بعد العودة إلى سوريا.. كيف تؤمّن الأسر معيشتها وتستعيد مصادر رزقها؟
تواجه الأسر السورية العائدة من دول اللجوء تحديات معيشية واقتصادية تبدأ بتأمين المسكن والاحتياجات الأساسية، وتمتد إلى البحث عن فرص العمل واستعادة مصادر الدخل، بعد سنوات فقدت خلالها عائلات كثيرة ممتلكاتها أو استنزفت مدخراتها، فيما تضررت منازل ومنشآت اقتصادية في مناطق واسعة من البلاد.
وتختلف ظروف العودة بين أسرة تتمكن من استعادة منزلها أو عملها السابق، وأخرى تجد نفسها مضطرة إلى استئجار مسكن أو إعادة ترميم منزل متضرر، والبحث عن مصدر رزق جديد في سوق عمل يعاني محدودية الفرص وارتفاع تكاليف الإنتاج والمعيشة.
ومع استمرار عودة اللاجئين، تتزايد أهمية توفير الظروف التي تساعد الأسر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، من خلال معالجة مشكلات السكن والملكية، وتطوير فرص التشغيل، وتسهيل تأسيس المشاريع الصغيرة، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية في مناطق العودة.
وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضح الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين أن استدامة العودة ترتبط بقدرة الأسر على تأمين السكن والدخل والخدمات، مشيراً إلى أن تجاوز هذه التحديات يتطلب إجراءات متكاملة تراعي الاحتياجات المباشرة للعائدين وفرص استعادة نشاطهم الاقتصادي.
السكن والدخل.. أبرز تحديات العودة
قال سيف الدين إن الأسر العائدة تواجه ثلاثة تحديات مترابطة، يتمثل أولها في تأمين السكن، إذ يجد كثير من العائدين منازلهم مدمرة أو متضررة أو مشغولة، بينما يواجه آخرون صعوبات في إثبات الملكية نتيجة فقدان الوثائق خلال سنوات النزوح واللجوء.
وأوضح أن هذه الظروف تدفع بعض الأسر إلى استئجار مساكن بتكاليف مرتفعة، أو الإقامة لدى الأقارب في منازل مكتظة، ما يزيد الأعباء المالية والاجتماعية المرتبطة بالعودة.
أما التحدي الثاني، فيتعلق بتأمين الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والتدفئة والكهرباء والمياه والتعليم، خصوصاً في المناطق التي تعاني ضعف الخدمات أو تضرر البنية التحتية.
وأشار إلى أن التحدي الثالث يرتبط بالدخل، إذ يعود كثير من اللاجئين بعد استنزاف مدخراتهم خلال سنوات إقامتهم في الخارج، ومن دون ضمان الحصول على فرصة عمل مناسبة.
وتجعل هذه الظروف تأمين النفقات اليومية أولوية لدى الأسر، ما يحد من قدرتها على تخصيص موارد مالية لإعادة تأسيس مشروع أو استعادة نشاط اقتصادي سابق.
خسارة العمل تتجاوز فقدان الراتب
أوضح الباحث الاقتصادي أن فقدان مصدر الرزق خلال سنوات اللجوء لا يقتصر على انقطاع الدخل، وإنما يشمل خسارة عناصر أساسية لاستمرار النشاط المهني والتجاري.
وتتضمن هذه الخسائر الزبائن والسمعة المهنية وشبكات العلاقات التجارية والمعدات وأماكن العمل، وهي مقومات يحتاج بناؤها إلى سنوات من النشاط والاستقرار.
وأشار إلى أن بعض العائدين يجدون أنفسهم مضطرين إلى البدء من جديد، فيما يواجه آخرون ديوناً تراكمت خلال فترة غيابهم أو صعوبات في استعادة أعمالهم السابقة.
وتنعكس هذه الظروف على ميزانية الأسرة، إذ قد تضطر إلى استهلاك ما تبقى من مدخراتها خلال البحث عن عمل، أو قبول وظائف يومية بأجور منخفضة ومن دون حماية وظيفية كافية.
