الشهادة وحدها لا تكفي: ماذا يحتاج الخريج اليوم؟
الشهادة وحدها لا تكفي: ماذا يحتاج الخريج اليوم؟
● مجتمع ٢ أغسطس ٢٠٢٦

الشهادة وحدها لا تكفي: ماذا يحتاج الخريج اليوم؟

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل عالمياً، لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية لضمان الحصول على وظيفة، بل باتت المهارات العملية والخبرة والقدرة على التكيف عناصر حاسمة في تحديد فرص الخريجين. 

من المؤهل العلمي إلى القابلية للتوظيف

وفي هذا السياق، يسلط الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في التربية والفكر الإسلامي، من خلال حديث لشبكة شام الإخبارية، الضوء على واقع العلاقة بين مخرجات التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل، موضحًا حجم الفجوة القائمة، وأسبابها، والمسؤوليات المشتركة في معالجتها، إلى جانب دور الأنشطة والدورات التدريبية في تعزيز جاهزية الشباب للمستقبل المهني.

قال كنعان إن الشهادة الجامعية مهمة، وهي دليل على أن الطالب أتم برنامجاً معرفياً وتخصصياً، لكنها لا تقدم وحدها ضماناً للتوظيف، موضحاً أن سوق العمل لا يسأل الخريج فقط: ماذا درست؟ بل يسأله أيضاً: ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما المشكلة التي تستطيع حلها؟ وما القيمة التي ستضيفها إلى المؤسسة؟

وأضاف أن من الضروري التمييز بين ثلاثة مفاهيم، هي المؤهل العلمي، وهو ما درسه الطالب وحصل بموجبه على الشهادة، والكفاءة المهنية، وهي قدرته على تطبيق المعرفة في موقف حقيقي، والقابلية للتوظيف، وهي مجموعة المعارف والمهارات والخبرات والاتجاهات التي تزيد قدرة الإنسان على الحصول على عمل مناسب، والاستمرار فيه، والتطور من خلاله.

وأشار إلى أن التعليم الجامعي توسع عالمياً، وازدادت أعداد الخريجين، بينما لا تنمو الوظائف ذات المهارات العالية بالسرعة نفسها في كثير من الاقتصادات، لافتاً إلى أن منظمة العمل الدولية تشير إلى أن نسبة بطالة الشباب عالمياً بلغت نحو 13% عام 2023، بما يقارب 64.9 مليون شاب، على الرغم من أن هذا المعدل كان الأدنى منذ خمسة عشر عاماً.

وبيّن كنعان أن بيانات منظمة العمل الدولية تظهر كذلك أن نحو اثنين من كل ثلاثة عاملين شباب بالغين في الاقتصادات النامية يعملون في وظائف لا تتوافق مؤهلاتهم معها توافقاً جيداً، موضحاً أن المشكلة لا تتعلق بالبطالة وحدها، بل تشمل أيضاً العمل في وظائف أدنى من مستوى المؤهل أو بعيدة عن مجال التخصص.

ولفت إلى أن بيانات الأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 259 مليون شاب وشابة بين 15 و24 عاماً كانوا في عام 2024 خارج التعليم والعمل والتدريب، أي ما يقارب واحداً من كل خمسة شباب عالمياً، منوهاً إلى أن هذه الأرقام تدل على أن امتلاك الشهادة لا يكفي عندما توجد فجوة في المهارات، أو نقص في الخبرة، أو ضعف في فرص العمل اللائق.

وذكر أن المعرفة أصبحت سريعة التقادم، فالبرامج والتقنيات وطرائق الإدارة والتسويق تتغير بسرعة، وقد يحتاج بعض ما يتعلمه الطالب في السنة الأولى إلى التحديث قبل تخرجه، مؤكداً أن الشهادة تمثل بداية الأهلية المهنية وليست نهايتها.

أدوار متكاملة لتأهيل الخريجين لسوق العمل

وأوضح عماد كنعان في تصريح خاص لـ شام أنه لا ينبغي الانتقاص من قيمة الجامعة، بل يجب التمييز بين خريج يحمل شهادة فقط، وخريج يحمل شهادة ومهارة وخبرة ومشروعاً وملفاً مهنياً وشبكة علاقات وقدرة على التعلم المستمر، مبيناً أن الثاني هو الأقرب إلى المنافسة والنجاح.

