أهمية العمل التطوعي ودوره في دعم المجتمع وتعزيز التعافي في سوريا
أهمية العمل التطوعي ودوره في دعم المجتمع وتعزيز التعافي في سوريا
● مجتمع ٢١ مايو ٢٠٢٦

أهمية العمل التطوعي ودوره في دعم المجتمع وتعزيز التعافي في سوريا

في ظلّ ما شهدته سوريا خلال سنوات الثورة من دمار واسع وتحديات إنسانية عميقة، برزت الحاجة إلى العمل التطوعي كأحد أشكال الاستجابة المجتمعية لمحاولة ترميم ما يمكن ترميمه، فمع اتساع رقعة الاحتياجات، من إزالة الأنقاض إلى دعم المتضررين نفسياً ومعيشياً وغيرها، لم يعد التطوع نشاطاً اختيارياً فحسب، بل تحوّل إلى ضرورة إنسانية تفرضها الظروف.

وبالتوازي مع ذلك، دفعت هذه الحاجة إلى ظهور العديد من الفرق والمبادرات التطوعية التي سعت، رغم محدودية الإمكانيات، إلى تقديم المساعدة وإسناد المجتمعات المحلية، ما يعكس حضوراً لافتاً لروح التضامن وقدرة الأفراد على إحداث فرق حقيقي.

تحدث الدكتور عماد كنعان من خلال تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، عن العمل التطوعي كأحد أجمل أشكال حضور الإنسان في مجتمعه، لأنه ينقل الفرد من دائرة الاهتمام بذاته فقط إلى دائرة النفع العام، ومن منطق “ماذا آخذ؟” إلى منطق “ماذا أقدّم؟”.

وأضاف أن التطوع يمنح صاحبه نفسياً شعوراً بالمعنى، ويعزّز الرضا عن الذات، ويخفف الشعور بالعزلة، مشيراً إلى أن تقارير عالمية أظهرت أن أفعال العطاء والمساعدة بقيت أعلى من مستويات ما قبل الجائحة، وأن مساعدة الغرباء ظلت أعلى بنحو 18% مقارنة بفترة ما قبل عام 2020.

وأشار إلى أن التطوع يُعد تربوياً مدرسة عملية للقيم، إذ يتعلم فيه الشاب التعاون، والانضباط، وتحمل المسؤولية، واحترام الوقت، والعمل ضمن فريق، ونوّه إلى دوره الاجتماعي في تقوية الثقة بين الناس، وترميم العلاقات الاجتماعية، ومساندة المؤسسات في أوقات الأزمات، لافتاً إلى أن الأمم المتحدة تشير إلى أن التطوع شريك مهم في بناء مجتمعات أكثر مساواة وشمولًا. 

وأكد أن الشباب يمثلون الطاقة الأكثر حيوية في المجتمع؛ فإذا وُجّهت طاقتهم نحو الخير صاروا قوة بناء، وإذا تُركت بلا توجيه قد تتحول إلى فراغ أو اضطراب، وأضاف أن التطوع يوجّه حماسة الشباب نحو إنجاز نافع، ويمنحهم شعوراً بالقدرة والتأثير، كما أشار إلى أن الشباب قادرون على نقل ثقافة التطوع داخل المدارس والجامعات والنوادي والمبادرات الرقمية، لأنهم أكثر قرباً من أقرانهم. 

وتحدث عن قدرتهم على الوصول إلى الفئات الهشة، وتنظيم الحملات، والمشاركة في مجالات الإغاثة والتعليم والدعم النفسي والمبادرات البيئية والصحية، مبيناً أن تقارير العطاء العالمية تشير إلى أن 26% من البالغين عالمياً قالوا في عام 2024 إنهم قدّموا وقتهم للتطوع خلال الشهر السابق.

وأشار إلى أن العمل التطوعي لا يخدم المجتمع فقط، بل يبني المتطوع نفسه من الداخل، إذ يُعد تدريباً حياً على النضج، وأضاف أنه يعزز نفسياً الثقة بالنفس، لأن الشاب يرى أثره الواقعي في حياة الآخرين، كما ينمّي الصبر والاتزان وتقدير الذات والقدرة على التعامل مع المشكلات.

 وبيّن أن الشاب يكتسب من خلاله مهارات عملية لا توفرها القاعات الدراسية وحدها، مثل التواصل، والقيادة، والتخطيط، وحل المشكلات، وإدارة الوقت، والعمل الجماعي، ونوّه إلى أنه يوسّع شبكة العلاقات، ويعلّم احترام الاختلاف، ويزيد الإحساس بالمسؤولية تجاه الضعفاء والمحتاجين.

