الأدوية النفسية.. ضوابط طبية وتحذيرات من الاستخدام العشوائي
الأدوية النفسية.. ضوابط طبية وتحذيرات من الاستخدام العشوائي
● مجتمع ١٦ يوليو ٢٠٢٦

الأدوية النفسية.. ضوابط طبية وتحذيرات من الاستخدام العشوائي

في ظل تزايد الاهتمام بالصحة النفسية، تبرز الأدوية النفسية كركيزة أساسية في خطط العلاج، ما يسلّط الضوء على أهمية التعامل معها بدقة على المستويين الطبي والدوائي، فبين تشخيص الطبيب النفسي الذي يحدد الحاجة للعلاج ونوعه، ودور الصيدلاني في صرف الدواء وفق الضوابط المعتمدة، تتكامل حلقات الرعاية لضمان الاستخدام الآمن والفعال لهذه الأدوية. 

وفي هذا السياق، تتقاطع الجوانب العلاجية مع التنظيمية، لتطرح تساؤلات حول آليات وصف الأدوية النفسية، وضوابط صرفها، والدور التوعوي لكل من الطبيب والصيدلاني في الحد من سوء الاستخدام وتعزيز السلامة الدوائية.

الأدوية النفسية مكملة والعلاج يتطلب معالجة الأسباب

وقال الدكتور ملهم الحراكي، طبيب نفسي ومعالج نفسي للأطفال والمراهقين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأدوية النفسية تكون عادة جزءاً مكمّلاً في كثير من الأمراض، وخاصة الأمراض الشائعة مثل القلق والاكتئاب، مشيراً إلى وجود عوامل معرفية وطرق تفكير خاطئة وسلوكيات غير سليمة وعلاقات متأزمة تسهم في هذه الاضطرابات.

وأضاف أنه في حال تناول الأدوية النفسية، وحتى لو حققت شيئاً من الفائدة كمضادات للاكتئاب أو القلق، يبقى التساؤل حول موعد التوقف عنها، خاصة أن العوامل التي سببت المرض لا تزال موجودة، وبالتالي فإن ذلك لا يُعد معالجة بقدر ما هو تسكين أو مجرد تخفيف مؤقت، لأن العلاج هنا يقتصر على الجانب الدوائي فقط.

وأشار إلى أنه عند إعطاء الدواء، وحتى لو حقق فائدة، فقد يتم تناوله لفترة غير معروفة، ما قد يؤدي إلى تفاقم الوضع النفسي نتيجة عدم معالجة السبب الأساسي الذي استُخدم الدواء لأجله، سواء في حالات الاكتئاب أو القلق.

ونوّه إلى أن الأدوية التي تسبب الإدمان في الطب النفسي تقتصر على فئة محددة، بينما بقية الفئات قد تؤدي إلى حالة من التعود، بحيث إن تركها لا يسبب أعراض انسحاب شديدة.

وبيّن أن من بين هذه الأدوية عائلة البنزوديازيبينات، وهي المهدئات المعروفة مثل الليكسوتان أو ما يحتوي على مادة ليكسو، وبرومازيبام، والأوبرفان، والفاليوم، مؤكدًا أن هذه الأدوية قد تسبب الإدمان، ولا يُنصح باستخدامها إلا بناءً على استشارة طبية.

ولفت إلى أن الإنسان يمتلك ما يُعرف بالمستقبلات العصبية، وأنه في حالات القلق أو التوتر أو الذهان أو الأعراض الوسواسية، يجب إعطاء الدواء بالمقدار الكافي واختيار الدواء المناسب، وذلك بعد تقييم نفسي طبي شامل يتناول الحالة الصحية والعلاقات والأسباب المختلفة المؤدية للاضطراب النفسي.

وذكر أن الدواء يجب أن يُعطى كجزء من خطة علاجية متكاملة، بحيث يكون في مكانه الصحيح ضمن هذه الخطة، وتحدث عن أن تناول الدواء بغير هذه الطريقة قد يؤدي إلى تأثيرات على جوانب أخرى وحدوث آثار جانبية، قد تكون على شكل زيادة في الوزن أو أعراض هضمية، وقد تتطور أحياناً إلى أعراض تؤثر في جودة الحياة أو قد تنطوي على خطورة.

وأكد أن النصيحة الأساسية للأشخاص الذين يعانون من أعراض نفسية هي التوجه إلى الطبيب أو المعالج النفسي لفهم الحالة بشكل كامل، وشدد على أن الدواء يشبه في بعض الحالات المسكن، ضارباً مثالاً بمن يعاني من صداع فيتناول مسكناً دون معالجة السبب، موضحاً أن الأدوية النفسية تساعد أحياناً الشخص على التعامل مع المشكلات التي تسببت له في الأعراض النفسية.

