فضل عبد الغني لـ«شام»: ملف الاختفاء القسري لم ينتهِ بسقوط نظام الأسد البائد و177 ألف شخص ما زالوا مجهولي المصير
فضل عبد الغني لـ«شام»: ملف الاختفاء القسري لم ينتهِ بسقوط نظام الأسد البائد و177 ألف شخص ما زالوا مجهولي المصير
● مجتمع ٣١ أغسطس ٢٠٢٦

فضل عبد الغني لـ«شام»: ملف الاختفاء القسري لم ينتهِ بسقوط نظام الأسد البائد و177 ألف شخص ما زالوا مجهولي المصير

أكد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن ملف الاختفاء القسري في سوريا لم ينتهِ بسقوط نظام الأسد البائد، موضحاً أن هذا الانتهاك يبقى قائماً ما دام مصير الشخص أو مكان وجوده مجهولاً، وأن التغيير السياسي لا يسقط حق العائلات في معرفة الحقيقة ولا ينهي مسؤولية البحث عن المختفين.

وأشار عبد الغني إلى أن اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 30 آب بموجب القرار 65/209، يمثل مناسبة للتذكير بحق الضحايا وعائلاتهم في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، فيما تبقى الحالة السورية استثنائية من حيث حجم الملف وتعقيده.

177 ألف مختفٍ قسرياً

كشف عبد الغني أن أحدث تحديث لقاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الصادر في 30 آب 2026، يظهر أن ما لا يقل عن 177 ألفاً و21 شخصاً، بينهم 4536 طفلاً و8984 سيدة، ما زالوا في عداد المختفين قسرياً منذ آذار 2011.

وأضاف أن الشبكة وثقت مقتل ما لا يقل عن 45 ألفاً و365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، بينهم 45 ألفاً و38 شخصاً داخل مراكز احتجاز تابعة لنظام الأسد البائد، مؤكداً أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للحالات الموثقة ولا تعكس بالضرورة الحجم الفعلي للانتهاكات.

المفقودون أوسع من المختفين قسرياً

بيّن عبد الغني أن من الضروري التمييز بين المفقودين والمختفين قسرياً، موضحاً أن فئة المفقودين أوسع من الناحية القانونية، وقد تشمل أشخاصاً فقد أثرهم أثناء الأعمال القتالية أو النزوح والهجرة، أو على أيدي جماعات مسلحة، أو ضمن ظروف لا تتوافر فيها بعد معطيات كافية لتوصيف الحالة قانونياً كاختفاء قسري.

وشدد على أن أي سياسة وطنية جادة ينبغي أن تبحث عن جميع المفقودين دون تمييز، مع الاحتفاظ بالتوصيف القانوني الخاص بحالات الاختفاء القسري متى توافرت عناصره، لافتاً إلى أن هذا النهج ينسجم أيضاً مع نطاق عمل المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية.

من التوثيق إلى كشف المصير

أكد عبد الغني أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من مجرد توثيق حالات الاختفاء إلى بناء مسار منهجي لكشف المصير، موضحاً أن التحدي خلال سنوات نظام الأسد البائد كان يتمثل أساساً في إثبات واقعة الاعتقال أو الاختفاء وتحديد الجهة المسؤولة عنها.

وأشار إلى أن سقوط النظام أتاح وصولاً أكبر إلى مراكز الاحتجاز السابقة والأرشيفات والشهود ومواقع الدفن المحتملة، ما يفرض، بحسب قوله، الانتقال إلى البحث النشط عبر حماية الوثائق، وجمع السجلات وربطها، وتأمين مواقع المقابر الجماعية، وتطوير قدرات الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي، وإنشاء نظام معلومات قادر على ربط الأدلة بالحالات الفردية.

مساران متوازيان: كشف المصير والمساءلة

أوضح عبد الغني أن البحث عن المفقودين وتحديد المسؤولية عن جريمة الاختفاء مساران مختلفان وظيفياً لكنهما متكاملان، مشيراً إلى أن المسار الأول يجب أن يكون سريعاً وإنسانياً ومتمحوراً حول الأسرة، وألا يبقى مرهوناً باكتمال ملف جنائي.

وأضاف أن مسار المساءلة يبحث في المسؤولية الفردية والمؤسسية عن الاعتقال والإخفاء والتعذيب والقتل، مؤكداً أن التكامل بين المسارين ضروري، لكن مع حماية سرية بيانات العائلات وعدم نقل المعلومات من المسار الإنساني إلى المسار القضائي بصورة تلقائية أو من دون ضمانات واضحة.

تحول في البيئة.. ونتائج ما تزال محدودة

قال عبد الغني إن الجهود الحالية للكشف عن مصير المختفين والمفقودين تجري ضمن بيئة مختلفة جذرياً عما كانت عليه سابقاً، موضحاً أن أول تحول كبير حصل بعد 8 كانون الأول 2024 مع انتهاء احتكار أجهزة نظام الأسد البائد للمعلومات المتعلقة بمراكز الاحتجاز والأرشيف الأمني.

