من درعا إلى دير الزور.. بين سلطة رفضت الاعتذار ورئاسة تعتبره واجباً
من درعا إلى دير الزور.. بين سلطة رفضت الاعتذار ورئاسة تعتبره واجباً
● محليات ٢٠ مايو ٢٠٢٦

من درعا إلى دير الزور.. بين سلطة رفضت الاعتذار ورئاسة تعتبره واجباً

أعاد الاعتذار الذي قدمه الرئيس أحمد الشرع لأهالي دير الزور النقاش حول الفارق بين طريقة إدارة الدولة الجديدة للأزمات الداخلية، وبين نهج نظام بشار الأسد البائد الذي واجه احتجاجات السوريين بالحديد والنار والقمع والتصعيد منذ اللحظات الأولى.

ووفق ما ظهر جليا على مواقع التواصل الاجتماعي فإن اعتذار الرئيس لم يكن حدثاً عادياً مر مرور الكرام، بل تحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام واسعة، لأن السوريين قرؤوه من زاوية أعمق بكثير من مجرد توضيح أو سوء فهم.

كثيرون رأوا فيه لحظة سياسية مختلفة تماماً عن تلك التي عاشتها البلاد في عهد بشار الأسد البائد، حين كانت السلطة تعتبر الاعتراف بالخطأ نوعاً من الانكسار الذي لا يجوز إظهاره أمام الناس.

القصة بدأت بعد انتشار مقطع من مقابلة تلفزيونية مطولة أجراها الأستاذ حسين الشرع، والد الرئيس، وتناول النقاش جزءاً من الحديث المتعلق بمحافظة دير الزور انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثار حالة غضب بين أبناء المحافظة الذين اعتبروا أن الكلام يحمل إساءة مباشرة لهم ولمكانتهم.

خلال ساعات، تحولت القضية إلى نقاش واسع في الفضاء السوري لكن النقطة الفاصلة لم تكن في الجدل نفسه، بل في طريقة تعامل الرئاسة السورية معه ففي الوقت الذي اعتاد فيه السوريون لعقود على الصمت الرسمي أو الهجوم المضاد أو التخوين، خرج الرئيس أحمد الشرع بخطوة مختلفة تماماً. أجرى اتصالاً مباشراً مع محافظ دير الزور وعدد من وجهاء المحافظة، وتحدث بلهجة واضحة وصريحة حملت اعتذاراً مباشراً لأبناء المنطقة.

الشرع قال خلال الاتصال إن "أهل الدير حبايبنا وعزوتنا وتاج على الرأس"، وأضاف أن الإساءة جرحته شخصياً قبل أن تجرح أبناء دير الزور، مؤكداً أن مكانة أبناء المحافظة محفوظة لدى جميع السوريين، وأن تاريخهم الوطني ومواقفهم أكبر من أي تصريح أو سوء فهم.

كما شدد على أن ما حدث قد يكون نتيجة زلة أو اجتزاء لبعض العبارات مقدماً اعتذاراً واضحاً باسم والده وباسم الدولة لأهالي دير الزور ريفاً ومدينة الكلمات بحد ذاتها كانت كافية لإحداث صدمة سياسية وإعلامية داخل سوريا، ليس بسبب مضمونها فقط، بل لأن السوريين لم يعتادوا أن يسمعوا رئيس دولة يعتذر علناً لمحافظة كاملة بسبب إساءة أو سوء فهم.

هذه الفكرة تحديداً أعادت إلى ذاكرة السوريين واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ البلاد الحديث: حادثة أطفال درعا عام 2011 في تلك الفترة، كتب مجموعة أطفال شعارات مناهضة للنظام على جدران مدارسهم في درعا، فتم اعتقالهم وتعذيبهم داخل أفرع الأمن التابعة للنظام البائد، بإشراف العميد عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد. يومها، لم يطالب أهالي درعا بإسقاط النظام ولا بالحرب، بل ذهب الوجهاء إلى المسؤولين الأمنيين مطالبين بأمر بسيط جداً الإفراج عن الأطفال وتقديم اعتذار للأهالي ومحاسبة من أساء إليهم.

لكن النظام البائد تعامل مع القضية بعقلية القوة المطلقة لم يخرج أي مسؤول ليعتذر لم تعترف السلطة بوجود خطأ لم يُفتح أي تحقيق حقيقي على العكس تماماً، جرى التعامل مع أهالي درعا باعتبارهم خصماً يجب كسره، لا مجتمعاً غاضباً يجب احتواؤه تلك اللحظة كانت الشرارة التي فتحت أبواب سوريا على واحدة من أعنف الحروب في تاريخها المعاصر.

لهذا بدت المقارنة اليوم قاسية وحاضرة بقوة بين مشهدين يفصل بينهما خمسة عشر عاماً تقريباً في المشهد الأول، أهالٍ يطلبون اعتذاراً عن تعذيب أطفال، فترد السلطة بالإهانة والرصاص وفي المشهد الثاني، رئيس دولة يخرج بنفسه ليقول لمحافظة كاملة إن كرامتها محفوظة وإن أي إساءة لها تستوجب الاعتذار.

ويذكر أن الأثر الذي تركه اعتذار الشرع لم يكن سياسياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً كثير من أبناء دير الزور اعتبروا أن طريقة التعاطي مع الأزمة حملت احتراماً واضحاً لمشاعر الناس، خصوصاً أن الاعتذار لم يكن بارداً أو بروتوكولياً، بل جاء بلغة شعبية قريبة من الشارع السوري.

في حين انتشرت عبارة أهل الدير تاج على الرأس بسرعة كبيرة على منصات التواصل، وتحولت إلى عنوان للنقاش حول شكل العلاقة الجديدة التي يريد السوريون رؤيتها بين الدولة والمجتمع.

ويتفاعل ناشطون مع الحدث ليس بوصفه مجرد اعتذار عابر بل باعتباره مقارنة حيّة بين زمنين مختلفين زمن كان الاعتذار فيه مستحيلاً حتى لو احترقت البلاد، وزمن تحاول فيه السلطة الجديدة إظهار أن التراجع عن الخطأ أو امتصاص غضب الناس ليس ضعفاً، بل جزء من مسؤولية الحكم.

ولهذا عاد السؤال بقوة على مواقع التواصل بعد الحادثة: ماذا لو اعتذر النظام السابق لأهالي درعا يومها؟ ماذا لو خرج مسؤول واحد فقط ليقول إن تعذيب الأطفال كان خطأ؟ ماذا لو اختارت السلطة الاحتواء بدلاً من الكسر؟ بالنسبة لكثير من السوريين، ربما كان تاريخ البلاد كله سيتغير.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