وأفاد بأهمية فهم الصورة الكاملة للحالة النفسية من خلال التقييم الطبي والنفسي، والعمل على معالجة متعددة الأبعاد تشمل البعد البيولوجي، والمعرفي، والسلوكي النفسي، والروحي، والاجتماعي، وقال إن تحقيق التعافي يرتبط بتكامل هذه الأبعاد، حيث يكون الدواء جزءاً من رحلة العلاج وليس العلاج الكامل.

وأضاف أن الدواء قد يكون جزءاً من رحلة العلاج وليس العلاج كاملاً، منوهاً، في بعض الحالات يكون الدواء عاملاً حاسماً بنسبة كبيرة، تصل إلى 80-90% كما في أمراض الفصام والاضطراب ثنائي القطب، بينما في حالات شائعة مثل القلق والاكتئاب يكون الدواء عنصراً مكمّلاً تتراوح نسبته بين 30-40% إلى 50%، مع ضرورة البحث في العوامل الأخرى المؤثرة.

الأدوية النفسية تخضع لرقابة وتوثيق دقيق

وفي الإطار العملي المرتبط بصرف هذه الأدوية داخل الصيدليات، قال الصيدلاني محمد الموسى في تصريح خاص لـ شام، إن الأدوية النفسية تُعامل بحذر أكبر من معظم الأدوية الأخرى داخل الصيدليات، إذ تُحفظ وفق شروط التخزين الموصى بها من حيث درجة الحرارة والرطوبة، ويُخصص لبعضها مكان آمن في خزانة مقفلة بحسب القوانين المحلية، خاصة إذا كانت من الأدوية الخاضعة للرقابة.

وأضاف أنه يتم توثيق حركة هذه الأدوية من لحظة الاستلام وحتى الصرف، نظراً لإمكانية إساءة استخدامها أو تسببها بالاعتماد الدوائي، وهو ما يفرض إجراءات دقيقة لضمان سلامة تداولها، وأشار إلى أن الأصل في صرف الأدوية النفسية، وخاصة المهدئات والمنومات وبعض مضادات القلق، أن يتم فقط بوصفة طبية نظامية وسارية وفق التشريعات المعمول بها، مع ضرورة التزام الصيدلاني بالتأكد من صحة الوصفة والجرعة ومدة العلاج.

ونوّه إلى أن صرف هذه الأدوية دون وصفة طبية يُعد مخالفة في معظم الأنظمة الصحية، لما قد يترتب عليه من مخاطر صحية وقانونية، إضافة إلى عدم جواز تكرار صرفها بصورة غير قانونية، وبيّن أن معظم الصيادلة من ذوي الأخلاق الرفيعة والمسؤولية المهنية يلتزمون بهذه الضوابط إدراكاً لدورهم في حماية المرضى والمجتمع.


ولفت إلى أن هذه التجاوزات قد تحدث في بعض الأماكن، لكنها تبقى ممارسات غير مهنية وتخالف القوانين وأخلاقيات المهنة، وذكر أن الجهات الرقابية، المتمثلة بوزارة الصحة ونقابة الصيادلة وهيئة الرقابة الدوائية، تعمل بشكل مستمر على متابعة الصيدليات وضمان الالتزام بالتعليمات، مع توقعات بتشكيل هيئة الغذاء والدواء السورية التي ستسهم في تنظيم صرف الأدوية النفسية والحد من الاستخدام العشوائي لها.

وتحدث عن دور الصيدلاني، مؤكداً أنه لا يقتصر على صرف الدواء فقط، بل يشمل تثقيف المريض حول الاستخدام الصحيح، والالتزام بالجرعة ومدة العلاج، وعدم إيقاف الدواء أو تعديل الجرعة دون استشارة طبية، وأوضح أهمية تنبيه المرضى إلى الآثار الجانبية والتداخلات الدوائية، وخطورة مشاركة الدواء مع الآخرين، لما لذلك من آثار صحية سلبية محتملة.

 وأكد أنه في حال طلب شخص دواءً نفسياً دون استشارة طبية، ينبغي للصيدلاني توضيح مخاطر الاستخدام العشوائي، وتوجيهه إلى مراجعة الطبيب المختص للحصول على التشخيص والعلاج المناسب، وشدد على ضرورة التعامل مع المريض باحترام وسرية، بعيداً عن الوصمة المرتبطة بالأمراض النفسية.

يرتبط استخدام الأدوية النفسية بضرورة الالتزام بالوصفة الطبية والإشراف المختص، إذ إن تناولها دون ذلك قد يؤدي إلى آثار صحية محتملة، تشمل الاعتماد الدوائي، أو ظهور آثار جانبية، أو حدوث تداخلات مع أدوية أخرى، ما يضع استخدامها ضمن إطار من الضوابط الطبية والصيدلانية المنظمة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