أصدقاء الطفل بين اختياره وتدخل الأهل.. متى تكون الحماية ضرورية ومتى تتحول إلى سيطرة؟
أصدقاء الطفل بين اختياره وتدخل الأهل.. متى تكون الحماية ضرورية ومتى تتحول إلى سيطرة؟
● مجتمع ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦

أصدقاء الطفل بين اختياره وتدخل الأهل.. متى تكون الحماية ضرورية ومتى تتحول إلى سيطرة؟

يدفع الخوف على الأطفال بعض الأهالي إلى التدخل في علاقاتهم الاجتماعية، سواء بتشجيعهم على مصادقة أشخاص محددين أو منعهم من الاقتراب من آخرين، انطلاقاً من الرغبة في حمايتهم من التنمر أو الاستغلال أو السلوكيات المؤذية، إلا أن اتساع مساحة التدخل قد يحول التوجيه إلى فرض مباشر لاختيارات الأهل، ويحد من قدرة الطفل على تكوين علاقاته واتخاذ قراراته الاجتماعية بنفسه.

وقالت الأخصائية النفسية مروة السيد علي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تدخل الأهل يصبح ضرورياً عندما يستند إلى مؤشرات واضحة تتعلق بسلامة الطفل أو صحته النفسية وسلوكه، بينما يتحول إلى تدخل زائد عندما يقرر الوالدان من يصادق طفلهم ومن يبتعد عنه لمجرد عدم إعجابهما بالشخص أو أسرته، دون وجود خطر أو تأثير سلبي حقيقي.

عندما تصبح الصداقة مصدر أذى

أوضحت السيد علي أن ملاحظة قيام أحد الأصدقاء بالضغط على الطفل للكذب أو ممارسة سلوك مؤذٍ تستدعي تدخل الأسرة، بينما يختلف الأمر عندما يكون المنع قائماً على تفضيلات الأهل الشخصية، كأن يطلبوا من طفلهم الابتعاد عن شخص لأنه لا يعجبهم، ويدفعوه في المقابل إلى مصادقة شخص آخر يختارونه نيابة عنه.

وتكشف تجربة "فاتن أحمد"، وهو اسم مستعار لأم لديها ثلاثة أطفال، جانباً من الحالات التي يصبح فيها التدخل ضرورياً، إذ قالت لشبكة شام الإخبارية إنها منعت ابنتها الصغيرة من الاستمرار في اللعب مع مجموعة من الفتيات بعدما لاحظت تكرار معاملتهن السيئة لها، وتأثرها النفسي عقب عودتها إلى المنزل.

وأشارت فاتن إلى أن الفتيات كن يتقربن من ابنتها عندما تكون لديها ألعاب أو أشياء يرغبن بها، ثم يتجاهلنها أو يسخرن منها في أوقات أخرى، موضحة أن تكرار المواقف وحالة الحزن التي كانت تعود بها ابنتها دفعاها إلى التدخل، خشية أن تتحول العلاقة إلى مصدر مستمر للأذى النفسي.

المنع المستمر قد يدفع الطفل إلى إخفاء علاقاته

وحذرت السيد علي من أن منع الطفل بصورة متكررة من مصادقة أشخاص يختارهم، دون تقديم أسباب مفهومة ومقنعة، قد يولد لديه شعوراً بأن قراراته غير موثوقة وأن والديه لا يفهمانه، وقد يدفعه مع الوقت إلى إخفاء صداقاته بدلاً من الحديث عنها مع أسرته.

ولفتت إلى أن المشكلة في هذه الحالة تتجاوز الخلاف حول صديق معين، إذ قد تخسر الأسرة مساحة الحوار والثقة مع طفلها، فيما يفقد هو جزءاً من الفرصة التي تمنحها العلاقات الاجتماعية لتعلم اختيار الأشخاص، ووضع الحدود، والتعامل مع الخلافات، والتمييز بين العلاقة الصحية والمؤذية.

ودعت إلى توجيه الطفل من خلال الحوار حول صفات الصديق الجيد بدلاً من تقديم قائمة جاهزة بالأشخاص المقبولين والمرفوضين، ويمكن للأهل سؤاله عما إذا كان يشعر بالاحترام والأمان مع صديقه، وما إذا كان يستطيع رفض ما لا يريده، وكيف يتعامل الطرف الآخر معه عند وقوع خلاف بينهما.

وأضافت أن ملاحظة عودة الطفل من المدرسة منزعجاً بعد لقائه بصديق معين يمكن التعامل معها بالسؤال عن سبب انزعاجه وما يحدث بينهما، بدلاً من إصدار قرار فوري بمنعه من العلاقة، ما يساعد الطفل على فهم المشكلة والمشاركة في اتخاذ القرار بشأنها.

متى يصبح تدخل الأهل ضرورياً؟

وحددت السيد علي عدداً من المؤشرات التي تستوجب انتباه الأسرة وتدخلها، من أبرزها تعرض الطفل للتنمر أو التهديد، أو الضغط عليه للقيام بأفعال يخشاها أو يرفضها، أو استغلاله مادياً وإجباره على التخلي عن أغراضه، إضافة إلى دفعه المتكرر للكذب أو مخالفة القواعد.

وأضافت أن التغير المقلق في سلوك الطفل أو مستواه الدراسي وعلاقاته، والخوف الشديد من صديق معين، أو شعوره بأنه غير قادر على رفض طلباته، ووجود سلوك عدواني أو مؤذٍ تجاهه، كلها إشارات تستدعي فهم طبيعة العلاقة والتعامل معها، مشددة على ضرورة جمع المعلومات قبل اتهام الطفل الآخر أو إصدار الأحكام.

وأكدت أن الصداقة الصحية تقوم على الاحترام والشعور بالأمان والتبادل والقدرة على قول "لا" دون خوف، ويمكن للأسرة تدريب الطفل على اكتشاف العلاقات الضاغطة من خلال مواقف بسيطة، مثل سؤاله عما سيفعله إذا اشترط عليه صديقه تنفيذ طلب معين لإثبات صداقته، أو طالبه بالتخلي عن شيء لا يريد إعطاءه.

وشددت السيد علي على أهمية تعليم الطفل عبارات واضحة يستطيع استخدامها عند تعرضه للضغط، مثل "لا أريد"، و"هذا لا يناسبني"، و"لن أفعل ذلك"، إلى جانب تعليمه اللجوء إلى شخص بالغ يثق به عندما يشعر بالخوف أو لا يستطيع التعامل مع الموقف بمفرده.

وتبقى مسؤولية الأهل مرتبطة بمتابعة علاقات أطفالهم والانتباه إلى أي مؤشرات على التنمر أو الاستغلال والضغط، مع ترك مساحة تساعد الطفل على بناء شخصيته الاجتماعية واتخاذ قراراته، إذ إن الهدف من التوجيه أن يتعلم الطفل كيف يختار أصدقاءه، ولماذا يبتعد عن علاقة مؤذية، وكيف يحمي حدوده ويطلب المساعدة عندما يحتاج إليها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