الطلاق ونظرة المجتمع… كيف تتأثر النساء نفسياً بعد الانفصال؟
غالباً ما تواجه النساء المطلقات في المجتمع السوري أحكامًا اجتماعية قاسية تبدأ مع انتهاء العلاقة الزوجية ولا تتوقف عندها، إذ تتحول كثيرات إلى هدفٍ للانتقادات واللوم، ويُحمَّلن مسؤولية فشل الزواج دون الالتفات إلى الظروف التي قادت إلى الطلاق أو طبيعة العلاقة بين الطرفين، ولا ينعكس هذا الضغط الاجتماعي على علاقتهن بالمحيط فحسب، بل يترك أيضاً آثاراً نفسية واجتماعية قد ترافقهن لسنوات.
المطلقة بين الضغوط المجتمعية والتحديات النفسية
في هذا السياق، قالت المعالجة النفسية صهباء الخضر، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بعض الأسباب الاجتماعية والثقافية تدفع إلى تحميل المرأة المطلقة مسؤولية فشل الزواج بشكل كامل، موضحة أنه في المجتمع السوري ما تزال بعض العادات والتقاليد تنظر إلى الطلاق على أنه تقصير من المرأة، وتُحمّلها مسؤولية الحفاظ على الأسرة مهما كانت الظروف.
وأضافت أن المفاهيم المرتبطة بـ"كلام الناس" وسمعة العائلة تلعب دوراً في ترسيخ هذه النظرة، إلى جانب ضعف الوعي بأن الطلاق غالباً ما يكون نتيجة مسؤولية مشتركة بين الزوجين.
وأشارت إلى أن اللوم المستمر والانتقادات ينعكسان بشكل مباشر على الحالة النفسية للمرأة بعد الطلاق، حيث قد تشعر بالحزن والضغط النفسي والذنب، وتزداد معاناتها إذا تعرضت للانتقاد من الأسرة أو المجتمع، ونوّهت إلى أن بعض الحالات قد تصل إلى العزلة أو الخوف من خوض تجارب جديدة أو اتخاذ قرارات مستقلة، خاصة أن بعض المطلقات قد تُقيد حريتهن بعد الطلاق من قبل أهلهن.
وبيّنت أن من أبرز الآثار النفسية التي قد تعاني منها المرأة نتيجة هذه النظرة المجتمعية القلق، وانخفاض الثقة بالنفس، وتراجع تقدير الذات، والشعور بالوصمة الاجتماعية، إضافة إلى ظهور أعراض اكتئابية في بعض الحالات، خاصة عند غياب الدعم الأسري أو الاجتماعي.
ولفتت إلى أن هذه الضغوط قد تؤثر على علاقات المرأة الاجتماعية وقدرتها على الاندماج مجدداً في المجتمع، إذ قد تدفعها إلى تقليل مشاركتها في المناسبات الاجتماعية أو الانسحاب من العلاقات خوفاً من الأحكام المسبقة، وذكرت أن بعض النساء قد يواجهن صعوبة في بناء شبكة دعم جديدة أو الاندماج في بعض البيئات، مشيرة إلى أن ذلك يختلف بحسب درجة تقبل الأسرة والمجتمع المحيط.
وتحدثت عن دور الأهل والمحيط الاجتماعي في التخفيف من هذه الضغوط، موضحة أن الأسرة يمكن أن تلعب دوراً أساسياً من خلال تقديم الدعم النفسي والمعنوي وتجنب اللوم واحترام خصوصيتها، وأوضحت أهمية تشجيع المرأة على العمل أو الدراسة والدفاع عنها أمام الانتقادات المجتمعية، مؤكدة أن ذلك يساعدها على استعادة ثقتها بنفسها.
وأكدت على ضرورة أن تركز المرأة المطلقة على صحتها النفسية، والابتعاد عن الأشخاص الذين يمارسون اللوم المستمر، والتمسك بالعلاقات الداعمة.
وشددت على أهمية تطوير المهارات والتعليم أو العمل، وعدم ربط القيمة الشخصية بالحالة الاجتماعية، وطلب الدعم النفسي عند الحاجة.
وأفادت أن تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بعد الطلاق يتطلب السعي إلى الاستقلال الاقتصادي عبر العمل أو تعلم مهنة أو تطوير المهارات، ولفتت إلى أهمية الاستفادة من الدورات التدريبية وبرامج التمكين المتاحة، وتنظيم الموارد المالية، وبناء شبكة علاقات مهنية واجتماعية داعمة.
وأشارت إلى أنه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في سوريا، يُعد دعم الأسرة والمبادرات المجتمعية عاملاً مهماً في تعزيز الاستقرار وإعادة الاندماج في المجتمع.
وفي سياق متصل، يشير مختصون في الصحة النفسية إلى أهمية اهتمام المرأة المطلقة بصحتها النفسية في هذه المرحلة، من خلال منح نفسها الوقت الكافي للتكيف مع التغيرات التي طرأت على حياتها، وتجنب العزلة والانفتاح على العلاقات الداعمة من الأصدقاء أو أفراد الأسرة الذين يوفرون بيئة آمنة.
كما ينصحون بالابتعاد عن مصادر الضغط والانتقاد المستمر، والعمل على تعزيز الثقة بالنفس عبر تطوير المهارات أو متابعة التعليم أو الانخراط في العمل، إلى جانب عدم ربط القيمة الشخصية بالحالة الاجتماعية، ويؤكد المختصون على أهمية طلب الدعم النفسي عند الحاجة، سواء من خلال الاستشارة المتخصصة أو المشاركة في مجموعات دعم، لما لذلك من دور في التخفيف من الضغوط واستعادة التوازن النفسي.
الإعلام والتعليم في تصحيح المفاهيم الخاطئة
وفيما يتعلق بإمكانية العمل على تغيير هذه النظرة تجاه المطلقات، أكدت الكاتبة الصحفية إيمان سرحان في تصريح خاص لـ شام، أن الإعلام والمؤسسات التعليمية تلعب دوراً محورياً في تصحيح النظرة المجتمعية تجاه المرأة المطلقة، من خلال طرح قضايا الطلاق بموضوعية بعيداً عن الأحكام المسبقة، وتسليط الضوء على كونه نتيجة لعوامل متعددة ومسؤولية مشتركة بين الطرفين.
وأضافت أنه يمكن للإعلام أن يسهم في تغيير الصور النمطية عبر تقديم نماذج واقعية ومتوازنة تعكس قدرة المرأة على إعادة بناء حياتها بعد الطلاق، مشيرة إلى أن المناهج التعليمية والأنشطة التربوية تسهم بدورها في تعزيز قيم المساواة والاحترام، ونشر الوعي حول الصحة النفسية والعلاقات الأسرية السليمة، بما يساعد على تكوين جيل أكثر تفهماً وأقل ميلاً لإطلاق الأحكام، ويحد بالتالي من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالطلاق.
ترتبط تجربة المرأة بعد الطلاق بظروفها الشخصية وطبيعة البيئة المحيطة بها، حيث تلعب نظرة المجتمع ودعم الأسرة دوراً أساسياً في استقرارها النفسي والاجتماعي، ومع اختلاف هذه الظروف من حالة إلى أخرى، تبرز أهمية التعامل مع هذه القضايا بوعي أكبر، بما يسهم في تخفيف الضغوط ويدعم قدرة المرأة على الاستمرار في حياتها بشكل متوازن.