بين الانتكاس والتعافي.. مختص يشرح رحلة علاج الإدمان في خمس مراحل
أكد مدير إدارة الصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتور وائل الراس أن علاج اضطرابات الإدمان يعد من أكثر التحديات الصحية والنفسية تعقيداً، موضحاً أن التعافي ليس مرحلة قصيرة أو مجرد سحب للمادة المخدرة من الجسم، بل رحلة علاجية طويلة تتطلب التزاماً مستمراً ودعماً طبياً ونفسياً وأسرياً ومجتمعياً، محذراً من أن غياب هذه العناصر يفسر فشل نسبة كبيرة من محاولات العلاج وعودة كثير من المتعافين إلى الإدمان مجدداً.
وجاءت حديث الدكتور في تصريح مرئي نشرته إدارة مكافحة المخدرات التابعة لوزارة الداخلية يوم الأربعاء 29 تموز/ يوليو، تناول فيها أبرز أسباب الانتكاس، والمراحل الأساسية للعلاج، والتحديات التي تواجه المرضى بعد التعافي، مؤكداً أن الوقاية والتوعية المجتمعية تمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة انتشار المخدرات.
وأوضح أن أخطر الحالات التي تواجه الفرق الطبية هي تلك التي يجتمع فيها الإدمان مع اضطراب نفسي آخر، فيما يعرف بالتشخيص الثنائي، ولا سيما اضطرابات الاكتئاب، مبيناً أن وجود مرض نفسي غير مشخص أو غير معالج يضاعف من احتمالات الانتكاس ويزيد خطر فقدان المريض لحياته.
واستعرض الدكتور تجربة أحد المرضى الذي خضع لعدة محاولات علاج من الاعتماد على المواد المخدرة التي كان يتعاطاها عن طريق الحقن الوريدي، قبل أن يتبين لاحقاً أنه يعاني من اكتئاب مقنع لم يكن واضحاً في البداية، إلا أن انقطاعه عن العلاج الدوائي والنفسي أدى في النهاية إلى وفاته نتيجة جرعة زائدة، معتبراً أن هذه الحالة تعكس أهمية تشخيص الاضطرابات النفسية المرافقة للإدمان وعدم الاكتفاء بعلاج الاعتماد الدوائي فقط.
وبيّن أن الخطوة الأولى في رحلة التعافي تتمثل في اعتراف الشخص بوجود مشكلة تستدعي العلاج، مؤكداً أن جميع محاولات العلاج القسري، سواء بضغط من الأسرة أو خلال فترات الاحتجاز، غالباً ما تنتهي بالفشل، إذ يعود معظم المرضى إلى تعاطي المواد المخدرة بعد خروجهم إذا لم تتوفر لديهم القناعة الذاتية بضرورة العلاج.
وأضاف أن المرحلة التالية تبدأ بسحب السموم من الجسم داخل المشافي وتحت إشراف طبي مباشر، مع مراقبة مستمرة للحالة الصحية والعلامات الحيوية، نظراً لما قد يرافق هذه المرحلة من مضاعفات قد تهدد حياة المريض، مشيراً إلى أن مدتها تتراوح عادة بين أسبوعين وثلاثة أسابيع.
وأوضح أن العلاج لا يتوقف عند هذه المرحلة، بل ينتقل إلى العلاج النفسي الذي يعتمد على الجلسات السلوكية المعرفية بهدف تغيير طريقة التفكير المرتبطة بالإدمان، وتصحيح السلوكيات، وتعزيز قدرة المريض على التعامل مع الضغوط دون اللجوء إلى المخدرات، إلى جانب استخدام العلاج الدوائي في الحالات التي تستدعي ذلك.
وأشار إلى أن إعادة التأهيل تشكل المرحلة الأكثر أهمية في رحلة التعافي، إذ تهدف إلى إعادة دمج الشخص في المجتمع من خلال تأهيله نفسياً ومهنياً، ومساعدته على استعادة ثقته بنفسه واكتشاف قدراته، سواء داخل مراكز متخصصة أو من خلال برامج متابعة مجتمعية وفق الإمكانات المتاحة.
