مجلس الأمن يؤكد دعمه لمسار العدالة الانتقالية في سوريا ويشدد على كشف مصير المفقودين
أكد مجلس الأمن الدولي، اليوم الثلاثاء، دعمه لمسار العدالة الانتقالية في سوريا، خلال جلسة خصصت لمناقشة ملف الأشخاص المفقودين، وسط توافق دولي على أن كشف مصير المفقودين يمثل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة والمصالحة، مع ترحيب أممي بالخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية في هذا المجال، ودعوات لتعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات الوطنية.
وفي مستهل الجلسة، اعتبرت مندوبة الدنمارك لدى الأمم المتحدة أن سقوط نظام الأسد، إلى جانب التزام سوريا بالعدالة الانتقالية، أتاح فرصة حقيقية لإحراز تقدم في مساري العدالة والمساءلة.
كما أكدت مندوبة كولومبيا أن الكشف عن مصير المختفين والمفقودين يشكل واجباً إنسانياً، ويسهم في استعادة ثقة السوريين بمؤسسات الدولة، فيما أشار مندوب لوكسمبورغ إلى أن مئات الآلاف من السوريين أصبحوا في عداد المفقودين خلال حكم النظام البائد، ولا يزال مصير معظمهم مجهولاً، معتبراً أن الآليات الدولية المعنية بالمفقودين تمثل خطوة مهمة لمعالجة هذه القضية.
من جانبه، استعرض مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي الجهود التي تبذلها الحكومة السورية في ملف العدالة الانتقالية، موضحاً أن السابع من كانون الأول شكّل بداية مرحلة التحرر، حين توجهت القوات إلى السجون وكسرت القيود، بينما كان الأهالي ينتظرون فتح أبواب المعتقلات لمعرفة مصير ذويهم بعد سنوات من الغياب.
وأضاف أن الحكومة واجهت تحديات كبيرة في هذا المسار، وأنشأت الهيئة الوطنية للمفقودين لمعالجة القضية، مؤكداً أن الغالبية العظمى من المفقودين لم يُكشف عن مصيرهم بعد، وأن عمليات البحث لا تزال مستمرة، داعياً إلى الاستماع لجهود الهيئتين الوطنيتين للمفقودين والعدالة الانتقالية، وتكريم النساء اللواتي واصلن البحث عن أحبائهن رغم سنوات المعاناة.
بدوره، رحب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية، معتبراً أنها تضع أساساً لمستقبل أكثر استقراراً.
وأكد أن المجتمع الدولي مطالب بالمساهمة بخبراته لدعم مسار العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن الحكومة بدأت بإصلاح المؤسسات وتعزيز المساءلة، بما يشمل معالجة ملف المفقودين، فيما شدد على أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب عملية ترتكز على الضحايا والناجين وأسر المفقودين، في ظل تطلع السوريين إلى العدالة والشفافية.
وفي السياق ذاته، أكدت الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ورئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كوينتانا، استمرار دعم الأمم المتحدة والدول الأعضاء للسوريين في جهودهم لبناء مستقبل أفضل، مشيرة إلى أن المعلومات المتعلقة بالمفقودين غالباً ما تكون مخفية أو متفرقة، وهو ما يشكل أحد أكبر التحديات أمام الوصول إلى الحقيقة.
وأضافت أن نجاح عمليات البحث يتطلب بناء قدرات وطنية مستدامة، وتعزيز الثقة بين المؤسسات السورية والشركاء الدوليين، نظراً إلى أن قضية المفقودين تحتاج إلى عمل معقد ومتعدد الاختصاصات ومدعوم بالخبرات.
من جهته، أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن السوريين عانوا لعقود من انتهاكات جسيمة تركت آثاراً عميقة في المجتمع والدولة، وأن التحولات التي تشهدها البلاد تتيح فرصة تاريخية لمعالجة هذا الإرث.
وأوضح أن الهيئة تعمل على إطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية يستند إلى الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، بالتوازي مع إعداد مشروع قانون للعدالة الانتقالية، وتجهيز منظومة الأمن الرقمي، وحفظ الأرشيف، وبناء السجل الوطني للضحايا، فضلاً عن توقيع مذكرات تفاهم مع الأمم المتحدة وشركاء دوليين لبناء القدرات والاستفادة من التجارب الدولية.
وفي ملف المفقودين، شدد رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي على أن معرفة مصير المفقودين حق إنساني أصيل للعائلات، وأن هذه القضية تمثل ركيزة لتحقيق السلام المستدام في سوريا.
وأعلن أن الهيئة تمكنت من كشف مصير أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، واستجابت لأكثر من 170 بلاغاً عن مواقع يشتبه بوجود مقابر أو رفات بشرية فيها، كما وقعت إعلان مبادئ للتعاون مع ثلاث جهات دولية معنية بالمفقودين، يحدد أدوار التعاون بين الجانبين، بحيث تقود الهيئة الوطنية العمل داخل سوريا، فيما يتركز الدعم الدولي على الجوانب الفنية والتقنية ونقل الخبرات وبناء القدرات.
كما دعا إلى اعتماد يوم دولي لنساء عائلات المفقودين، تقديراً لصمودهن ودورهن في الدفاع عن حق الحقيقة.
من ناحية أخرى، رحبت مندوبة اليونان لدى الأمم المتحدة بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، معتبرة أن الشعب السوري بات أمام فرصة لبدء مرحلة جديدة من العدالة بعد عقود من المعاناة، فيما أكد مندوب جمهورية الكونغو الديمقراطية أن العدالة الانتقالية تمثل أداة أساسية لتحقيق المصالحة الوطنية، وتعزيز سيادة القانون، ومنع تجدد النزاعات والانتهاكات.
وتعكس مداولات مجلس الأمن توافقاً دولياً متزايداً على دعم جهود العدالة الانتقالية في سوريا، مع التركيز على كشف مصير المفقودين باعتباره أحد أبرز استحقاقات المرحلة المقبلة، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين، بما يسهم في ترسيخ المساءلة، وإنصاف الضحايا، ودعم مسار السلام المستدام في البلاد.