كما قد تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى دفع بعض الأطفال نحو العمل على حساب التعليم، في حين يواجه عائدون آخرون صعوبة في العثور على وظائف تتناسب مع المهارات والخبرات التي اكتسبوها خارج البلاد.
وحذر سيف الدين من أن تعثر الاستقرار المعيشي خلال الأشهر الأولى قد يدفع بعض الأسر إلى التفكير في الهجرة مجدداً، ما يؤثر في استدامة العودة ويضاعف الأعباء التي تحملتها خلال سنوات اللجوء.
ترميم المنازل وتكاليف إعادة الإعمار
أشار سيف الدين إلى أن الأضرار الواسعة التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية تشكل عائقاً أساسياً أمام عودة الأسر إلى مناطقها الأصلية.
واستند إلى تقرير نشره البنك الدولي في تشرين الأول 2025، قدّر كلفة إعادة إعمار الأصول المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها نحو 75 مليار دولار للمباني السكنية.
وأوضح أن الأضرار تتركز بصورة كبيرة في محافظات حلب وريف دمشق وحمص، ما يجعل إعادة تأهيل المساكن والخدمات المرتبطة بها من أبرز متطلبات التعافي وعودة السكان.
ولفت إلى أن نحو 79 بالمئة من المنازل المتضررة قابلة للترميم، مقابل 21 بالمئة تحتاج إلى إعادة بناء كاملة، وفق الأرقام التي أوردها.
وبيّن أن برامج الترميم الجزئي يمكن أن تساعد شريحة من الأسر على استعادة مساكنها، إلا أن تنفيذ هذه الأعمال يواجه فجوة بين تكاليف مواد البناء والإكساء ومستويات الدخل المحدودة.
وتضاف إلى ذلك صعوبات الحصول على قروض سكنية ميسرة، وتعقيدات إثبات الملكية وتعدد الورثة، وهي مسائل قد تؤخر إعادة تأهيل المنازل حتى عندما تكون قابلة للإصلاح.
الخدمات الأساسية شرط لاستقرار الأسر
أكد سيف الدين أن ترميم المنازل وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار، إذا كانت مناطق العودة تفتقر إلى الكهرباء والمياه والصرف الصحي والمدارس والخدمات الأساسية.
وأوضح أن ضعف البنية التحتية يزيد تكاليف المعيشة ويحد من قدرة الأسر على استئناف أنشطتها الاقتصادية، خصوصاً عندما تضطر إلى تأمين بدائل مرتفعة التكلفة للطاقة والمياه.
كما تتأثر المشاريع الصغيرة بهذه الظروف، إذ تواجه صعوبات في تأمين رأس المال التشغيلي، إلى جانب ارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود وضعف القدرة الشرائية في الأسواق المحلية.
وأشار إلى أن إعادة تأهيل الخدمات ينبغي أن تترافق مع برامج دعم السكن والتشغيل، بما يوفر بيئة مناسبة لاستقرار السكان واستمرار أنشطتهم الاقتصادية.
أين تتركز عودة اللاجئين؟
استعرض سيف الدين بيانات للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، منشورة في تموز 2026، توضح توزع العائدين على عدد من المحافظات السورية.
وبحسب البيانات التي أوردها، استقبلت دمشق نحو 16.9 بالمئة من العائدين، فيما بلغت حصة كل من حلب وإدلب نحو 14.2 بالمئة، وريف دمشق 12.8 بالمئة، وحمص 12.5 بالمئة.
وأوضح أن تركز العودة في هذه المحافظات يزيد الحاجة إلى توفير فرص العمل والخدمات والمساكن، خصوصاً في المناطق التي تعرضت لأضرار واسعة خلال السنوات الماضية.
كما يبرز تفاوت الاحتياجات بين المحافظات، تبعاً لحجم الأضرار وطبيعة الأنشطة الاقتصادية ومستوى الخدمات وفرص التشغيل المتاحة.
ويرى سيف الدين أن توجيه برامج دعم العائدين ينبغي أن يراعي هذه الاختلافات، وأن يرتبط باحتياجات المناطق وقدرتها على استيعاب السكان اقتصادياً وخدمياً.
قطاعات قادرة على توفير فرص العمل
حدد الباحث الاقتصادي مجموعة من القطاعات التي يمكن أن تسهم في استيعاب جزء من القوى العاملة العائدة، وفي مقدمتها البناء والترميم والزراعة والتصنيع الزراعي والصناعات الحرفية.
وأوضح أن قطاع البناء يمكن أن يوفر فرصاً مرتبطة بإصلاح المنازل والمنشآت المتضررة، فيما تتيح الزراعة والصناعات الغذائية مجالات للعمل والإنتاج في المناطق الريفية.
كما أشار إلى فرص في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية وصيانتها، إلى جانب التجارة والخدمات والنقل والأنشطة المهنية الصغيرة.
وبيّن أن الاستفادة من هذه القطاعات تتطلب توفير التمويل اللازم، وتسهيل الإجراءات التنظيمية، وتحسين ظروف الإنتاج والتسويق، بما يسمح بتوسيع النشاط الاقتصادي وزيادة فرص التشغيل.
وأكد أن تنمية هذه القطاعات يمكن أن تساعد العائدين على استعادة مصادر رزقهم، بالتوازي مع تلبية احتياجات إعادة التأهيل والخدمات في مناطق العودة.
خبرات اكتسبها السوريون خلال اللجوء
لفت سيف الدين، في حديثه لشبكة شام الإخبارية، إلى أن العائدين من تركيا وأوروبا والأردن يمتلكون مهارات وخبرات اكتسبوها خلال سنوات إقامتهم وعملهم في الخارج.
وتشمل هذه الخبرات مهارات مهنية وتقنية ولغوية وإدارية، يمكن الاستفادة منها في تأسيس مشاريع جديدة وتطوير أنشطة قائمة داخل السوق السورية.
وأوضح أن بعض العائدين يمتلكون خبرات في مجالات الإنتاج والخدمات وإدارة الأعمال، ما يتيح فرصاً لنقل المعرفة وتطوير أساليب العمل.
لكن الاستفادة من هذه الإمكانات ترتبط بتوافر فرص التشغيل والتمويل، وقدرة السوق المحلية على استيعاب المهارات والخبرات المختلفة.
وأشار إلى أهمية ربط برامج التدريب والتشغيل باحتياجات القطاعات الاقتصادية، بما يساعد على توظيف الخبرات المكتسبة وتوسيع فرص العمل.
تمويل المشاريع الصغيرة واستعادة مصادر الدخل
دعا سيف الدين إلى توفير برامج تمويل تساعد العائدين على تأسيس مشاريع صغيرة أو استعادة أنشطتهم السابقة، خصوصاً لمن فقدوا معداتهم أو رؤوس أموالهم خلال سنوات اللجوء.
وأوضح أن محدودية المدخرات وصعوبة الحصول على التمويل تشكلان عائقاً أمام بدء النشاط الاقتصادي، حتى عندما يمتلك العائد الخبرة المهنية اللازمة.
واقترح تطوير برامج التمويل الأصغر والقروض الميسرة بضمانات مرنة، بما يتيح لأصحاب المشاريع تأمين المعدات والمواد الأولية ورأس المال التشغيلي.
كما شدد على أهمية تقديم منح للمشاريع الصغيرة ترتبط بالتدريب والمتابعة، لضمان استخدامها في أنشطة قابلة للاستمرار.
وأشار إلى ضرورة تخفيف الرسوم والضرائب عن المشاريع الصغيرة التي يؤسسها العائدون، وتبسيط إجراءات الترخيص، بما يساعد على تقليل تكاليف التأسيس والتشغيل.