وأضاف أن الوصول إلى مواقع وسجلات ووثائق وشهود لم يكن الوصول إليهم ممكناً في السابق، سمح بإعادة تقييم عدد من الحالات، بما في ذلك نقل بعض الملفات من تصنيف الاختفاء القسري إلى الوفاة في الاحتجاز بعد ظهور أدلة كافية.

وأشار إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تمكنت، نتيجة الوصول إلى وثائق رسمية ومراكز احتجاز سابقة، من تحديث جزء مهم من قواعد بياناتها، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الغالبية الساحقة من العائلات ما تزال بلا جواب نهائي.

الهيئة الوطنية للمفقودين

ذكر عبد الغني أن إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين بموجب المرسوم رقم 19 لعام 2025 شكّل تحولاً مؤسسياً مهماً، إذ تشمل ولايتها جمع المعلومات والتحقق منها والعمل على كشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً، إلى جانب بناء إطار وطني للتعامل مع هذا الملف.

وأشار إلى وجود تعاون مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، لكنه أكد أن البلاد لا تمتلك حتى الآن منظومة وطنية مكتملة للطب الشرعي والحمض النووي وقواعد البيانات قادرة على معالجة ملف بهذا الحجم.

ورأى أن معيار نجاح المرحلة المقبلة يجب ألا يقاس فقط بعدد المؤسسات التي أنشئت أو حجم الأدلة التي جرى الوصول إليها، بل بعدد المصائر التي تُكشف بصورة نهائية، وعدد العائلات التي تتلقى إجابات موثوقة عن أبنائها.

حقوق العائلات والتزامات الدولة

أوضح عبد الغني أن سوريا ليست، حتى 30 آب 2026، طرفاً في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وبالتالي لا يمكن تقديم المادة 24 منها باعتبارها التزاماً تعاقدياً مباشراً على الدولة السورية.

وأشار في المقابل إلى أن سوريا طرف منذ عام 1969 في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وطرف منذ عام 2004 في اتفاقية مناهضة التعذيب، موضحاً أن هذه الاتفاقيات ترتب التزامات ترتبط بحقوق المختفين وعائلاتهم.

وبيّن أن الاختفاء القسري قد يمس، بحسب ظروف كل حالة، الحق في الحياة، وحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، والحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في الاعتراف بالشخص أمام القانون.

ثلاثة مستويات من الالتزام

حدد عبد الغني التزامات الدولة تجاه أسر المفقودين بثلاثة مستويات مترابطة، تبدأ بالبحث وكشف المصير، ثم كشف ظروف الانتهاك والتحقيق فيه، وصولاً إلى الانتصاف وجبر الضرر.

وأوضح أن المستوى الأول يتعلق بتمكين الأسرة، متى توافرت الأدلة العلمية والموضوعية، من معرفة ما إذا كان قريبها حياً أو متوفى، وأين يوجد أو أين توجد رفاته.

وأضاف أن المستوى الثاني يتطلب، حيث تسمح الأدلة، معرفة زمان ومكان وكيفية الوفاة، وما إذا كان الضحية تعرض للتعذيب أو القتل، وما الذي خلصت إليه التحقيقات.

وأشار إلى أن المستوى الثالث قد يشمل التعويض وإعادة التأهيل والدعم القانوني والنفسي والاجتماعي، إلى جانب تسوية المشكلات المدنية المرتبطة بالميراث والملكية والزواج وحضانة الأطفال، وضمانات عدم تكرار الانتهاكات.

دعوة للانضمام إلى اتفاقية الاختفاء القسري

دعا عبد الغني سوريا إلى الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتجريم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة في القانون الوطني، والاعتراف باختصاص لجنة الاختفاء القسري في تلقي الشكاوى الفردية بموجب المادة 31.

وشدد على أن حقوق العائلات يجب أن تُكفل دون تمييز على أساس الجهة المسؤولة عن الاختفاء أو الانتماء السياسي أو القومي أو الديني أو المناطقي للضحية، موضحاً أن العدالة الانتقالية تفقد مشروعيتها إذا اقتصرت على ضحايا طرف وأهملت ضحايا أطراف أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار الفوارق الكبيرة في حجم الانتهاكات وأنماطها والمسؤولية عنها.

الوثائق والمقابر مفاتيح أساسية

أكد عبد الغني أن الوثائق والسجلات ومراكز الاحتجاز السابقة والمقابر الجماعية تمثل البنية الأساسية لأي عملية جادة لكشف المصير، إلا أن الوصول إلى الحقيقة لا يعتمد غالباً على وثيقة واحدة، بل على الربط بين مصادر متعددة ومستقلة.

