمقتنيات، إذ لم تكن المخاطر مرتبطة بسرقة القطع أو تلفها فقط، وإنما باحتمال تدمير المكان الذي تحفظ فيه بالكامل.
وأضاف أن نزوحه مجدداً عام 2019 وضعه أمام تحدٍ آخر، إذ حرص على إخراج القطع معه رغم مخاطر الدخول إلى المنطقة في ذلك الوقت، في ظل استمرار الاستهداف من طيران ومدفعية قوات نظام الأسد البائد.
ووصف الخنوس القطع بأنها أمانة وطنية وليست مجرد مقتنيات فخارية قديمة، معتبراً أنها جزء من ذاكرة سوريا وإرثها الحضاري، وأن تسليمها في نهاية المطاف إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف أعادها إلى المكان الذي يفترض أن تحفظ وتدرس فيه.
تكريم بعد سنوات من الحماية
عبّر الخنوس عن اعتزازه بتكريم وزير الثقافة له بعد سنوات من الاحتفاظ بالمقتنيات، معتبراً أن الخطوة تمثل اعترافاً رسمياً بدور المواطن في حماية الإرث الوطني، وتوثيقاً لموقف اختار خلاله المحافظة على القطع رغم الظروف التي مر بها خلال الحرب والنزوح.
وأكد أن قيمة التكريم بالنسبة إليه ترتبط بالمسؤولية التي حملها طوال تلك السنوات، لافتاً إلى أن وصول القطع إلى الجهات الأثرية المختصة يعني بالنسبة إليه انتهاء المهمة التي بدأت لحظة العثور عليها عام 2014.
المواطن شريك في حماية الآثار
من جهته، أكد معاون المدير العام للآثار والمتاحف أيمن نابو، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن تكريم المواطنين الذين يحافظون على المكتشفات الأثرية ويسلمونها إلى المؤسسات المختصة يمثل واجباً على الجهات الرسمية، مشدداً على أن حماية التراث مسؤولية يشترك فيها الفرد والمجتمع مع مؤسسات الدولة.
وأوضح نابو أن المديرية تعمل على تكريس منهج يقوم على تعزيز الثقة والتواصل بين المواطنين والمؤسسات المعنية بالآثار، بحيث يشعر من يعثر على قطعة أو موقع أثري بأن الإبلاغ عنه هو المسار الطبيعي لحمايته، وأن المؤسسة الرسمية شريك يتولى التعامل معه وفق الإجراءات القانونية والعلمية.
وأشار إلى أن الآثار لا تمثل ملكاً لمؤسسة حكومية بعينها، وإنما إرثاً يعود إلى المجتمع، ما يجعل الوصول إلى إدارة أكثر فاعلية للتراث مرتبطاً بمشاركة المواطنين في حمايته والإبلاغ عن المكتشفات والمخاطر التي تتعرض لها المواقع الأثرية.
من الإبلاغ إلى التوثيق والدراسة
كشف نابو أن المديرية العامة للآثار والمتاحف تتبع نهجاً مختلفاً في التعامل مع بلاغات المواطنين عن المكتشفات الأثرية، قائلاً إن التعامل خلال عهد نظام الأسد البائد كان يرتبط، وفق وصفه، بمتابعة الأفرع الأمنية لمثل هذه البلاغات، بينما يجري العمل حالياً على مقاربتها من منظور قانوني وعلمي وفني.
وبيّن أن الإجراءات تبدأ بالإبلاغ عن القطعة أو المكتشف الأثري، ثم التعامل معه وفق خطوات قانونية وفنية تنتهي بوصوله إلى المتاحف أو المخابر المختصة، حيث يمكن توثيقه ودراسته وتحديد قيمته وسياقه الأثري وحفظه بالطرق المناسبة.
وتبرز تجربة ضياء الخنوس نموذجاً للدور الذي يمكن أن يؤديه السكان في حماية الآثار، إذ انتقلت مئات القطع التي ظهرت مصادفة أثناء حفر ملجأ تحت القصف من صناديق حفظت لسنوات وسط النزوح والمخاطر إلى عهدة المؤسسات المختصة، لتبدأ مرحلة جديدة من توثيقها ودراستها وحفظها ضمن الإرث الحضاري السوري.