بين الأمل والغموض.. كيف يستنزف الاختفاء القسري عائلات المفقودين نفسياً واجتماعياً؟
تعيش عائلات المفقودين والمختفين قسرياً حالة مختلفة عن الفقد المرتبط بوفاة مؤكدة، إذ يبقى مصير الشخص مجهولاً، وتظل الأسرة عالقة بين احتمال عودته والخوف من فقدانه، ما يحول الانتظار الطويل إلى مصدر مستمر للضغط النفسي والاجتماعي، وقد ينعكس على قدرتها على مواصلة حياتها وإعادة ترتيب أدوارها الأسرية.
وتتجدد مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري معاناة آلاف العائلات السورية التي مضت سنوات على انتظارها دون معلومات حاسمة بشأن مصير أبنائها، فيما يزيد تداول الأخبار المتضاربة والشائعات عبر منصات التواصل من وطأة الغموض، ويضع الأسر أمام موجات متكررة من الأمل والانهيار.
«الفقدان الغامض».. غياب بلا نهاية واضحة
قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عدم معرفة مصير الشخص المفقود أو المختفي قسرياً يضع أسرته أمام حالة تعرف نفسياً بـ«الفقدان الغامض»، حيث يبقى المفقود حاضراً بقوة في وجدان العائلة رغم غيابه الجسدي.
وأوضح جمعة أن استمرار الانتظار لسنوات، كما في الحالة السورية، قد يدفع العائلات إلى حالة من «التأهب المزمن»، والترقب المستمر لوصول خبر أو عودة المفقود، ما يعوق قدرتها على ممارسة مسار الحزن والتكيف النفسي، ويصعب عليها إعادة تنظيم أدوار أفرادها ووظائفهم.
وأشار إلى أن استمرار هذه الحالة قد يراكم الإجهاد النفسي والجسدي والإنهاك العصبي، ولا تقتصر آثاره على الفرد وحده، بل يمكن أن تمتد إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة بأكملها.
حياة معلقة بين الأمل والخوف
بيّن جمعة أن الانتظار الطويل يربك البنية الأسرية ويجعل أفرادها عالقين بين الحفاظ على أمل عودة المفقود ومحاولة الاستمرار في تفاصيل حياتهم اليومية، معتبراً أن جانباً أساسياً من المعاناة يكمن في عدم وجود نهاية زمنية واضحة للانتظار.
وأضاف أن العيش بين احتمالي الحياة والوفاة يولد ما وصفه بـ«غموض الحدود الأسرية»، حيث لا تستطيع العائلة تحديد موقع الشخص المفقود ضمن بنيتها بصورة نهائية، ما قد يثير مشاعر متناقضة بين الذنب عند محاولة مواصلة الحياة، والعجز الناتج عن التمسك المستمر باحتمال العودة.
لماذا يختلف عن الوفاة المؤكدة؟
أوضح الأخصائي النفسي أن الفقدان الغامض يختلف بصورة جوهرية عن فقدان شخص تأكدت وفاته، إذ يسمح وجود حقيقة واضحة، رغم قسوتها، ببدء مسار الحزن واستيعاب الخسارة تدريجياً وإعادة تنظيم الحياة النفسية والاجتماعية للأسرة.
وأكد أن غياب اليقين في حالات الاختفاء القسري يجعل الحزن معلقاً، إذ لا تستطيع الأسرة التعامل مع الواقعة بوصفها فقداً نهائياً، ولا تستطيع في المقابل التصرف على أساس أن الشخص سيعود، ما يبقي الضغط النفسي قائماً لفترات طويلة.
وأشار جمعة إلى أن العقل يستطيع، بحسب توصيفه، التكيف مع الحقائق القاسية عندما تصبح مؤكدة أكثر من قدرته على التعامل مع احتمالات مفتوحة ومتضاربة، لأن استمرار الغموض يمنع الأسرة من رسم مسار واضح للتعامل مع خسارتها.
