برهان غليون: احتجاجات السوريين تتجاوز أسعار الطاقة وتضع علاقة الدولة بالمجتمع أمام اختبار جديد
اعتبر الكاتب والمفكر السوري برهان غليون أن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق سورية عقب رفع أسعار الطاقة لا يمكن قراءتها بوصفها اعتراضاً على قرار اقتصادي فحسب، معتبراً أنها كشفت عن مطالب أوسع تتعلق بطريقة اتخاذ القرارات، وشفافية إدارة الدولة، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، وطبيعة العلاقة التي يريد السوريون بناءها بين المواطن والسلطة بعد سقوط نظام الأسد البائد.
وقال غليون، في مقال نشره موقع العربي الجديد بتاريخ 19 أيلول/سبتمبر 2026 بعنوان "الاحتجاجات السورية واختبار الدولة الجديدة"، إن رفع أسعار الطاقة جاء في ظرف معيشي شديد الصعوبة، ورأى أن القرار مثّل شرارة أظهرت مشاعر متراكمة من القلق والإحباط لدى قطاعات من السوريين، بدلاً من أن يكون السعر وحده سبب الاحتجاجات.
المشكلة في طريقة اتخاذ القرار
وأوضح غليون أن الحكومات قد تضطر إلى اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة، وأن الدولة الخارجة من سنوات الحرب تواجه محدودية في الموارد تجعل استمرار الدعم الشامل أمراً بالغ الصعوبة، لكنه رأى أن المشكلة برزت في اتخاذ قرارات تمس حياة شرائح واسعة بصورة مفاجئة، ومن دون شرح كافٍ للأسباب والبدائل أو توضيح الإجراءات المخصصة لحماية الفئات الأضعف.
وأشار إلى أن غياب التفسير والتواصل يفتح المجال أمام الشائعات والشكوك، ويجعل المواطنين يطرحون أسئلة تتجاوز سبب ارتفاع الأسعار إلى توقيت القرار، والفئات التي ستتحمل كلفته، والبدائل المتاحة، وكيفية توزيع أعباء الإصلاح الاقتصادي، معتبراً أن الانطباعات التي تتشكل لدى المجتمع عن السياسات العامة قد تتحول بحد ذاتها إلى عامل سياسي ينبغي التعامل معه.
تحذير من اتساع الفجوة مع المواطنين
ولفت غليون إلى وجود انطباع لدى قطاعات من السوريين بأن الاهتمام برجال الأعمال والاستثمارات والمصالح الاقتصادية أصبح أكثر حضوراً من الاهتمام بالمواطنين الذين يواجهون ظروفاً معيشية صعبة، مؤكداً أن صحة هذا الانطباع في جميع تفاصيله ليست المسألة الوحيدة، إذ إن انتشاره بحد ذاته يستدعي من السلطة الانتباه إليه ومعالجته.
وأكد أن جذب الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي وتشجيع رأس المال خطوات ضرورية في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد، لكنه دعا إلى ربطها بسياسات تحقق قدراً من العدالة الاجتماعية وتحمي الفئات غير القادرة على تحمل كلفة التحولات الاقتصادية، بحيث يساهم الاستثمار في إعادة بناء المجتمع والاقتصاد معاً.
السوريون بعد الثورة وعلاقتهم بالسلطة
ورأى غليون أن سنوات الثورة والحرب أحدثت تحولاً عميقاً في علاقة السوري بالدولة، وأن المواطن أصبح أكثر اهتماماً بمعرفة كيفية إدارة الموارد العامة، ومن يتخذ القرارات، وكيف تتم مراقبة المسؤولين ومحاسبتهم، معتبراً أن التعامل مع مطالب الناس باعتبارها محصورة في الغذاء والماء والأمن يتجاهل التحولات التي مرت بها البلاد والمجتمع.
وشدد على أن السوريين يدركون حجم الخراب الاقتصادي الذي ورثته الدولة وصعوبة استمرار سياسات الدعم الشامل، لكنه انتقد ما وصفه بسرعة الانتقال الاقتصادي وغياب شبكات الأمان الكافية، إضافة إلى صدور قرارات مفاجئة تؤثر مباشرة في القدرة المعيشية للسكان.
الاحتجاج أداة لتصحيح السياسات
واعتبر غليون أن الاحتجاج في المجتمع السياسي الحي يمكن أن يشكل وسيلة لتصحيح السياسات والتنبيه إلى الأخطاء قبل تحولها إلى أزمات أكبر، ورأى أن مراجعة الحكومة لقرارها أو تعديله بعد الاحتجاجات حمل دلالة على استجابتها للضغط الشعبي، محذراً في المقابل من أن تجاهل رسائل الاحتجاج قد يؤدي إلى تراجع الثقة بين المجتمع والدولة.
ودعا إلى تطوير مجموعة من الآليات في إدارة المرحلة المقبلة، في مقدمتها زيادة الشفافية عند اتخاذ القرارات الاقتصادية، وشرح أسبابها وكلفتها والبدائل المتاحة، وتطوير عمل المؤسسات الحكومية وخططها، وإعلان رؤية اقتصادية واجتماعية توضح اتجاه الاقتصاد ودور الدولة ومستقبل الدعم وكيفية حماية الفقراء ومعالجة البطالة.
كما طرح تعزيز دور الإدارات المحلية والمجالس البلدية في تحديد الأولويات، وتوسيع المشاركة المجتمعية، واقترح إنشاء "مجلس اقتصادي وطني" يضم نقابات وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني والحكومة لمناقشة الخيارات الاقتصادية الصعبة وتعزيز التواصل بين السلطة والمجتمع.
اختبار لطبيعة الدولة الجديدة
وخلص غليون إلى أن الدلالة الأوسع للاحتجاجات ترتبط، من وجهة نظره، بالسؤال عن طبيعة الدولة التي يريد السوريون بناءها، معتبراً أن سنوات الثورة غيرت وعي السوريين بحقوقهم وبمفهوم الدولة، وأن قوة المؤسسات لا تقاس بغياب الاعتراض عليها، وإنما بقدرتها على التعامل معه والاستجابة لمطالب المجتمع وتصحيح السياسات عند الحاجة.
واعتبر أن الرسالة التي يقرأها في الاحتجاجات لا تتمثل في المطالبة بتغيير السلطة، وإنما في إعادة صياغة علاقتها بالمجتمع، بحيث يكون المواطن شريكاً في الشأن العام، وتخضع إدارة الموارد والسياسات للمساءلة والشفافية، محذراً من إعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة بأشكال وأسماء جديدة.