في الذكرى الـ13 لمجزرة الغوطتين.. 1144 ضحية وملف الكيماوي يدخل مرحلة جديدة من كشف الأدلة والمحاسبة
أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الغوطتين الكيميائية تأتي في ظل تطورات جديدة تتيح توسيع العمل على كشف برنامج الأسلحة الكيميائية الذي ورثته سوريا عن نظام الأسد البائد، وحفظ الأدلة المرتبطة به، وإجراء تحقيقات جنائية مستقلة، وصولاً إلى محاسبة المسؤولين وجبر ضرر الضحايا وضمان عدم تكرار الجرائم.
1144 قتيلاً في هجوم السارين
وثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 1144 شخصاً وإصابة نحو 5935 آخرين في الهجوم الذي استهدف الغوطتين الشرقية والغربية بريف دمشق فجر 21 آب 2013، مشيرة إلى أن قوات نظام الأسد البائد نفذت أربع ضربات كيميائية متزامنة على مناطق مأهولة بالسكان، من بينها معضمية الشام.
وأوضحت أن الهجوم نُفذ باستخدام ما لا يقل عن عشرة صواريخ محملة بغاز السارين، بكمية إجمالية قدرت بنحو 200 ليتر، وأُطلقت بعد منتصف الليل في ظروف جوية ساعدت على بقاء الغاز السام قريباً من سطح الأرض، ما أسهم في ارتفاع حصيلة الضحايا، ولا سيما بين المدنيين أثناء نومهم.
وبينت أن الحصيلة الموثقة تشمل 1119 مدنياً، بينهم 99 طفلاً و194 سيدة، إضافة إلى 25 من مقاتلي المعارضة المسلحة، مؤكدة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للحالات التي تمكنت من توثيقها بصورة فردية.
الحصار فاقم الكارثة
أشارت الشبكة إلى أن المناطق المستهدفة كانت آنذاك تحت حصار محكم فرضته قوات النظام، ما حرم السكان من الإمدادات الطبية والإنسانية اللازمة للتعامل مع الهجوم، وعرقل قدرة الفرق الطبية على الاستجابة للأعداد الكبيرة من المصابين.
وذكرت أنها بدأت توثيق المجزرة منذ ساعاتها الأولى، قبل أن تصدر أول تقرير حقوقي بشأنها في 26 آب 2013، فيما خلصت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية، في تقريرها الصادر في 16 أيلول من العام نفسه، إلى استخدام صواريخ أرض-أرض تحتوي على غاز السارين ضد المدنيين على نطاق واسع في الغوطة.
ولفتت إلى أن تفويض البعثة الأممية اقتصر على التحقق التقني من استخدام الأسلحة الكيميائية ولم يشمل تحديد الجهة المسؤولة، بينما نسبت الشبكة الهجوم إلى قوات نظام الأسد البائد استناداً إلى الأدلة التي جمعتها بصورة مستقلة والمتوافقة مع النتائج التقنية للأمم المتحدة، مع التأكيد أن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية يتطلب تحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة.
217 هجوماً كيميائياً للنظام البائد
كشفت الشبكة أن مجزرة الغوطتين جاءت ضمن نمط أوسع من استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، موضحة أنها وثقت 222 هجوماً كيميائياً منذ أول استخدام موثق في كانون الأول 2012 وحتى 8 كانون الأول 2024.
ونسبت 217 هجوماً، أي نحو 98 بالمئة من إجمالي الحالات الموثقة، إلى قوات نظام الأسد البائد، وقالت إنها أسفرت عن مقتل 1514 شخصاً، بينهم 1413 مدنياً، من ضمنهم 214 طفلاً و262 سيدة، إضافة إلى إصابة 11080 شخصاً، فيما نسبت خمسة هجمات أخرى إلى تنظيم داعش في محافظة حلب، أسفرت عن إصابة 132 شخصاً.
وأوضحت أن 33 هجوماً كيميائياً وقعت قبل صدور قرار مجلس الأمن رقم 2118 في أيلول 2013، مقابل 184 هجوماً بعد صدوره، ما يعكس استمرار استخدام الأسلحة الكيميائية رغم القرارات الدولية اللاحقة المتعلقة بالملف.