وأوضح أن سجلاً أمنياً قد يكشف تاريخ اعتقال شخص، فيما قد يظهر سجل آخر نقله إلى فرع أو سجن مختلف، وقد تتضمن وثائق المستشفيات العسكرية أو سجلات الوفاة معلومات لاحقة، بينما قد توفر شهادات الناجين أو الصور الجوية مؤشرات إلى أماكن الاحتجاز أو مواقع الدفن.

وأضاف أن ربط هذه المعطيات ببيانات ما قبل الوفاة وفحص الرفات والأنثروبولوجيا الشرعية وتحليل الحمض النووي يمكن أن يقود، في بعض الحالات، إلى تحديد علمي للمصير والهوية.

مخاطر العبث بالأدلة

حذر عبد الغني من فقدان الأدلة أو العبث بها، موضحاً أن الأرشيف الأمني قد يحتوي على آخر معلومة موثوقة بشأن شخص مختفٍ، إضافة إلى بيانات تربطه بمركز احتجاز أو مسؤولين عن اعتقاله ونقله.

ونبه إلى أن أي نبش عشوائي للمقابر الجماعية أو تحريك للرفات قد يدمر السياق الجنائي والطب الشرعي، ويجعل تحديد الهوية والمسؤولية أكثر صعوبة.

وأشار إلى أن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى اختصاصيين في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الشرعية والآثار الجنائية، ومختبرات جينية، ونظام وطني للعينات المرجعية من العائلات، إلى جانب قواعد بيانات قابلة للربط وضوابط صارمة لحماية البيانات.

التنسيق بين الجهات

أوضح عبد الغني أن المعلومات المتعلقة بالمفقودين موزعة بين جهات متعددة، معتبراً أن المطلوب ليس جمعها كلها قسراً في مؤسسة واحدة، وإنما وضع بروتوكولات تتيح المطابقة وتبادل الحد الأدنى الضروري منها، مع احترام السرية والغرض الذي جُمعت من أجله والموافقة على استخدامها.

وأكد ضرورة التمييز بين التحقق لأغراض كشف المصير والإثبات الجنائي، موضحاً أن الأسرة لا ينبغي أن تنتظر سنوات إلى حين اكتمال ملف قضائي إذا كانت هناك أدلة علمية موثوقة تكفي لإبلاغها بمصير قريبها.

معرفة المصير ليست الحقيقة كاملة

فرّق عبد الغني بين معرفة المصير والوصول إلى الحقيقة الكاملة، موضحاً أن معرفة المصير تجيب عن السؤال الأول بالنسبة إلى الأسرة، وهو ما إذا كان الشخص حياً أو متوفى وأين يوجد أو أين توجد رفاته.

وأضاف أن الحق في الحقيقة يتجاوز ذلك إلى معرفة ظروف الاختفاء ومكان الاحتجاز وموعد الوفاة وسببها، وما إذا كان الضحية تعرض للتعذيب، ومكان الدفن، والمسؤولين عن الاعتقال والنقل والاحتجاز.

وبيّن أن هناك مستويين للحقيقة، الأول فردي يتعلق بما حدث للشخص نفسه، والثاني بنيوي يبحث في الأجهزة والمراكز والسلاسل القيادية والآليات التي أنتجت عشرات آلاف حالات الاختفاء، معتبراً أن هذا المستوى ضروري للمساءلة وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.

كيف يُقاس النجاح؟

أكد عبد الغني أن نجاح أي سياسة وطنية في هذا الملف ينبغي أن يقاس بعدد العائلات التي تلقت إجابات موثوقة، وعدد الرفات التي جرى تحديد هويتها وإعادتها، وعدد الحالات التي خضعت لتحقيقات فعالة، ومدى قدرة المؤسسات على تفسير نمط الاختفاء ومنع تكراره.

وشدد على أن مشاركة العائلات يجب ألا تكون شكلية، بل جزءاً أساسياً من تصميم السياسات وتقييمها، معتبراً أن سوريا تحتاج اليوم إلى نظام وطني آمن لإدارة بيانات المفقودين، وحماية شاملة للأرشيفات والمقابر الجماعية، وقدرات واسعة في الطب الشرعي والحمض النووي، وآلية مؤسسية للتنسيق وتبادل المعلومات.

وأكد عبد الغني في ختام حديثه لشبكة شام أن العائلات السورية، بعد خمسة عشر عاماً، تحتاج إلى حقيقة موثوقة بشأن مصير أبنائها، وتفسير للظروف التي أنتجت اختفاءهم، وانتصاف فعلي عن الضرر الذي لحق بها، ومساءلة المسؤولين عندما تسمح الأدلة بذلك.

وكان أحيا العالم أمس، 30 آب، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، في مناسبة تسلط الضوء على حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة والمصير، وفي سوريا، لا يزال ملف المختفين قسرياً حاضراً بعد سنوات من النزاع، مع استمرار جهود البحث عن مصير آلاف الأشخاص الذين ما زالت عائلاتهم تنتظر إجابات بشأنهم.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