وذكر أن منظمة العمل الدولية تؤكد أن التطوع “عمل” له قيمة اقتصادية واجتماعية، وقد وضعت دليلًا خاصًا لقياسه لأنه غالباً لا يُحتسب ضمن الاقتصاد الرسمي رغم أثره الكبير.

وأكد أن المجتمع المحلي، رغم حاجته إلى الدولة والمؤسسات، يحتاج أيضاً إلى روح الناس، وأن العمل التطوعي يمثل هذه الروح حين تتحول إلى فعل، وأضاف أنه يسهم نفسياً في تخفيف الشعور الجمعي بالعجز وتعزيز الأمل، خاصة في البيئات المتضررة، كما أشار إلى دوره التربوي في تحويل القيم إلى سلوك عملي يراه الأطفال والشباب، من خلال نماذج حقيقية للعطاء.

 وتحدث عن أثره الاجتماعي في ترميم الثقة، والتخفيف من الفقر، ومساندة كبار السن والأيتام والمرضى، وتحريك طاقات المجتمع بدل انتظار الحلول من الخارج، ولفت إلى أن مؤشر العطاء العالمي يبيّن أن 4.3 مليار شخص حول العالم مارسوا شكلاً من أشكال العطاء في الشهر السابق للاستطلاع، أي ما يقارب 73% من البالغين عالمياً.

وأشار إلى أن كثيراً من الشباب لا يرفضون التطوع بحد ذاته، لكنهم لا يجدون طريقاً واضحاً إليه، موضحاً أن من أبرز العوائق نفسياً ضعف الثقة بالنفس، والخجل، والخوف من الفشل، أو الاعتقاد بأن التطوع يحتاج إلى خبرات كبيرة. 

وأضاف أن من التحديات التربوية غياب التدريب، وضعف إدماج التطوع في المدارس والجامعات، وعدم وجود مشرفين قادرين على تحويل الحماسة إلى برامج منظمة، ونوّه إلى وجود عوائق اجتماعية، مثل الفقر، وضيق الوقت، وضعف ثقافة المبادرة، والنظرة السلبية إلى العمل المجاني، وغياب المؤسسات الآمنة التي تستوعب طاقات الشباب.

وشدد كنعان على أن تحفيز الشباب لا يقتصر على الوعظ، بل يتطلب توفير فرص واضحة، ونماذج ملهمة، وشعوراً بأن جهدهم محل تقدير، وأضاف أن ربط التطوع بالمعنى والإنجاز يعزز الاستمرارية، كما أشار إلى إمكانية تحفيزهم عبر ساعات تطوعية معتمدة، وشهادات خبرة، ومسابقات مبادرات، وبرامج تدريبية في القيادة والعمل المجتمعي. 

ونوه إلى أهمية توفير منصات موثوقة تربط الشباب بالمشاريع، إلى جانب إبراز قصص النجاح وتكريم المتطوعين، وبيّن أن دور المدارس والجامعات في نشر ثقافة التطوع ما يزال في كثير من البيئات أقل من المطلوب، إذ تُدرّس القيم نظرياً دون تحويلها دائماً إلى ممارسة منظمة. 

وأضاف أن الطالب يحتاج إلى تجربة عملية يشعر من خلالها بقدرته على التأثير، لا إلى المعرفة النظرية فقط، وأشار إلى ضرورة إدخال التطوع ضمن المناهج والأنشطة، مثل خدمة المجتمع، والزيارات الميدانية، والمشاريع الطلابية، والحملات البيئية والصحية، وبرامج الدعم التعليمي، ونوّه إلى أن الجامعة يجب ألا تكون معزولة عن المجتمع، بل مركزًا لإنتاج الحلول وخدمة الناس.

وأشار لـ "شام" إلى أن البداية في العمل التطوعي لا تتطلب مشاريع كبيرة، بل يمكن أن تنطلق من خطوات بسيطة، ناصحاً الشباب بالبدء بما يحبون، وعدم مقارنة أنفسهم بغيرهم، وأضاف أهمية اختيار مجالات تناسب مهاراتهم، مثل التعليم، والدعم النفسي، والإسعاف، والإعلام، والتنظيم، والتقنية، والبيئة، ورعاية الأيتام أو كبار السن، وشدد على ضرورة التطوع ضمن جهات موثوقة، والالتزام بالمواعيد، واحترام خصوصية الآخرين، وعدم جعل التصوير أو الشهرة هدفاً أساسياً.

يبقى العمل التطوعي مساحة حقيقية لقدرة الأفراد على الفعل والتغيير، خاصة في بيئات أنهكتها الأزمات، وبين الأنقاض، تتشكل مبادرات بسيطة لكنها مؤثرة، فيما تتواصل الجهود في إطار عمل منظم تقوده طاقات الشباب، بما يسهم في مسار التعافي واستعادة التوازن.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