قال إن هذه المسؤولية تشاركية ولا يجوز تحميلها لطرف واحد، موضحاً أن الجامعة مسؤولة عن جودة المناهج، وكفاءة التدريس، وربط المعرفة بالتطبيق، وتوفير الإرشاد المهني والتدريب العملي والشراكات مع المؤسسات، في حين يتحمل الطالب مسؤولية المبادرة والتعلم الذاتي واستثمار الفرص وبناء الخبرة.

وأضاف أنه حتى عندما تتأخر المؤسسة التعليمية في تحديث برامجها، لا يجوز للطالب أن ينتظر بشكل سلبي، مبيناً أن الإنسان مسؤول عن إدارة مساره الشخصي، وإن لم يكن مسؤولاً وحده عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به.

وأشار إلى إمكانية توزيع المسؤولية على أربعة أطراف، هي الجامعة التي توفر المعرفة والتدريب والتوجيه، والطالب الذي يستكشف ويطبق ويبني ملفه المهني، وقطاع العمل الذي يوضح احتياجاته ويقدم التدريب والتلمذة المهنية، والدولة والمجتمع اللذان يضعان السياسات ويدعمان الابتكار وريادة الأعمال ويضمنان عدالة الوصول إلى التعليم والتدريب.

ونوه كنعان إلى أن من النماذج المهمة إطلاق الإيسيسكو بالتعاون مع وزارة التعليم العالي المصرية في عام 2025 النسخة الثانية من مبادرة «كن مستعداً» تحت شعار «مليون مؤهل مبتكر»، مستهدفة تأهيل مليون شاب وشابة بمهارات المستقبل وربطهم بسوق العمل، موضحاً أن هذا يبين أن التأهيل الفعال ينشأ من الشراكة بين المنظمات والوزارات والجامعات والطلاب وقطاعات التشغيل.

وأكد أن الجامعة تفتح الأبواب وتبني الجسور، لكن على الطالب أن يعبرها، مشدداً على أن الجامعة لا تنجح دون طالب مبادر، كما لا يكفي اجتهاد الطالب إذا لم تمنحه المؤسسات فرصاً عادلة للتعلم والتدريب.

وفيما يخص وجود فجوة بين مخرجات التعليم الجامعي ومتطلبات سوق العمل، أوضح كنعان أن هناك فجوة في كثير من الدول، لكنها تختلف بين التخصصات والجامعات والاقتصادات، مشيراً إلى أنها قد تظهر في ثلاثة أشكال: فجوة معرفية حين تكون المناهج بعيدة عن المستجدات، وفجوة مهارية حين يعرف الطالب المفاهيم ولا يستطيع تطبيقها، وفجوة سلوكية ومهنية حين يفتقر الخريج إلى الانضباط والتواصل والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.

ولفت إلى أن منظمة العمل الدولية تعرّف عدم التطابق بأنه قد يقع بين مستوى التعليم والوظيفة، أو بين مجال الدراسة والعمل، أو بين المهارات التي يمتلكها الفرد والمهارات التي تتطلبها الوظيفة، مبيناً أن استمرار هذا الاختلال يترتب عليه تكاليف اقتصادية ونفسية واجتماعية على الفرد والمؤسسة والمجتمع.

وذكر أن من أسباب الفجوة بطء تحديث البرامج الجامعية مقابل سرعة تغير سوق العمل، وضعف التواصل بين الجامعات والمؤسسات، وقلة التدريب العملي، وتركيز بعض أساليب التقويم على الحفظ، وغياب الإرشاد المهني المبكر، إضافة إلى محدودية الوظائف ذات المهارات العالية في بعض الاقتصادات.

تبقى الفجوة بين ما يتلقاه الطالب في الجامعة وما يواجهه في سوق العمل مسألة قائمة، في ظل تسارع التغيرات وازدياد متطلبات التوظيف، وما يرتبط بذلك من تحديات تتصل بالمهارات والخبرة وتوفر الفرص، وهي حالة مستمرة تتداخل فيها عوامل متعددة وتنعكس على مسارات الخريجين وفرص اندماجهم في الحياة المهنية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