تحقيق استقصائي ... “نساء سوريا في مواجهة المخدرات: بين التعاطي القسري والإدمان”
يصادف اليوم، 26 حزيران، اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، وهي مناسبة دولية تُسلّط الضوء على واحدة من أخطر القضايا التي تواجه المجتمعات حول العالم، نظراً لما تسببه من أضرار صحية واجتماعية واقتصادية واسعة.
وفي هذا السياق، تناولت العديد من التقارير والتحقيقات خلال السنوات الماضية موضوع المخدرات بوصفه من أكثر القضايا تعقيداً وانتشاراً، خاصة في سوريا، حيث شهدت البلاد خلال سنوات حكم النظام المخلوع توسعاً في انتشار المواد المخدرة وازدياد نشاط شبكات الترويج والتهريب، ما انعكس بشكل مباشر على المجتمع مع تزايد أعداد المتضررين والضحايا الذين تأثروا بهذه الظاهرة بطرق متعددة.
ومن بين التحقيقات المميزة، التحقيق الاستقصائي الذي حمل عنوان “نساء سوريا في مواجهة المخدرات: بين التعاطي القسري والإدمان”، للصحفية السورية حنين السيد، والذي تأهل إلى القائمة القصيرة لجائزة True Story Award العالمية لعام 2025.
وفي هذا الإطار، قالت حنين السيد، الصحفية السورية العاملة في مجال الصحافة الاستقصائية وإنتاج القصص الإنسانية التي تتناول القضايا الاجتماعية وحقوق الإنسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اختيارها موضوع “معاناة نساء سوريا مع المخدرات” جاء نتيجة تزايد الحديث خلال السنوات الأخيرة عن انتشار المخدرات في سوريا، مع تركيز معظم التغطيات على التهريب أو التعاطي بين الرجال، مقابل غياب واضح لتناول أوضاع النساء في هذا السياق.
وأشارت إلى أن ما لفت انتباهها هو غياب الحديث عن النساء رغم وجود مؤشرات على تأثرهن بهذه الظاهرة بطرق مختلفة وأكثر تعقيداً، وأضافت أنها أرادت فهم كيفية تقاطع المخدرات مع العنف القائم على النوع الاجتماعي ومع الحرب والنزوح والفقر، وكيف يمكن أن تتحول المرأة من ضحية لهذه الظروف إلى ضحية إضافية للمخدرات نفسها.
وأوضحت السيد أن أحد أبرز الاكتشافات التي كشفها التحقيق كان توثيق ما وصفته بـ”التعاطي القسري”، وهو نمط من الانتهاكات لم يحظَ سابقاً بتغطية إعلامية كافية في سوريا، حيث تُجبر بعض النساء على تناول مواد مخدرة أو يُستدرجن إلى الإدمان ضمن علاقات قائمة على العنف والسيطرة والاستغلال.
وأكدت أن التحقيق أظهر أن المخدرات لا تُستخدم في بعض الحالات بوصفها مادة للإدمان فقط، بل كأداة لسلب الإرادة وإحكام السيطرة على النساء، وهو ما يفتح باباً جديداً لفهم العلاقة بين المخدرات والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
وبيّنت أن تعاملها مع الجانب الإنساني في قصص النساء (سارة، دلال، وليلى) كان يركز بشكل أساسي على سلامتهن وراحتهن النفسية، لافتة إلى أنها لم تتعامل معهن كمصادر معلومات فقط بل كأشخاص يحملون تجارب مؤلمة.
ونوّهت إلى أنها حرصت على منحهن المساحة الكافية للحديث وفق الحدود التي يرغبن بها، مع احترام حقهن في التوقف أو الامتناع عن الإجابة عن أي سؤال، وأوضحت أنها اتخذت إجراءات لحماية هويات بعضهن وتجنبت أي تفاصيل قد تعرضهن للأذى أو الوصم.
وتحدثت عن أن ما توصلت إليه من خلال مقابلاتها مع مختصين وعاملين في المجال الصحي والاجتماعي يشير إلى أن هذه الحالات ليست استثناءات فردية، وذكرت أن النساء في سوريا يواجهن اليوم مزيجاً من الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية الناتجة عن سنوات الحرب، ما يزيد من هشاشتهن أمام الاستغلال والعنف والإدمان، وأفادت بأن هذه القصص تمثل نافذة لفهم واقع أوسع وأكثر تعقيداً.
وأشارت إلى أن أبرز التحديات التي واجهتها تمثلت في كسب ثقة النساء بسبب حساسية موضوع المخدرات، ولفتت إلى أن كثيرات يخشين فقدان حضانة أطفالهن أو التعرض للنبذ الاجتماعي أو العنف في حال الكشف عن قصصهن، ونوّهت إلى أن الوصول إلى بعض الشهادات استغرق وقتاً طويلاً، كما كان عليها توضيح طبيعة العمل الصحفي والإجراءات المتبعة لحماية المصادر.
وأضافت أن توثيق حالات التعاطي القسري كان من أكثر ما صدمها خلال العمل على التحقيق، لأنه كشف عن شكل غير مرئي من أشكال العنف ضد النساء، حيث يتحول المخدر إلى وسيلة للإخضاع والسيطرة داخل بعض العلاقات الأسرية أو الزوجية، وليس مجرد مادة يتعاطاها الشخص بإرادته. وأشارت إلى أن هذا النمط من الانتهاكات لا يزال قليل التوثيق والاعتراف به، رغم ما يخلفه من آثار نفسية واجتماعية وقانونية معقدة على الضحايا.
ولفتت إلى أن ضعف المؤسسات وتزايد الفقر والنزوح والعنف الأسري يجعل النساء أكثر عرضة للاستغلال، وأوضحت أن المخدرات ليست ظاهرة منفصلة بل جزء من سلسلة أوسع من الأزمات التي أفرزتها سنوات الحرب.
وأفادت بأن الوصمة الاجتماعية تؤثر بشكل مباشر على قدرة النساء على طلب المساعدة أو العلاج، وذكرت أن الخوف من الأحكام المسبقة أو فقدان المكانة الاجتماعية أو التعرض للعنف يدفع الكثير من النساء إلى الصمت، ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة وتأخر الوصول إلى الدعم المناسب.
وقالت إن الرسالة الأساسية التي أرادت إيصالها من خلال التقرير هي أن النساء المتأثرات بالمخدرات لسن مجرد أرقام أو حالات فردية، بل أشخاص يعيشون ظروفاً معقدة تتطلب فهماً ودعماً وحماية، وأكدت على ضرورة تطوير خدمات الدعم النفسي والعلاج والحماية القانونية، والتعامل مع القضية من منظور حقوقي وإنساني.
وأضافت أن هناك اهتماماً أكبر بالقضية مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها أشارت إلى أن الموضوع ما يزال مهمشاً إلى حد كبير خاصة فيما يتعلق بالنساء، ونوّهت إلى الحاجة لمزيد من البحث والتغطية الإعلامية والنقاش المجتمعي لفهم أبعاد المشكلة.
وختمت بالإشارة إلى أن ترشح التقرير للقائمة القصيرة لجائزة True Story Award العالمية لعام 2025 كان تجربة مهمة بالنسبة لها، ولفتت إلى أن هذا الترشيح لا يتعلق بها وحدها، بل يسلط الضوء على قصص النساء اللواتي شاركن تجاربهن رغم الخوف والوصمة، وأفادت بأنه منح القضية مساحة أوسع للوصول إلى جمهور دولي، وأكد أن القصص القادمة من سوريا قادرة على أن تُسمع وتترك أثراً عندما تُروى بصدق ومسؤولية.