الاحتراق الوظيفي: عندما يتحول العمل إلى عبء مستنزف للطاقة
قد يمر الشخص خلال عمله بحالة من الضغط يشعر فيها بأنه مثقل بالمهام، وأن الوقت لا يكفي لإنجاز ما يُطلب منه، مع تراجع تدريجي في الطاقة والدافعية، ومع استمرار هذا الضغط لفترات طويلة دون إدارة فعّالة أو فترات راحة كافية، قد تتطور الحالة لتصل إلى ما يُعرف بالاحتراق الوظيفي، وهو حالة من الإنهاك النفسي والجسدي تؤثر على قدرة الفرد على أداء عمله والتفاعل مع متطلباته.
وفي هذا السياق، يوضح مختصون في علم النفس مفهوم الاحتراق الوظيفي وأسبابه ومؤشراته وسبل التعامل معه، وقال بيرم جمعة، الأخصائي النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الاحتراق الوظيفي يُعرّف بأنه متلازمة ناتجة عن الإجهاد المزمن في مكان العمل والذي لم تتم إدارته بنجاح، مضيفاً أنه يرتبط بمشاعر اليأس وصعوبة التعامل مع متطلبات العمل بفعالية.
وأوضح أنه بمعنى أقرب للتجربة الإنسانية هو "استنزاف شامل للموارد النفسية والعاطفية"، حيث يستيقظ الشخص شاعراً بأن طاقته قد نضبت تماماً وبأن جهوده لم تعد تُحدث أي أثر، لافتاً إلى أنه حالة من الإنهاك العميق التي تُطفئ دافعية الإنسان وتحول العمل من مساحة للإنتاج إلى مصدر للإرهاق والعبء الثقيل.
وأشار إلى أن الاحتراق ليس دليلاً على ضعف الموظف، بل هو غالباً نتيجة لبيئة عمل غير صحية تتفاعل مع ظروف ضاغطة، ونوّه إلى أن من أبرز أسبابه عوامل متعلقة ببيئة العمل مثل عبء العمل المرتفع جداً أو التواجد في بيئة عمل غير داعمة.
وبين أن من بينها أيضاً فقدان السيطرة وغياب التقدير والشعور بأن الجهود المبذولة لا تُحدث أي تغيير أو فارق حقيقي، وأفاد بأن من الأسباب كذلك غياب النظم الهيكلية للرعاية، موضحاً أن برامج الرعاية غالباً ما تفشل لأنها صُممت كـ"خدمة" تُقدم للموظف بعد حدوث الاحتراق وليس كـ"نظام" وقائي ومستدام يندرج ضمن بنية المؤسسة ذاتها.
وذكر أن السياق السوري الخاص يزيد من حدة الظاهرة، حيث يواجه الموظف تحديات هائلة لتأمين أبسط مقومات الحياة مما يضطره للعمل في أكثر من وظيفة، الأمر الذي يجعل استنزاف الطاقة يحدث بسرعة مضاعفة لغياب المساحة الحقيقية للتعافي بعد انتهاء دوام العمل.
وتحدث عن أن خطورة الاحتراق الوظيفي تكمن في أنه مشكلة خفية تبدأ بشكل غير ملحوظ حيث تختلط أعراض الإرهاق مع ضغوط العمل اليومية، وأكد أن من أبرز مؤشراته النفسية والانفعالية الشعور المستمر بالتعب وفقدان الحماس للعمل وتراجع الإحساس بالإنجاز مع شعور باليأس والإحباط.
وأوضح أن من مؤشراته السلوكية التغيب المتكرر والانعزال عن الزملاء وانخفاض جودة الإنتاجية، وشدد على أن من مؤشراته الجسدية صعوبات في النوم وآلام عضلية وتراجع في المناعة.
ولفت إلى أن التمييز بين الضغط الطبيعي في العمل والاحتراق الوظيفي ضروري جداً لتحديد نوع التدخل، وبيّن أن الضغط المهني (Stress) هو تفاعل مؤقت مع تحدٍ معين مثل اقتراب موعد تسليم مشروع، حيث يتميز الموظف بأنه لا يزال يمتلك الأمل بأن الأمور ستتحسن بمجرد زوال المؤثر أو انتهاء المهمة.
