القيادة المتهورة في سوريا: من الاستعراض إلى الخطر… سلوكيات تهدد حياة المارة
تُعدّ القيادة السريعة والمتهورة، سواء للدراجات النارية أو المركبات الأخرى، من الظواهر السلبية التي باتت تُثير شكاوى متزايدة بين الأهالي في مناطق مختلفة من سوريا، بعد أن تسببت في وقوع العديد من الحوادث المرورية، وأدت إلى تنامي مشاعر القلق والخوف لدى السكان على سلامتهم وسلامة أطفالهم أثناء التنقل في الطرقات العامة.
عوامل تفاقم القيادة المتهورة
وفي هذا السياق، قال أحمد الجربان، صحفي وعضو مكتب تنفيذي لمجلس مدينة معرّة النعمان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة القيادة المتهورة والتشبيب بالدراجات النارية ليست جديدة، بل هي موجودة منذ سنوات طويلة، إلا أنها كانت في السابق محدودة الانتشار مقارنة بما هي عليه اليوم.
وأضاف أن ازدياد أعداد المركبات الحديثة القادرة على السير بسرعات عالية، إلى جانب انتشار الدراجات النارية وإتاحتها لشريحة واسعة من الناس، أسهما في زيادة هذه الظاهرة بشكل ملحوظ.
وأشار إلى أن من الأسباب التي ساعدت على انتشار هذه السلوكيات وجود أوقات فراغ كبيرة لدى عدد من الشباب، لا سيما خلال سنوات التهجير، في ظل غياب فرص العمل والانشغال بأنشطة مفيدة.
ونوه إلى أن تقليد الآخرين يلعب دوراً مهماً في تفاقم المشكلة، إذ إن مشاهدة بعض الشباب لأشخاص يمارسون القيادة المتهورة أو الاستعراض بالمركبات تدفعهم إلى تجربة هذه السلوكيات بأنفسهم.
ولفت إلى أن ضعف الوعي لدى بعض الشباب يسهم في تكرار هذه التصرفات، حيث تتحول مع مرور الوقت إلى ممارسات اعتيادية تتكرر بشكل مستمر، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر على سلامتهم وسلامة الآخرين.
القيادة المتهورة: من التحدي إلى الخطر
وأكد الصحفي أحمد أن بعض مظاهر القيادة المتهورة تحولت لدى بعض الشباب إلى نوع من التحدي والاستعراض، مشيراً إلى مقاطع مصورة جرى تداولها مؤخراً لشباب يقودون مركباتهم أو دراجاتهم النارية بطريقة خطرة، وكأنهم يتحدون المخاطر دون إدراك للعواقب المحتملة، متمنياً السلامة لجميع الشباب وعائلاتهم.
وأوضح أن خطورة هذه السلوكيات لا تقتصر على الشخص الذي يمارسها فحسب، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، إذ إن الحوادث المرورية الناتجة عن القيادة المتهورة قد تتسبب بإصابة مستخدمي الطريق أو المارة، بمن فيهم الأطفال، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى وقوع وفيات.
وأشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت عدداً من الحوادث المؤلمة التي أودت بحياة شبان نتيجة القيادة الرعناء، ما يؤكد حجم المخاطر المرتبطة بهذه الممارسات.
وشدد على أنه لا يعتقد أن أياً من الأسر تشجع أبناءها على مثل هذه التصرفات أو ترضى عنها، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف الوعي لدى بعض الأهالي والشباب على حد سواء.
ولفت إلى أن من مظاهر هذا الوعي المحدود قيام بعض الأسر بالسماح لأبنائها، ممن لم يبلغوا السن القانونية، بقيادة الدراجات النارية أو المركبات، بحجة عدم حرمانهم من رغباتهم، مؤكداً أن هذا التصرف قد يعرّض الأبناء للخطر.
وبين أن تسليم مفاتيح المركبات أو الدراجات النارية لمن لا يمتلكون الأهلية القانونية أو الخبرة الكافية قد يسهم في تعريضهم للتهلكة، ويزيد من احتمالية وقوع الحوادث وما يترتب عليها من خسائر بشرية ومادية.
حلول مطروحة للحد من القيادة المتهورة
وقال أحمد جربان لـ شام، إن المواطن أصبح يشعر بقلق متزايد أثناء سيره في الشارع، نتيجة الخوف من التعرض لحادث مفاجئ قد تسببه دراجة نارية أو مركبة تسير بطريقة متهورة، الأمر الذي يؤثر على شعور الناس بالأمان في الأماكن العامة.
وأضاف أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب حلولاً واضحة وحازمة، معتبراً أن تشديد الإجراءات من قبل سلطات المرور ووزارة الداخلية يشكل خطوة أساسية للحد منها.
وأشار إلى أن الجهات المعنية بدأت بالفعل بتنفيذ قوانين وإجراءات جديدة، لافتاً إلى أن محافظة إدلب شهدت خلال الفترة الأخيرة حملات لمصادرة الدراجات النارية المخالفة، سواء تلك التي تسير بعكس الاتجاه أو تُقاد بطريقة مخالفة للقانون، معتبراً أن هذه الخطوات تمنح أملاً بإمكانية الحد من الظاهرة بشكل كبير.
ونوه إلى أن الحلول لا تقتصر على الإجراءات القانونية فقط، بل تشمل أيضاً تعزيز التوعية المجتمعية، من خلال المساجد وخطب الجمعة والدروس الدينية التي تُقام بعد الصلوات، لما لها من دور في توعية الأهالي بخطورة هذه الممارسات.
ولفت إلى أن الحاجة إلى توعية الأسر لا تقل أهمية عن توعية الشباب أنفسهم، لأن الأسرة تؤدي دوراً أساسياً في توجيه الأبناء والحد من السلوكيات الخطرة.
وأكد أن استثمار طاقات الشباب وتوجيهها نحو أنشطة مفيدة يمثل جزءاً مهماً من الحل، داعياً إلى زيادة الاهتمام بهذه الفئة من قبل الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية العاملة في سوريا، عبر إنشاء مراكز مخصصة للشباب تستوعب قدراتهم وتلبي احتياجاتهم.
وأوضح أن الشباب يمتلكون طاقات وإمكانات كبيرة يمكن توظيفها في خدمة المجتمع إذا توفرت البيئة المناسبة لذلك، مشيراً إلى أهمية إنشاء المراكز الاجتماعية وتفعيل الأنشطة الشبابية المختلفة.
وشدد على ضرورة إعادة تأهيل المرافق الحيوية التي تضررت خلال سنوات الثورة، ولا سيما في مناطق ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي وغيرها من المناطق المتضررة، بما يشمل الأندية الرياضية والملاعب والمراكز الشبابية، معتبراً أن توفير هذه المساحات والأنشطة من شأنه أن يسهم بشكل كبير في الحد من انتشار هذه الظواهر السلبية بين الشباب.
في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالقيادة المتهورة، تتجدد الدعوات إلى تعزيز الإجراءات القانونية والرقابية، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر هذه السلوكيات، ويؤكد مختصون أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تكاملاً بين دور الجهات المعنية والأسر والمجتمع، بما يسهم في تعزيز السلامة العامة والحد من الحوادث المرورية.