التنقيب غير المشروع عن الآثار.. البحث عن الذهب يهدد ذاكرة سوريا ومواقعها التاريخية
التنقيب غير المشروع عن الآثار.. البحث عن الذهب يهدد ذاكرة سوريا ومواقعها التاريخية
● مجتمع ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦

التنقيب غير المشروع عن الآثار.. البحث عن الذهب يهدد ذاكرة سوريا ومواقعها التاريخية

تتعرض مواقع أثرية في مناطق مختلفة من سوريا لعمليات تنقيب غير مشروع، تقودها دوافع تتراوح بين البحث عن الذهب والكنوز المزعومة والاتجار بالقطع الأثرية، فيما تتجاوز أضرار هذه الممارسات فقدان اللقى إلى تدمير الطبقات الأثرية وتشويه المباني والمعالم، وضياع معلومات تاريخية وعلمية يصعب استعادتها لاحقاً.

تحركات للحد من الظاهرة

قال عدنان المحمد، الباحث في معهد كارينا لعلم الآثار المستدام في كلية بيركبيك بجامعة لندن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تجار الآثار والباحثين عما يعرف محلياً بـ«الأنتيكات» استغلوا الظروف خلال السنوات الماضية لتنفيذ عمليات نهب وتنقيب في المواقع الأثرية، ما أسهم في استمرار الظاهرة واتساع نطاقها.

وأوضح أن بداية عام 2026 شهدت تحركاً أكبر من المديرية العامة للآثار والمتاحف، بالتعاون مع وزارة الداخلية والمجتمعات المحلية، لرصد عمليات التنقيب ومراقبتها، إلى جانب الدور الذي يؤديه المهتمون بالتراث ووسائل الإعلام في تسليط الضوء على الانتهاكات، الأمر الذي ساعد على تعزيز جهود الحد منها.

وأشار إلى أن التنقيب غير المشروع لا يزال، بحسب تقديره، نشطاً في أكثر من 40 بالمئة من المناطق، وقد تصل النسبة إلى 50 بالمئة، ولا سيما في المواقع البعيدة عن المدن، إضافة إلى بعض المنازل والمباني الأثرية داخل التجمعات السكانية.

ولفت إلى تسجيل عمليات نهب وتنقيب في مناطق متعددة، من بينها السويداء والجزيرة السورية وإدلب وأرياف حلب، مع اختلاف حجم النشاط وطبيعته بين منطقة وأخرى.

محترفون وباحثون عن مصدر للدخل

بيّن المحمد أن المتورطين في هذه العمليات لا ينتمون إلى فئة واحدة، إذ تضم الظاهرة لصوص آثار محترفين يمتلك بعضهم إمكانات مالية وأجهزة لكشف المعادن ومعدات للحفر، ويستعينون بعمال مقابل أجور يومية أو بحصص من قيمة ما قد يتم العثور عليه.

وكشف أن بعض هذه المجموعات ترتبط بأشخاص وشبكات خارج سوريا، وتستخدم تطبيقات ومنصات مثل «واتساب» و«تلغرام» و«فيسبوك» لعرض القطع وتقييمها والبحث عن مشترين، إلى جانب الاعتماد على شبكات وطرق لتهريب الآثار إلى خارج البلاد.

وأكد أن الظاهرة، في هذه الحالات، تتجاوز الاعتداء على التراث الثقافي إلى نشاط منظم عابر للحدود، مشيراً إلى أن شبكات تهريب الآثار قد تتقاطع في طرقها وأساليبها مع شبكات تهريب المخدرات والأسلحة.

وأوضح، في المقابل، أن فئة أخرى تضم أشخاصاً يعانون من ظروف معيشية صعبة وغياب فرص العمل والخدمات في مناطقهم، ما يدفع بعضهم إلى التنقيب بصورة متقطعة بحثاً عن مصدر للدخل.

شائعات الذهب تغذي عمليات الحفر

أشار المحمد إلى أن الروايات المتداولة حول وجود الذهب والكنوز المدفونة، ومن بينها ما يعرف بـ«الذهب العثماني»، تشكل أحد العوامل التي تدفع أشخاصاً إلى عمليات حفر عشوائية أملاً في العثور على ثروة تغير واقعهم المعيشي، رغم أن جانباً كبيراً من هذه الروايات لا يستند إلى حقائق.

