حين يقرر الأهل كل شيء.. كيف تؤثر كثرة الأوامر في شخصية الطفل؟
يحتاج الطفل خلال مراحل نموه إلى التوجيه ووضع حدود واضحة لسلوكه، إلا أن اتخاذ الأهل القرارات نيابة عنه في معظم تفاصيل حياته قد يقلل المساحة المتاحة أمامه للتجربة والاختيار، ويؤثر تدريجياً في قدرته على تحمل المسؤولية واتخاذ قرارات تتناسب مع عمره.
ولا تعني تنمية استقلالية الطفل تركه يقرر كل شيء دون ضوابط، وإنما إيجاد توازن بين دور الأسرة في الحماية والتوجيه وبين منحه مساحة آمنة للاختيار والتعلم من النتائج، بما يساعده على تطوير ثقته بنفسه وقدرته على المبادرة.
مهارة تُكتسب بالممارسة
قالت ميس أمرير، عميد كلية التربية والعلوم الاجتماعية في جامعة باشاك شهير، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اتخاذ القرار مهارة تتطور من خلال الممارسة، موضحة أن تلقي الطفل أوامر جاهزة في مختلف تفاصيل حياته، من اختيار ملابسه إلى أوقات الدراسة وطريقة اللعب، يحرمه من فرص التفكير في البدائل والاختيار بينها وتوقع النتائج.
وأضافت أن استمرار هذا الأسلوب قد يضعف ثقة الطفل بقدرته على الاختيار، ويرسخ لديه شعوراً بأن الآخرين أكثر قدرة منه على معرفة ما يناسبه، ما قد يدفعه إلى التردد والشك في قراراته والاعتماد المستمر على توجيهات المحيطين به.
بين التوجيه والسيطرة
وأوضحت أمرير أن هناك فارقاً بين التوجيه التربوي والسيطرة، رغم أن الحدود بينهما قد تبدو دقيقة في بعض المواقف، مشيرة إلى أن التوجيه يهدف في النهاية إلى مساعدة الطفل على بناء استقلاليته والاعتماد على نفسه تدريجياً.
أما السيطرة المستمرة، فتركز على امتثال الطفل للأوامر دون أن تمنحه مساحة كافية لفهمها أو المشاركة في اتخاذ القرارات المرتبطة به.
وبحسب أمرير، فإن نشوء الطفل في بيئة تتخذ القرارات عنه بصورة مستمرة قد يؤدي إلى ما يعرف بـ«العجز المتعلم»، بحيث يصبح أكثر انتظاراً لمن يخبره بما ينبغي فعله، وهو نمط يمكن أن يمتد إلى المدرسة والعمل والعلاقات الشخصية في مراحل لاحقة.
من الخضوع إلى التمرد
ولفتت إلى أن الاعتماد المفرط على توجيه الآخرين قد يجعل الطفل أكثر تأثراً بضغط الأقران خلال المراهقة، خصوصاً إذا لم يعتد التعبير عن موقفه أو رفض ما لا يناسبه واتخاذ خياراته بصورة مستقلة.
وأشارت إلى أن كثرة الأوامر قد تنعكس على الأطفال بطرق مختلفة، فقد يميل بعضهم إلى الخضوع وتنفيذ التعليمات دون نقاش، مع ضعف المبادرة والثقة بالنفس، بينما قد يتجه آخرون إلى العناد والتمرد في مرحلة المراهقة سعياً إلى إثبات استقلاليتهم وكسر القيود التي اعتادوا عليها.
خيارات بدلاً من الأوامر
وحول الأساليب العملية التي تساعد الأهل على توجيه الطفل دون إلغاء دوره في اتخاذ القرار، تحدثت أمرير عن «الاختيار المقيد»، الذي يقوم على تقديم بدائل محددة ومناسبة لعمر الطفل بدلاً من إصدار أمر مباشر.
وضربت مثالاً باختيار الملابس، إذ يمكن بدلاً من مطالبة الطفل بارتداء قطعة محددة أن يُمنح خياراً بين قطعتين مناسبتين، بما يحافظ على الحدود التي يحددها الأهل ويمنحه في الوقت نفسه فرصة اتخاذ القرار.
كما دعت إلى استخدام الأسئلة التي تدفع الطفل إلى التفكير، فبدلاً من مطالبته بترتيب ألعابه فوراً، يمكن سؤاله عن خطته لترتيب الغرفة قبل موعد النوم، بما يشجعه على التفكير في المشكلة والوصول إلى طريقة لمعالجتها بنفسه.
التعلم من النتائج
ونوهت أمرير، في تصريحها لشبكة شام، إلى أهمية السماح للطفل أحياناً بمواجهة النتائج الطبيعية لاختياراته، عندما لا يشكل ذلك خطراً على سلامته أو صحته.
وأوضحت أن التجربة يمكن أن تساعد الطفل على فهم العلاقة بين القرار ونتيجته بصورة أفضل من تكرار الأوامر، على أن يبقى تدخل الأهل ضرورياً عندما يتعلق الأمر بمواقف قد تعرضه للخطر.
كما أكدت أهمية شرح الأسباب التي تقف خلف القواعد الأسرية، بحيث يفهم الطفل الغاية من السلوك المطلوب منه بدلاً من تنفيذه لمجرد صدور أمر من والديه، ما يساعد على الانتقال من الامتثال المباشر إلى فهم القاعدة وتبنيها تدريجياً.
مسؤولية تتدرج مع العمر
وشددت أمرير على أهمية التفويض التدريجي للمسؤوليات، من خلال منح الطفل مهاماً بسيطة تتناسب مع عمره، مثل ترتيب سريره أو تجهيز حقيبته المدرسية، مع التركيز على تقدير جهده والتعامل بهدوء مع الأخطاء التي قد يرتكبها أثناء التعلم.
وبحسب أمرير، فإن تحمل المسؤولية لا يُكتسب بمجرد مطالبة الطفل بأن يكون مسؤولاً، وإنما من خلال إتاحة الفرصة له لممارستها تدريجياً ضمن بيئة توفر التوجيه والدعم.
وتبقى المساحة التي يمنحها الأهل للطفل في تفاصيل حياته اليومية جزءاً من عملية تعلم طويلة تتغير مع العمر والقدرات، إذ لا تقوم التربية على الاختيار المطلق أو الأوامر المستمرة، وإنما على توسيع مساحة الاستقلال تدريجياً كلما أصبح الطفل أكثر قدرة على فهم قراراته وتحمل نتائجها.