حين يصبح الحديث أمام الآخرين تحدياً.. ما وراء الرهاب الاجتماعي؟
حين يصبح الحديث أمام الآخرين تحدياً.. ما وراء الرهاب الاجتماعي؟
● مجتمع ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

حين يصبح الحديث أمام الآخرين تحدياً.. ما وراء الرهاب الاجتماعي؟

يتحول الخوف من نظرة الآخرين وتقييمهم لدى بعض الأشخاص من توتر عابر إلى عائق يؤثر في تفاصيل حياتهم اليومية، وقد يدفعهم إلى تجنب الحديث أمام الناس والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، أو حتى القيام بمواقف تبدو بسيطة، مثل إجراء مكالمة هاتفية أو طلب الطعام.

ويُعد الشعور بالتوتر في بعض المواقف الاجتماعية أمراً طبيعياً، إلا أن استمرار الخوف وارتفاع شدته وانعكاسه على الدراسة والعمل والعلاقات قد يشير إلى الرهاب الاجتماعي، الذي يختلف عن الخجل أو القلق المؤقت من حيث طبيعة الأعراض ومدتها وتأثيرها في قدرة الشخص على ممارسة حياته بصورة طبيعية.

متى يتحول الخوف إلى رهاب اجتماعي؟

قالت المرشدة النفسية هيفين هوري، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الرهاب الاجتماعي يُصنّف ضمن اضطرابات القلق، ويشعر فيه الشخص بخوف قوي ومستمر تجاه موقف اجتماعي واحد أو أكثر، كالحديث أمام مجموعة من الناس أو إجراء محادثة عادية، نتيجة شعوره بأن الآخرين يراقبونه أو يصدرون أحكاماً عليه.

وأوضحت أن اعتبار الحالة اضطراباً فعلياً يرتبط باستمرارها مدة ستة أشهر على الأقل، إلى جانب وجود تأثير واضح وملموس في حياة الشخص اليومية، سواء على مستوى الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية.

وبيّنت أن الرهاب الاجتماعي يختلف عن الخجل الطبيعي، إذ يُعد الخجل شعوراً شائعاً قد يتراجع مع التعارف والتعود، ولا يمنع الشخص عادة من أداء التزاماته، في حين يكون الرهاب الاجتماعي أكثر شدة وتكراراً، وقد يدفع الشخص إلى تجنب مواقف أساسية في حياته.

وأشارت إلى أن القلق الذي يسبق مقابلة عمل أو امتحاناً أو لقاءً أول يُعد طبيعياً في كثير من الحالات، وقد يسهم في زيادة التركيز قبل أن يتراجع بانتهاء الموقف، بينما قد يبدأ القلق لدى المصاب بالرهاب الاجتماعي قبل الموقف بأيام، مصحوباً بتوقع سيناريوهات سلبية مبالغ فيها، وقد يستمر بعد انتهائه من خلال مراجعة الشخص لتصرفاته وانتقاد نفسه بصورة متكررة.

علامات تتجاوز الشعور بالخجل

ذكرت هوري أن أبرز العلامات التي قد ترافق الرهاب الاجتماعي تتمثل في الشعور بالقلق قبل المواقف الاجتماعية بأيام أو أسابيع، وظهور أعراض جسدية، مثل احمرار الوجه والتعرق وتسارع ضربات القلب وارتجاف الصوت، إضافة إلى تجنب المناسبات الاجتماعية والمكالمات الهاتفية والتحدث أمام الآخرين.

وأكدت أن أهمية طلب المساعدة المتخصصة تزداد عندما يبدأ هذا القلق بالتأثير بصورة فعلية في الدراسة أو العمل أو العلاقات، ويتحول التجنب من استجابة مرتبطة بموقف محدد إلى نمط يقيّد حياة الشخص ونشاطاته اليومية.

عوامل متعددة وراء الرهاب

أوضحت هوري أن أسباب الرهاب الاجتماعي لا ترتبط بعامل واحد، وإنما قد تتداخل فيها عوامل عائلية وعصبية وجينية، إلى جانب اكتساب السلوك القَلِق من أحد الوالدين، أو ضعف المهارات الاجتماعية، والتعرض للنقد القاسي أو الرفض خلال مراحل مبكرة من العمر، ولا سيما قبل سن الخامسة عشرة.

وأضافت أن بعض البيئات والثقافات التي تمنح أهمية كبيرة للمظهر والأداء أمام الآخرين قد تسهم أيضاً في زيادة الضغوط الاجتماعية على الشخص، بما يعزز لديه الخوف من التقييم أو الوقوع في الخطأ أمام الآخرين.