فرصة جديدة لكشف برنامج الكيماوي
أكدت الشبكة أن التطورات التي شهدتها سوريا بين آب 2025 وآب 2026 أتاحت لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وصولاً أوسع إلى مواقع ووثائق ومعلومات مرتبطة ببرنامج نظام الأسد البائد، ما يفتح مجالاً أوسع للتحقق من الأنشطة التي بقيت مخفية خلال السنوات الماضية.
وأشارت إلى معلومات تفيد بوجود أكثر من 100 موقع يُحتمل ارتباطها بأنشطة البرنامج الكيميائي، بينها مواقع لم تكن مدرجة ضمن الإعلانات الرسمية السابقة، لافتة إلى أن خبراء المنظمة عثروا في أيار 2026 على عشرات الذخائر والمواد والمعدات والوثائق غير المعلنة ذات الصلة بالبرنامج.
وذكرت أن المنظمة عثرت كذلك على صواريخ من النوع ذاته المستخدم في هجوم الغوطتين، مع التأكيد أن ذلك لا يثبت أن الذخائر المكتشفة هي نفسها التي استُخدمت في مجزرة 2013.
حفظ الأدلة قبل إتلاف المواد
شدد فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، على ضرورة تأمين المواد المرتبطة بالبرنامج الكيميائي وتوثيقها قبل إتلافها بطريقة تحافظ على قيمتها كأدلة، مؤكداً أن التحقق وحفظ الأدلة والتحقيق الجنائي وجبر ضرر الضحايا يجب أن تسير باعتبارها التزامات مترابطة.
وأكد عبد الغني ضرورة استمرار تعاون الحكومة السورية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بصورة كاملة وقابلة للتحقق، بما يشمل الوصول إلى المواقع والأرشيفات والأشخاص المرتبطين بالبرنامج، وحفظ الأدلة الجنائية ضمن سلسلة حيازة موثقة، إلى جانب ضمان مشاركة الضحايا في مسارات العدالة.
من كشف الحقيقة إلى المحاسبة
اعتبرت الشبكة أن الأدلة التي وثقتها، إلى جانب النتائج التي توصلت إليها الآليات الدولية، تشير إلى توافر عناصر مرتبطة بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما فيها استخدام السموم والأسلحة السامة والغازات الخانقة والاستهداف المتعمد للمدنيين، مع التشديد على أن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية يبقى من اختصاص التحقيقات المستقلة والإجراءات القضائية العادلة.
ودعت الحكومة السورية إلى إدماج ملف الهجمات الكيميائية في مسار العدالة الانتقالية، وإتاحة الوصول إلى المواقع والوثائق والأشخاص المرتبطين بالبرنامج، وتأمين الأدلة وحفظها، إلى جانب اعتماد 21 آب يوماً وطنياً لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الكيميائية، وتطوير برامج مستدامة للعلاج والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي للناجين وأسر الضحايا.
مطالب بتحرك دولي
طالبت الشبكة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والدول الأطراف بمواصلة العمل الميداني داخل سوريا، والتنسيق مع آليات الأمم المتحدة لحفظ الأدلة الجنائية، وتوفير موارد إضافية للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية.
ودعت مجلس الأمن إلى النظر في إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومواصلة دعم الآليات الدولية المعنية بالتحقيق وجمع الأدلة، كما حثت الدول على استخدام الولاية القضائية العالمية، وفق قوانينها والتزاماتها الدولية، لملاحقة المشتبه بتورطهم في تطوير الأسلحة الكيميائية أو إنتاجها أو استخدامها في سوريا.
وتضع الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الغوطتين، مع اتساع إمكانية الوصول إلى مواقع ووثائق برنامج نظام الأسد البائد، الملف أمام مرحلة مختلفة، لا تقتصر على إثبات استخدام السلاح الكيميائي وتوثيق ضحاياه، بل تمتد إلى حفظ الأدلة وكشف حلقات المسؤولية وتحويل ما تراكم طوال السنوات الماضية إلى مسارات قضائية تنصف الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب.