خصوصية الأسرة في تربية الأطفال: كيف نعلّم الطفل الحدود دون أن نخيفه أو نمنعه من التعبير؟
خصوصية الأسرة في تربية الأطفال: كيف نعلّم الطفل الحدود دون أن نخيفه أو نمنعه من التعبير؟
● مجتمع ٢١ يوليو ٢٠٢٦

خصوصية الأسرة في تربية الأطفال: كيف نعلّم الطفل الحدود دون أن نخيفه أو نمنعه من التعبير؟

في كل عائلة مساحة خاصة وتفاصيل لا تُشارك مع الجميع، وهذا أمر يدركه الكبار بشكل طبيعي، لكن الطفل لا يولد وهو يفهم هذه الحدود، لذلك يحتاج إلى من يعرّفه تدريجياً على معنى الخصوصية، وكيف يمكنه التمييز بين ما يمكن قوله وما يُفضل الاحتفاظ به داخل الأسرة، من خلال التوجيه والتدريب الهادئ الذي يساعده على الفهم دون خوف أو ارتباك.

في هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية سدرة حسن الأحمد، المختصة بمجال الدعم النفسي الاجتماعي وحماية الطفل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الطفل لا يولد وهو يدرك معنى الخصوصية أو حدود ما يمكن مشاركته مع الآخرين، بل يكتسب هذا الوعي تدريجياً من خلال أسلوب التربية الذي ينشأ فيه. 

وأضافت أن مختصين في علم النفس يرون أن تعليم الطفل مفهوم خصوصية الأسرة لا يتعلق بتلقينه الصمت أو منعه من الحديث، بل ببناء وعي تدريجي يساعده على التمييز بين احترام الحياة الخاصة للعائلة وبين حقه في التعبير وطلب المساعدة عند الحاجة، لافتة إلى أن الطريقة التي يُقدَّم بها هذا المفهوم في الطفولة تترك أثراً مباشراً في شعور الطفل بالأمان، وفي ثقته بنفسه وبالآخرين، وفي قدرته لاحقاً على بناء علاقات صحية قائمة على الاحترام والحدود الواضحة.

وأشارت إلى أنه من منظور علم النفس لا يُنصح بتعليم الطفل مفهوم "أسرار العائلة" على أنه واجب لإخفاء ما يحدث داخل المنزل، لأن الطفل في سنواته الأولى لا يمتلك القدرة الكاملة على التمييز بين السر الآمن والسر الذي قد يخفي خطراً أو إساءة، ونوهت إلى أنه يُفضل استخدام مفهوم "خصوصية الأسرة" لكونه أكثر دقة من الناحية التربوية.

 وبيّنت أنه يمكن للأهل شرح أن لكل عائلة مساحة خاصة، كما أن لكل شخص خصوصيته، وأن احترام هذه الخصوصية يعني عدم مشاركة بعض التفاصيل الشخصية أو الحساسة مع الجميع، وليس إخفاء المشكلات أو الامتناع عن طلب المساعدة، مؤكدة أهمية فهم الطفل أن الخصوصية قيمة قائمة على الاحترام وليست وسيلة لفرض الصمت أو الكتمان.

بين الخصوصية وحق التعبير: كيف نفهم الطفل الحدود؟

ولفتت إلى أن الطفل يبدأ بين عمر 3 و4 سنوات بفهم القواعد البسيطة المتعلقة بالخصوصية، بينما يصبح بين 5 و7 سنوات أكثر قدرة على استيعاب سبب وجود هذه الحدود، خاصة مع دخوله المدرسة واتساع دائرة علاقاته الاجتماعية، وذكرت أن أسلوب الحوار يجب أن يتطور بما يتناسب مع عمر الطفل، مع ضرورة الابتعاد عن العبارات المطلقة التي قد تُربك فهمه لمعنى الخصوصية.

وتحدثت عن الحدود الطبيعية بين خصوصية الأسرة وحق الطفل في التعبير، موضحة أنه من المهم أن يفهم الطفل أن الحفاظ على الخصوصية لا يعني منعه من التعبير عن مشاعره أو طلب المساعدة.

 وأوضحت أن من حقه اللجوء إلى والديه أو إلى شخص بالغ موثوق إذا شعر بالخوف أو تعرض للأذى أو التنمر أو أي موقف يهدد سلامته، مؤكدة أن الخصوصية تهدف إلى احترام الحياة الشخصية للأسرة لكنها لا تعني إخفاء الإساءة أو السكوت عن المشكلات التي تستدعي طلب الدعم والحماية.

وأكدت أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الأهل استخدام لغة التخويف، مثل تهديد الطفل بالعقاب في حال تحدث عما يحدث داخل المنزل، لأن ذلك يخلق لديه شعوراً بالذنب والقلق وقد يدفعه إلى كبت مشاعره أو إخفاء معاناته.

وشددت على أن مطالبة الطفل بإخفاء كل ما يراه أو يسمعه داخل المنزل يربك نموه الأخلاقي ويضعف قدرته على التمييز بين الخصوصية المشروعة والكتمان الضار، مضيفة أن غياب القدوة يؤثر بشكل كبير، فالطفل الذي يرى والديه يتحدثان عن خصوصيات الآخرين أو ينشران تفاصيل حياتهما الخاصة سيجد صعوبة في استيعاب الرسائل المتعلقة باحترام الخصوصية.

وأفادت بأن الطفل يتعلم بالسلوك أكثر مما يتعلم بالكلام، لذلك فإن احترام الأهل لخصوصية بعضهم البعض وعدم السخرية من أسرار الآخرين أو تداولها أمام الأبناء يعد الرسالة التربوية الأكثر تأثيراً، وقالت إن التدريب العملي على التمييز بين ما يمكن مشاركته وما يفضل إبقاؤه داخل الأسرة يتم من خلال المواقف اليومية، حيث يمكن إشراك الطفل في حوارات بسيطة حول مواقف افتراضية بدلاً من تقديم قائمة طويلة بالممنوعات، لما لذلك من دور في تنمية التفكير النقدي والقدرة على اتخاذ القرار.

وأضافت أن اعتماد قاعدة بسيطة يفيد في هذا السياق، وهي أن أي معلومة قد تسبب إحراجاً لأحد أفراد الأسرة أو تمس خصوصيته أو تحتوي على معلومات شخصية، فمن الأفضل عدم مشاركتها، في حين لا يشكل الحديث عن الإنجازات والهوايات والأنشطة اليومية مشكلة.

تعليم الخصوصية دون خوف: التوازن بين الأمان والدعم النفس

 وأشارت الاختصاصية سدرة الأحمد إلى أن مفهوم الخصوصية لم يعد يقتصر على ما يقوله الطفل في المدرسة، بل أصبح يشمل الخصوصية الرقمية أيضاً، حيث يجب تعليمه عدم مشاركة صور المنزل أو عنوان السكن أو المعلومات الشخصية للعائلة أو تفاصيل الحياة اليومية عبر الإنترنت أو تطبيقات التواصل.

ونوهت إلى أن التشدد المبالغ فيه في هذا الموضوع قد يترك آثاراً نفسية عميقة، فالطفل الذي ينشأ على عبارات تمنعه من الحديث قد يطور خوفاً من التعبير عن نفسه أو شعوراً بالذنب عند الحديث عن مشكلاته، وقد يمنعه ذلك أحياناً من الإبلاغ عن تعرضه للعنف أو الاستغلال، وبيّنت أن هناك مؤشرات قد تدل على المبالغة في ترسيخ مفهوم السرية، مثل تردد الطفل في الإجابة عن الأسئلة البسيطة أو خوفه من الحديث عن يومه في المدرسة.

ولفتت إلى أن الأسلوب التربوي الأفضل لغرس هذا المفهوم يتمثل في بناء علاقة قائمة على الأمان والحوار، حيث يتعلم الأطفال من العلاقة أكثر مما يتعلمون من التعليمات المباشرة، وذكرت أن شعور الطفل بأنه مسموع ومحترم يجعله أكثر استعداداً لتبني القيم التي يزرعها والداه، كما أن القدوة تبقى العامل الأكثر تأثيراً من خلال احترام الأهل لخصوصية بعضهم البعض والاستئذان قبل مشاركة صور الطفل أو معلوماته الشخصية.

وتحدثت عن أهمية مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، موضحة أنه لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع، فالطفل الاجتماعي قد يحتاج إلى تدريب أكبر على فهم الحدود، بينما يحتاج الطفل الخجول إلى تشجيع مستمر على التعبير عن نفسه حتى لا يفسر الخصوصية على أنها صمت دائم، مؤكدة ضرورة مراعاة عمر الطفل وسماته الشخصية عند تناول هذا الموضوع.

وأكدت في ختام حديثها أن  تعليم الطفل مفهوم خصوصية الأسرة عملية تربوية دقيقة تتطلب وعياً وتوازناً، لأنها لا تهدف إلى صناعة طفل يخشى الحديث، بل إلى تنشئة إنسان يدرك قيمة الحدود والاحترام والثقة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