تأثير يمتد إلى العلاقات والعمل

لفتت هوري، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إلى أن آثار الرهاب الاجتماعي قد تمتد إلى الحياة الأسرية والاجتماعية، إذ قد يبتعد الشخص عن المناسبات والتجمعات، مثل الأعراس أو اللقاءات الأسبوعية، الأمر الذي قد يدفع المحيطين به إلى تفسير سلوكه على أنه عزوف عن التواصل معهم، رغم ارتباطه في الأصل بالخوف والقلق.

وأضافت أن الحالة قد تؤثر أيضاً في العلاقات العاطفية وقدرة الشخص على التعبير عن نفسه، وتزيد من انتقاده لذاته، فيما قد تظهر انعكاساتها بصورة أكبر في الجانب المهني، عندما يتجنب مقابلات العمل أو الاجتماعات أو طرح أفكاره أمام زملائه.

وأشارت إلى أن دراسات أوروبية أظهرت أن الشباب الذين يعانون من هذه الحالة قد يواجهون احتمالاً للبطالة يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بغيرهم، فيما قد تتضاعف الضغوط في بعض البيئات العربية نتيجة أهمية العلاقات والتواصل الاجتماعي في عدد من مجالات العمل وفرص التقدم المهني.

وبيّنت أن التجنب قد يمتد إلى تفاصيل يومية بسيطة، مثل طلب الطعام أو إجراء مكالمة هاتفية، وقد ترافق هذه المواقف أعراض جسدية واضحة تدفع الشخص إلى الاعتماد بصورة أكبر على التجنب بدلاً من المواجهة، بما قد يقوده تدريجياً إلى الانسحاب والإرهاق، فيما قد يترافق الرهاب الاجتماعي لدى بعض البالغين مع الاكتئاب.

العلاج يبدأ بكسر دائرة التجنب

أكدت هوري أهمية التدخل النفسي المبكر في التعامل مع الرهاب الاجتماعي، ولا سيما من خلال العلاج المعرفي السلوكي، الذي يركز على مراجعة الأفكار المشوهة المرتبطة بالمواقف الاجتماعية وتصحيحها، بالتوازي مع التدرج في مواجهة المواقف التي تثير الخوف بدلاً من الاستمرار في تجنبها.

وأوضحت أن العلاج العقلاني الانفعالي يمكن أن يُستخدم أيضاً لمراجعة بعض المعتقدات العميقة لدى الشخص، مثل اعتقاده بأنه مطالب بإرضاء الجميع أو الحصول على قبولهم، فيما يستطيع المعالج الجمع بين أكثر من أسلوب علاجي تبعاً لطبيعة الحالة واحتياجات الشخص.

وأشارت إلى أن دراسات أُجريت في عدد من الدول العربية سجلت تحسناً ملحوظاً لدى أشخاص خضعوا لهذه الأساليب العلاجية، واستمر التحسن خلال فترات المتابعة، مع تسجيل نتائج أفضل عند تعزيز العلاج بالعمل على بناء الثقة بالنفس، فيما يمكن في الحالات الأكثر صعوبة استخدام الأدوية إلى جانب العلاج النفسي بوصفها وسيلة مساندة، وليس بديلاً عنه.

متى تصبح المساعدة ضرورية؟

شددت هوري على أهمية طلب المساعدة عندما يستمر القلق لأكثر من ستة أشهر، أو يدفع الشخص إلى تجنب جوانب أساسية من حياته، كالدراسة والعمل والعلاقات، أو عندما يترافق مع أعراض أخرى مثل الاكتئاب.

وأكدت أن التدخل المبكر يكتسب أهمية أكبر عندما يبدأ الخوف بالتأثير في تفاصيل الحياة اليومية، إذ يساعد التعامل مع الحالة في مراحلها المبكرة على الحد من استمرار انعكاساتها على حياة الشخص مستقبلاً.

ويختلف تأثير الرهاب الاجتماعي بين شخص وآخر تبعاً لشدة الأعراض ومدة استمرارها ومدى انعكاسها على حياته اليومية، ما يجعل التعرف إلى علاماته والتمييز بينه وبين الخجل أو القلق الطبيعي خطوة أساسية لفهم الحالة، ولا سيما عندما يتحول الخوف من مجرد شعور عابر إلى عائق يحد من الدراسة والعمل والعلاقات والتواصل مع الآخرين.

 

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