وأفاد بأن الاحتراق الوظيفي (Burnout) هو حالة مزمنة تعبر عن الإنهاك والاستنزاف التام، حيث يفقد الموظف الأمل تماماً ويشعر أن التعب مستمر سواء أنجز المهمة أم لا، موضحاً أن الضغط يجعلك تشعر بأنك "تغرق" تحت وطأة المسؤوليات بينما الاحتراق يجعلك تشعر بأن مواردك قد "جُففت" تماماً ولم يعد لديك ما تقدمه.
ونوه إلى أن التداعيات السلبية للاحتراق الوظيفي على حياة الفرد تختلف من شخص لآخر وقد تتطور لتشمل جوانب خطيرة جداً، وأوضح أنها تشمل تداعيات صحية وجسدية مثل زيادة احتمالية التعرض لنوبات القلب وارتفاع ضغط الدم وأمراض الجهاز الهضمي.
وأضاف أن من التداعيات النفسية القاسية الانحدار نحو الاكتئاب وقد تصل التأثيرات إلى حد التفكير بالانتحار، وذكر أن هناك تداعيات أسرية واجتماعية تتمثل في عودة الموظف إلى منزله مستنزفاً وفاقداً للقدرة على التواصل العاطفي مع أطفاله وشريك حياته مما يخلق شرخاً في علاقاته الأسرية ويزيد من عزلته.
وبيّن أن الوقاية والتعافي يتطلبان خطوات عملية مدروسة تبدأ من الاهتمام بالحاجات الأساسية، وقال إن من بينها الرعاية الذاتية الأساسية مثل التأكد من الحصول على قسط كافٍ من النوم وتناول طعام صحي وتخصيص وقت للتواجد في الطبيعة أو التعرض لأشعة الشمس.
وأفاد بأن من الخطوات أيضاً إدارة بيئة العمل عبر العمل لساعات معقولة وأخذ استراحة غداء يومية للقيام بنشاط لا علاقة له بالعمل، إضافة إلى جدولة "مساحات للتنفس" خلال اليوم وتحديد أوقات معينة للتحقق من البريد الإلكتروني أو تلقي المكالمات.
وأضاف ضرورة التوقف عن تحمل ما يفوق الطاقة وتعلم وضع الحدود لتجنب الندم والضغط اللاحق، ولفت كذلك إلى أهمية الراحة الجسدية عبر شرب كمية كافية من الماء وارتداء ملابس وأحذية مريحة أثناء الدوام، وأكد أن التعبير عن المشاعر والتواصل مع شخص موثوق أو صديق قادر على الإصغاء الحقيقي يمثل خطوة مهمة في التعافي.
وأشار إلى أن الحفاظ على توازن صحي بين العمل والحياة الشخصية يمكن أن يتم من خلال مفهوم "الفصل الصحي" أو وضع الحدود، ونوّه إلى ضرورة عدم أخذ العمل إلى المنزل وترك هموم الوظيفة عند باب المؤسسة مع الحضور الذهني والعاطفي مع العائلة.
وبين أهمية البحث عن مساحات صغيرة تمنح الرضا والفرح حتى لو كانت بسيطة جداً مثل ممارسة هواية أو سماع موسيقى مفضلة أو جلسة هادئة بمفردك، وذكر كذلك أهمية مسامحة الذات عند الخطأ أو الشعور بعدم الإنجاز، وأفاد أيضاً بضرورة بناء شبكة أمان اجتماعي عبر تخصيص وقت لرعاية الصداقات والتواصل مع الأشخاص الذين يبثون الأمل والدعم.
يرتبط الاحتراق الوظيفي باستمرار الضغوط في بيئة العمل دون إدارة أو توازن كافٍ، وينعكس على أداء الفرد وحالته النفسية والجسدية، كما يمتد تأثيره إلى الجوانب الاجتماعية والمهنية.