التدريب المهني وفق احتياجات السوق
أكد الباحث الاقتصادي أهمية تطوير برامج التدريب المهني بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل في المحافظات والمناطق التي تشهد عودة السكان.
وأوضح أن التدريب ينبغي أن يرتبط بفرص تشغيل فعلية، خصوصاً في قطاعات البناء والزراعة والصناعات الحرفية والطاقة والخدمات.
كما دعا إلى الاستفادة من المهارات التي اكتسبها العائدون في الخارج، وتوفير برامج تساعدهم على توظيفها في السوق المحلية أو تطوير مشاريع خاصة.
وأشار إلى أن الجمع بين التدريب والتمويل والمتابعة يمكن أن يعزز قدرة المشاريع الصغيرة على الاستمرار، مقارنة بالبرامج التي تقتصر على تقديم الدعم المالي المؤقت.
دعم سبل العيش بدلاً من الاعتماد المستمر على المساعدات
شدد سيف الدين على أهمية الانتقال من المساعدات المؤقتة إلى برامج تدعم قدرة الأسر على تأمين دخل مستدام.
ومن بين الإجراءات التي اقترحها تنفيذ مشاريع النقد مقابل العمل، التي تتيح فرص تشغيل مؤقتة مرتبطة بأعمال خدمية أو تأهيلية، إلى جانب توفير منح للمشاريع الصغيرة وبرامج التدريب المهني.
كما دعا إلى تمويل ترميم المنازل القابلة للإصلاح، وتبسيط إجراءات إثبات الملكية واستخراج الوثائق، وتسريع معالجة النزاعات المرتبطة بالسكن.
وأكد ضرورة إعطاء الأولوية لإعادة تأهيل الكهرباء والمياه والمدارس في مناطق العودة، بما يساعد الأسر على استعادة حياتها اليومية ويخفف تكاليف الاستقرار.
وأوضح أن هذه الإجراءات ينبغي أن تتكامل مع برامج التشغيل والتمويل، لأن استمرار الأسرة في منطقة عودتها يرتبط بقدرتها على تأمين احتياجاتها من مصادر دخل مستقرة.
كيف يمكن تحقيق عودة مستدامة؟
يرى سيف الدين أن استدامة عودة اللاجئين تتطلب معالجة التحديات الاقتصادية والخدمية بصورة مترابطة، بحيث تترافق إعادة تأهيل المساكن مع توفير فرص العمل وتحسين الخدمات.
وأوضح أن معالجة مشكلات الملكية والوثائق تساعد الأسر على استعادة مساكنها وممتلكاتها، فيما يسهم التمويل والتدريب في تمكينها من تأسيس مصادر دخل جديدة.
كما أكد أهمية توجيه المشاريع والبرامج وفق احتياجات كل منطقة، ومراعاة الاختلافات في حجم الأضرار وفرص التشغيل ومستويات الخدمات.
وأشار إلى أن الاقتصار على المساعدات المؤقتة قد يخفف بعض الأعباء المباشرة، لكنه لا يوفر بالضرورة المقومات اللازمة للاستقرار الاقتصادي طويل الأمد.
وفي ختام حديثه لشبكة شام الإخبارية، أكد الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين أن نجاح العودة لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين عبروا الحدود، وإنما بقدرة الأسر على البقاء وتأمين احتياجاتها دون الاعتماد المستمر على المساعدات.
وحدد ثلاثة مقومات أساسية لاستقرار العائدين، تتمثل في توفير سكن آمن، وفرصة عمل تضمن دخلاً كريماً، وخدمات أساسية تمكّن الأسرة من مواصلة حياتها في منطقة العودة.
وتبقى قدرة الأسر السورية على استعادة مصادر رزقها مرتبطة بتوفير هذه المقومات، إلى جانب إزالة العقبات التي تواجه المشاريع الصغيرة وإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، بما يساعد العائدين على الانتقال من مرحلة تأمين الاحتياجات العاجلة إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.