الشائعات تعيد تنشيط الصدمة
حذر جمعة من تأثير الأخبار المتضاربة والمنشورات غير الموثوقة المتعلقة بمصير المفقودين عبر منصات التواصل الاجتماعي، موضحاً أنها تضيف مصدراً جديداً للغموض، وتدفع العائلات إلى التأرجح بين ما وصفه بـ«الأمل الكاذب» والانهيار عند اكتشاف عدم صحة المعلومات المتداولة.
وبيّن أن هذا التذبذب العاطفي قد يعيد تنشيط أعراض الصدمة النفسية مع كل معلومة جديدة غير موثقة، كما يمكن أن يؤدي اختلاف أفراد الأسرة في تفسير الأخبار إلى خلافات داخلية وشعور متبادل بالذنب حول الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع مصير المفقود.
ولفت إلى أن التعرض المتكرر للشائعات والمعلومات المتناقضة قد يتحول إلى ضغط نفسي مستمر، إذ يعيد إحياء تجربة الفقد مع كل خبر جديد يفتقر إلى دليل واضح.
الحقيقة أول احتياجات العائلات
أكد جمعة أن المعلومات الدقيقة والموثوقة تأتي في مقدمة احتياجات أسر المفقودين، باعتبارها العامل الأساسي الذي يمكن أن يحسم حالة الغموض، إلى جانب حاجتها إلى الاعتراف المجتمعي بمعاناتها وتوفير الدعم لها، دون ممارسة ضغوط تدفعها إلى التسليم بوفاة المفقود أو التخلي عن الأمل بعودته من دون أدلة.
وأشار إلى أهمية منح العائلات المساحة التي تسمح لها بالأمل والحزن في الوقت ذاته، مع عدم مطالبتها بإغلاق ملف المفقود قبل ظهور معلومات موثوقة بشأن مصيره، لافتاً إلى أن التواصل مع عائلات خاضت التجربة ذاتها يمكن أن يساعد في تخفيف مشاعر العزلة والوحدة.
كيف يمكن التعامل مع الانتظار؟
أوضح جمعة أن الدعم النفسي في حالات الاختفاء ينبغي أن يركز على إدارة القلق والإجهاد الناتج عن عدم اليقين، من دون ربط الحصول على المساعدة النفسية بضرورة تقبل فرضية وفاة الشخص المفقود.
ودعا إلى إرشاد الأسر نحو المصادر الموثوقة للحصول على المعلومات، وتقليل التعرض المفرط للمحتوى العشوائي والشائعات على وسائل التواصل، بما يحد من دور الأخبار غير المثبتة في إعادة تنشيط مشاعر الخوف والصدمة.
وأشار إلى أهمية مساعدة الأسرة على بناء طرق للتكيف مع الغموض نفسه، بدلاً من استنزاف طاقتها في انتظار سلبي مفتوح، والعمل على استعادة أدوارها اليومية والاجتماعية والوظيفية، من دون اعتبار مواصلة الحياة تخلياً عن الشخص المفقود أو تنازلاً عن حق البحث عنه.
الدعم لا يعني النسيان
نوه جمعة بأهمية الاستفادة من منظومات القيم والمعتقدات التي تساعد الأسر على الصمود، إلى جانب توفير مجموعات ومساحات آمنة تجمع العائلات التي تتشارك تجربة فقد مماثلة، بما يسهم في الحد من الشعور بالعزلة.
وأكد في ختام حديثه لشبكة شام أن مساندة عائلات المفقودين تتطلب التضامن معها في رحلة البحث عن الحقيقة، بالتوازي مع مساعدتها على إدارة حياتها اليومية وحماية تماسكها الأسري في ظل استمرار عدم اليقين.
وشدد على أن الدعم النفسي لا يعني دفع العائلات إلى النسيان أو إغلاق ملف أبنائها، بل مساعدتها على بناء القدرة النفسية اللازمة لمواصلة الحياة والصمود، بالتوازي مع تمسكها بحقها في البحث عن المفقودين ومعرفة مصيرهم والمطالبة بالحقيقة.