وأكد الراس أن المتابعة طويلة الأمد بعد انتهاء العلاج تعد جزءاً أساسياً من خطة التعافي، إذ تتيح بناء علاقة مستمرة بين المريض والفريق العلاجي، وتساعد على التدخل المبكر في حال ظهور مؤشرات الانتكاس، موضحاً أن هذه المتابعة تمتد لعدة أشهر وتشمل زيارات دورية منتظمة.
ولفت إلى أن أبرز التحديات التي تواجه المتعافين تتمثل في الرغبة النفسية الشديدة للعودة إلى تعاطي المخدرات، وهي حالة ترتبط بما يعرف بدوائر المكافأة في الدماغ، حيث يربط الشخص بين المخدر ومشاعر الفرح أو الحزن أو التوتر، ما يجعل مقاومة هذه الرغبة واحدة من أصعب مراحل التعافي.
كما أشار إلى وجود تحديات اجتماعية لا تقل خطورة، أبرزها ضعف تقبل المجتمع والأسرة للمتعافي، إضافة إلى الوصمة الاجتماعية التي تلاحقه وتحول دون حصوله على فرص العمل أو الدراسة أو تكوين حياة مستقرة، الأمر الذي قد يدفعه مجدداً نحو الإدمان تحت ضغط العزلة والإقصاء.
وختم مدير إدارة الصحة النفسية حديثه بالتأكيد على أن علاج الإدمان يمثل عبئاً كبيراً على الفرد والأسرة والدولة، ما يجعل الوقاية والتوعية المجتمعية أولوية أساسية، مشيراً إلى أن الجهات الصحية في سوريا تعمل على استكمال بروتوكول متكامل لعلاج اضطرابات الإدمان وتقديمه للمواطنين، بالتوازي مع برامج توعوية تستهدف الأفراد والأسر والمجتمع لتعزيز فرص التعافي والحد من انتشار المخدرات.
وسبق أن أطلقت جهات حكومية حملة "سوريا دون مخدرات" لمواجهة انتشار المخدرات ومعالجة آثارها الصحية والاجتماعية، عبر الانتقال من المعالجة الأمنية المنفردة إلى منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والتوعية والعلاج والتأهيل، بالتوازي مع ملاحقة شبكات التهريب والترويج.
وتقوم رؤية الحملة على اعتبار مكافحة المخدرات مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، إذ تؤكد الجهات المعنية أن الحد من انتشار هذه الآفة لا يتحقق فقط عبر الإجراءات القانونية، وإنما يحتاج إلى برامج توعوية تستهدف مختلف الشرائح، ولا سيما الأطفال واليافعين، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة في الكشف المبكر عن عوامل الخطورة.
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة التربية والتعليم دليلاً تدريبياً مبسطاً للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية في البيئة المدرسية، ضمن خطوات تنفيذية للحملة، بهدف رفع مستوى الوعي لدى الطلاب وأولياء الأمور والكوادر التعليمية، وتعزيز مفهوم الوقاية عبر التمكين الإيجابي بعيداً عن أسلوب التخويف.
وتشير الجهات الصحية إلى أن الإدمان يمثل تحدياً مركباً يرتبط بعوامل نفسية واجتماعية، حيث تواجه عملية التعافي صعوبات تتعلق بالاعتماد النفسي على المادة المخدرة، إضافة إلى الوصمة المجتمعية التي قد تعيق اندماج المتعافي في المجتمع وتزيد من احتمالات الانتكاس.
كما تعمل الجهات الحكومية على تطوير برامج لإعادة دمج المتعافين من خلال الدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل المهني، ضمن توجه يهدف إلى تحويل المتعافي من حالة تحتاج إلى المساندة إلى شخص قادر على العودة والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
ومن خلال إطلاق برامج التوعية المدرسية وتطوير البروتوكولات العلاجية وتعزيز التنسيق بين وزارات الداخلية والصحة والتربية، تسعى الجهات المعنية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة تجعل الوقاية والتأهيل جزءاً أساسياً من مواجهة آفة المخدرات، تحت شعار الوصول إلى "سوريا دون مخدرات".