وأوضح في تصريح خاص لـ«شام» أن لصوص الآثار يفضلون المواقع الواقعة بعيداً عن التجمعات السكانية، حيث يسهل الحفر وتقل احتمالات رصدهم، بينما تُنفذ بعض عمليات التنقيب داخل المناطق المأهولة خلال الليل خشية اكتشافها أو إبلاغ الجهات المختصة عنها.

وأضاف أن المواقع المكشوفة والبعيدة قد تشهد عمليات حفر نهارية تنفذها ورشات متخصصة، مستفيدة من بعدها عن السكان وصعوبة مراقبتها بصورة مستمرة.

تدمير معلومات لا يمكن استعادتها

حذر المحمد من أن خطورة الحفر العشوائي لا تتوقف عند سرقة قطعة أثرية، إذ يؤدي العبث بالطبقات الأثرية إلى تدمير السياق الذي يعتمد عليه علماء الآثار لفهم تاريخ الموقع وتسلسله الزمني، ما يعني ضياع معلومات قد يتعذر تعويضها مستقبلاً.

ولفت إلى أن بعض المنقبين يعمدون إلى تحطيم الجرار واللقى الفخارية عند عدم العثور على الذهب أو القطع التي يعتقدون أنها ذات قيمة مالية، رغم ما تحمله تلك المواد من أهمية تاريخية وعلمية.

وأشار إلى أن الاعتداءات قد تمتد إلى المباني والجدران والكنائس والمعابد التاريخية، عبر تخريبها أو تفكيك الحجارة والتيجان والعناصر المعمارية بهدف سرقتها وبيعها، الأمر الذي قد ينتهي بفقدان أجزاء مهمة من المواقع أو تدميرها بالكامل.

الدجل والشعوذة يدخلان على خط «الكنوز»

قدّر المحمد أن نحو 90 بالمئة من عمليات البحث عن الذهب والكنوز لا تصل، بحسب تقديره، إلى ما يبحث عنه المنقبون، إلا أن استمرار الاعتقاد بوجود ثروات مدفونة يبقي عمليات الحفر قائمة.

وكشف عن انتشار أساليب تقوم على الاستعانة بأشخاص يدّعون قدرتهم على تحديد أماكن الذهب والكنوز من خلال الشعوذة والدجل، إذ يدفعون الباحثين إلى الحفر في مواقع مختلفة، قبل الادعاء بأن الكنز «مرصود» أو تحرسه قوى خفية، وطلب تنفيذ طقوس أو توفير مواد معينة لمواصلة البحث.

وحذر من أن خطورة هذه الممارسات قد تتعدى تخريب المواقع الأثرية، في ظل تداول مزاعم مرتبطة باستخدام دماء أطفال أو نساء للوصول إلى كنوز مزعومة، معتبراً أن مثل هذه الأفكار تنقل القضية إلى مستوى من المخاطر الأمنية والمجتمعية التي تستوجب الانتباه إليها.

حماية الآثار مسؤولية تتجاوز الجانب الثقافي

أكد المحمد أن نهب الآثار والتنقيب غير المشروع لم يعودا مجرد قضية مرتبطة بحماية التراث، بل باتت الظاهرة تحمل أبعاداً اقتصادية وأمنية ومجتمعية، ولا سيما مع وجود شبكات منظمة تمتلك امتدادات خارج البلاد.

وتبرز خطورة هذه العمليات في أن الخسارة لا تقتصر على قطعة يمكن استعادتها مستقبلاً، إذ قد يؤدي تدمير موقع أو طبقة أثرية إلى فقدان جزء من المعلومات المتعلقة بتاريخ سوريا بصورة نهائية، ما يجعل حماية المواقع وملاحقة شبكات الاتجار غير المشروع ورفع الوعي المجتمعي بقيمة الآثار عناصر متكاملة للحفاظ على الإرث التاريخي للبلاد.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