الخوف من الفشل عند الأطفال.. متى تتحول رهبة الخطأ إلى عائق أمام التعلم؟
يردد بعض الأطفال عبارات مثل «لا أستطيع» أو يتجنبون خوض تجارب جديدة خشية ارتكاب الخطأ، رغم امتلاكهم القدرة على التعلم وتطوير مهاراتهم، وقد يتحول هذا الخوف مع تكرار التجارب السلبية إلى عائق يؤثر في دافعيتهم وثقتهم بأنفسهم واستعدادهم للمحاولة.
وتلعب طريقة تعامل الأسرة والمدرسة مع الخطأ دوراً مهماً في تشكيل استجابة الطفل للفشل، إذ قد تساعده على النظر إليه باعتباره جزءاً طبيعياً من عملية التعلم، أو تدفعه إلى تجنب المحاولة خوفاً من النقد والمقارنة والنتائج غير المرضية.
«لا أستطيع» لا تعني غياب القدرة
قالت الأخصائية النفسية مروة السيد علي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن تكرار الطفل لعبارة «لا أستطيع» لا يعني بالضرورة أنه غير قادر على التعلم، موضحة أن أسباباً مختلفة يمكن أن تقف خلف هذه العبارة.
وأوضحت السيد علي أن تعرض الطفل للفشل بصورة متكررة من دون مساعدته على فهم الخطأ، أو مقارنته بإخوته وزملائه، أو تعرضه للنقد والسخرية، إضافة إلى ربط قيمة إنجازه بالدرجات وحدها، عوامل قد تدفعه تدريجياً إلى الشك في قدراته.
وأضافت أن بعض الأطفال قد يواجهون مهام تفوق مستواهم الحالي، أو لا يحصلون على الوقت الكافي لاكتساب المهارة بصورة تدريجية، ومع تراكم التجارب السلبية قد يبدأ الطفل بالانسحاب قبل المحاولة، مقتنعاً مسبقاً بأنه لن يتمكن من النجاح.
كيف يصنع رد فعل الكبار الخوف من الخطأ؟
بيّنت السيد علي أن طريقة استجابة الوالدين والمعلمين لأخطاء الطفل تؤثر في فهمه للفشل، إذ يمكن للصراخ والسخرية والتوبيخ والمقارنة أن تجعل الخطأ في نظره تجربة محرجة ومخجلة، فيتعلم بمرور الوقت أن تجنب المحاولة أكثر أماناً من احتمال الفشل.
وأشارت إلى أن التعامل مع الخطأ بوصفه معلومة تكشف ما يحتاج الطفل إلى تعلمه أو التدرب عليه، بدلاً من اعتباره دليلاً على ضعف قدراته، يجعله أكثر استعداداً لإعادة المحاولة والبحث عن طريقة مختلفة للوصول إلى النتيجة.
علامات تستدعي انتباه الأسرة
ذكرت الأخصائية النفسية أن الخوف من الفشل قد يظهر من خلال تجنب الطفل المهام التي يعتقد أنه لن ينجح فيها، أو انسحابه سريعاً قبل البدء، أو رفضه الإجابة خشية أن تكون إجابته خاطئة، إضافة إلى اعتماده المفرط على الآخرين في مواقف يستطيع التعامل معها بنفسه.
وأضافت أن الطفل قد يعاني توتراً شديداً أمام الواجبات والاختبارات، فيما يمكن أن تتجاوز التأثيرات الجانب الدراسي لتظهر في صورة حساسية متزايدة تجاه النقد، أو مقارنة مستمرة بالآخرين، أو التقليل من قيمة إنجازاته، أو فقدان الاهتمام بأنشطة كان يستمتع بها سابقاً، أو الابتعاد عن التجارب الجديدة.
ونبهت السيد علي إلى أهمية متابعة التغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل بمرور الوقت، موضحة أنه عندما يصبح الخوف من الفشل شديداً ومستمراً ويؤثر بصورة واضحة في حياته اليومية وحالته النفسية، يصبح من الضروري طلب المساعدة من أخصائي نفسي للأطفال.
