مشاهدة بلا وعي… أفلام الرعب وتأثيرها الخفي على نفسية الطفل
يلجأ بعض الأطفال إلى مشاهدة أفلام الرعب، أحياناً برفقة والديهم أو أشقائهم الأكبر سناً، في ظل غياب إدراك كافٍ لدى بعض الأهل لتأثير هذا النوع من المحتوى على الأطفال في المراحل العمرية المبكرة.
ويحذر مختصون من أن هذا النوع من المشاهد قد ينعكس سلباً على نفسية الطفل، مسبباً له الخوف والقلق، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى ظهور سلوكيات غير مرغوبة مثل اضطرابات النوم أو التوتر أو الخوف المبالغ فيه، ما يستدعي انتباهاً أكبر من قبل الأهل لما يتابعه الأطفال داخل المنزل.
وفي هذا السياق، قال براء الجمعة، مختص ومشرف في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، ومؤسس منصة "إصغاء"، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأسباب التي تدفع بعض الأطفال إلى الميل لمشاهدة أفلام الرعب والانجذاب إليها رغم ما تحمله من مشاهد مخيفة، تعود إلى الفضول وحب الاستكشاف والرغبة في تجربة مشاعر الإثارة والتشويق.
وأضاف أن مشاهدة الأقران أو أفراد الأسرة لهذا النوع من الأفلام قد تجعل الطفل يعتقد أنها تجربة ممتعة أو وسيلة لإثبات الشجاعة، دون أن يكون مدركاً بشكل كامل لتأثيرها النفسي عليه.
وأوضح أن التداعيات النفسية المحتملة لمشاهدة الأطفال لأفلام الرعب، خاصة عندما تتم متابعتها برفقة العائلة دون رقابة أو توجيه مناسب، قد تشمل زيادة الخوف والقلق وظهور الكوابيس وصعوبات النوم، لا سيما لدى الأطفال الأصغر سناً، لافتاً إلى أنه في السياق السوري، حيث تعرض كثير من الأطفال لتجارب ضاغطة مرتبطة بالحرب والنزوح وعدم الاستقرار، قد تعيد بعض المشاهد تنشيط مشاعر الخوف لديهم بشكل أكبر من غيرهم.
وبيّن في تصريح خاص لـ شام، أن انعكاس هذه المشاهد على سلوك الطفل اليومي قد يظهر على شكل خوف من الظلام أو البقاء وحيداً، أو تعلق زائد بالأهل، أو زيادة في القلق والتوتر، مشيراً إلى أن بعض الأطفال قد يقلدون سلوكيات أو مشاهد عنيفة شاهدوها دون إدراك للعواقب، خصوصاً في حال عدم حصولهم على تفسير أو توجيه مناسب من الكبار.
ونوه إلى أن درجة التأثير تختلف تبعاً لعمر الطفل أو شخصيته، فكلما كان الطفل أصغر سناً كانت قدرته على التمييز بين الخيال والواقع أقل، كما أن الأطفال الحساسين أو الذين مروا بتجارب مخيفة سابقة قد يكونون أكثر تأثراً، موضحاً أن من العلامات التي تستدعي الانتباه الكوابيس المتكررة، واضطرابات النوم، والخوف المبالغ فيه، والتوتر، والانعزال، أو كثرة الحديث عن المشاهد المخيفة.
وأشار إلى أن الإرشادات المقدمة للأهالي للتعامل مع رغبة الأطفال في مشاهدة هذا النوع من الأفلام تقوم على الالتزام بالتصنيف العمري للمحتوى، ومتابعة ما يشاهده الطفل، والتحاور معه حول ما يراه، مؤكداً ضرورة تجنب أفلام الرعب للأطفال الصغار، وعدم الاستهانة بعبارات مثل "دعه يعتاد" أو "ليتعلم الشجاعة"، لأن التعرض لمحتوى غير مناسب قد يزيد الخوف بدلاً من تخفيفه.
وأفاد بأن البدائل الترفيهية المناسبة يمكن أن تشمل أفلام المغامرات المناسبة لأعمارهم، والقصص البوليسية الخفيفة، والألعاب الاستكشافية، والأنشطة الرياضية، والألغاز، والتجارب العلمية المبسطة، مبيناً أن هذه البدائل تمنح الطفل المتعة والإثارة والتحدي دون تعريضه لآثار نفسية سلبية.
وقال في نهاية تصريحه : "الطفل لا يشاهد بعينيه فقط، بل بمشاعره أيضاً، لذلك قد ينسى تفاصيل الفيلم، لكنه قد يحتفظ بالخوف الذي زرعته بعض مشاهده لفترة طويلة."
ويرى أخصائيون نفسيون أن تأثير أفلام الرعب على الأطفال لا يرتبط فقط بمحتوى المشاهدة، بل بطريقة استقبال الطفل له، لافتين إلى أن الأطفال في المراحل العمرية المبكرة يميلون إلى التفاعل العاطفي المباشر مع الصور والمشاهد دون قدرة كافية على التمييز بين الواقع والخيال.
وأضافوا أن التعرض المتكرر لهذا النوع من المحتوى قد يرسّخ لدى الطفل استجابات خوف طويلة الأمد، خاصة إذا لم يتم احتواء التجربة بالحوار والتفسير من قبل الأهل، مشددين على أن دور الأسرة لا يقتصر على المنع فقط، بل يمتد إلى التوجيه وشرح ما يشاهده الطفل بطريقة مبسطة وآمنة تساعده على تجاوز أثر المشاهد المخيفة.
ويذكر خبراء تربويون أن من المهم أن يوجّه الأهل أطفالهم نحو بدائل ترفيهية تتناسب مع أعمارهم وتحقق في الوقت نفسه جانباً تربوياً إيجابياً، مثل الأفلام الهادفة التي تحمل قيماً إنسانية، أو البرامج التعليمية التي تنمّي الفضول والمعرفة، إضافة إلى القصص التفاعلية والأنشطة التي تعزز التفكير والإبداع.
وينوهوا إلى أن اختيار هذا النوع من المحتوى يساعد الطفل على اكتساب مهارات وسلوكيات إيجابية، ويمنحه شعوراً بالمتعة دون تعريضه لمشاهد قد تثير لديه الخوف أو القلق، مشددين على أن دور الأهل أساسي في التوجيه والاختيار الواعي لما يشاهده الطفل بما ينسجم مع مرحلته العمرية.
يبقى موضوع متابعة ما يشاهده الأطفال من محتوى ترفيهي، ولا سيما أفلام الرعب، مرتبطاً بدرجة وعي الأهل بطبيعة هذا المحتوى وتأثيره على المراحل العمرية المختلفة، وبقدرتهم على توجيه اختيارات أبنائهم داخل المنزل، كما تبرز أهمية الانتباه إلى البدائل التي يمكن تقديمها للأطفال بما يتناسب مع أعمارهم، وبما يحقق لهم جانباً ترفيهياً وتربوياً في الوقت نفسه، بعيداً عن أي محتوى قد ينعكس على سلوكهم أو حالتهم الانفعالية.