خطوات صغيرة بدلاً من ضغط النتيجة
أكدت السيد علي أن مساعدة الطفل على تجاوز الخوف تحتاج إلى الصبر والهدوء، موضحة أن المهام الصعبة يمكن تقسيمها إلى خطوات صغيرة تتناسب مع مستواه، مع التركيز على الجهد والطريقة والتقدم الذي يحققه، بدلاً من حصر الاهتمام بالنتيجة النهائية.
وضربت مثالاً بأن يلفت الوالد أو المعلم انتباه الطفل إلى محاولته استخدام طريقة مختلفة في حل المشكلة، بدلاً من ربط الثناء حصراً بالحصول على درجة مرتفعة، بما يعزز لديه قيمة المحاولة والتعلم التدريجي.
وأشارت إلى أهمية توفير مساحة آمنة للخطأ، بحيث يُسأل الطفل عن الجزء الذي واجه صعوبة فيه والطريقة الأخرى التي يمكن تجربتها، بدلاً من توجيه السؤال إليه بصيغة لوم حول سبب ارتكابه الخطأ.
الكبار نموذج في التعامل مع الفشل
أوضحت السيد علي أن الطفل يحتاج إلى رؤية البالغين من حوله وهم يتعاملون مع أخطائهم بهدوء، لأن استجابتهم للفشل تقدم له نموذجاً عملياً لكيفية التعامل مع تجربته الشخصية، فيما يساعد تشجيعه على تكرار المحاولة رغم الخطأ في بناء ثقته بنفسه وإدراك قدرته على تطوير مهاراته بالتدريب والتعلم.
وشددت على أن التشجيع لا يعني ممارسة ضغط مستمر على الطفل لإثبات قدرته أو مطالبته بالنجاح في كل محاولة، بل يتطلب إشعاره بوجود من يساعده على فهم موضع الصعوبة والعمل معه على تجاوزه.
فهم الخوف قبل العودة إلى المحاولة
لفتت الأخصائية النفسية إلى أن الطفل قد يحتاج أحياناً إلى الاستراحة والتعبير عن مشاعره قبل إعادة المحاولة، إذ يساعد شعوره بأن إحباطه وقلقه مفهومَان على تخفيف الضغط وتهيئته للعودة إلى المهمة.
وضربت مثالاً بطفل يستعد لاختبار ويعبر عن خوفه من الفشل، موضحة أن الاستجابة الأفضل تبدأ بتفهم قلقه وتوجيهه نحو الاستعداد وبذل الجهد، مع التأكيد على أن وقوع الخطأ يمثل فرصة لمعرفة ما يحتاج إلى تعلمه، وليس حكماً نهائياً على قدراته.
عندما تتحول العلامة إلى حكم على الطفل
استذكرت السيد علي حالة واجهتها في المدرسة لطالب حصل على علامة منخفضة، إذ بادرت والدته إلى توبيخه ومقارنته بأحد زملائه، ووصفت سلوكه بالإهمال أمامه.
وبيّنت أن مثل هذه الرسائل قد تجعل الطفل يربط الدرجة المنخفضة بفشله الشخصي، وقد تدفعه إلى تجنب المادة الدراسية أو النفور منها، في حين يمكن التعامل مع النتيجة بالبحث عن موضع الصعوبة، سواء كان في فهم السؤال أو طريقة الحل، ثم اختيار جانب محدد والتدرب عليه.
وأكدت أن هذا الأسلوب يحول الخطأ من حكم على شخصية الطفل وقدراته إلى معلومة تساعد الأسرة والمعلم على تحديد ما يحتاج إليه في عملية التعلم.
الخطأ تجربة وليس حكماً نهائياً
شددت السيد علي على أهمية أن تساعد التربية الطفل على فهم الفشل والخطأ بوصفهما تجربتين مؤقتتين يمكن الاستفادة منهما، وليس حكماً دائماً على قدراته أو قيمته الشخصية.
ويبقى التعامل الهادئ مع أخطاء الأطفال، وفق ما أوضحته الأخصائية النفسية، إلى جانب توفير بيئة تسمح بالمحاولة والتدرج في التعلم وتجنب المقارنات والضغط المفرط، من العوامل التي تساعد الطفل على استعادة ثقته بقدرته على التعلم ومواجهة التجارب الجديدة بدلاً من الهروب منها.