سوفا 53".. الاحتلال الإسرائيلي يستأنف العمل جنوب القنيطرة ضمن مشروع بدأ عام 2022
استأنفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عمليات التجريف والحفر ضمن المشروع العسكري المعروف محلياً باسم "سوفا 53" في ريف القنيطرة الجنوبي، مع عودة الآليات الهندسية إلى العمل غرب بلدة الرفيد وقرية العشة، في أحدث تحرك ضمن أعمال إسرائيلية بدأت قبل أكثر من 4 سنوات بمحاذاة الجولان السوري المحتل.
وأظهر فيديو حصري نشره حساب "سجل" آليات هندسية إسرائيلية تنفذ أعمال تجريف في المنطقة، في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية المتراكمة منذ عام 2022 إلى مشروع هندسي وعسكري تطور تدريجياً من فتح طرق ومحاور حركة إلى إقامة خنادق وسواتر ترابية ونقاط مراقبة وتحصينات على امتداد أجزاء واسعة من جبهة الجولان.
وتكشف مراجعة شبكة شام للمصادر السورية والإسرائيلية والأممية أن اسم "سوفا 53" المتداول يحتاج إلى تفسير دقيق، إذ لا يظهر في المواد الرسمية الإسرائيلية التي أمكن مراجعتها بوصفه اسماً عسكرياً معلناً للمشروع، في حين توجد كتيبة مدرعة إسرائيلية تحمل الاسم نفسه وشاركت فعلياً في شق أحد المحاور الجديدة على جبهة سوريا عام 2023.
ما هي "سوفا 53" وماذا تعني التسمية؟
بدأ اسم "سوفا 53" بالظهور في التقارير منذ مطلع عام 2023 على الأقل، للإشارة إلى طريق عسكري إسرائيلي يجري شقه بمحاذاة منطقة الفصل في محافظة القنيطرة، بينما ترجع التقارير الميدانية انطلاق أعمال التجريف وفتح الطرق المرتبطة به إلى منتصف عام 2022.
وتعني كلمة "سوفا" في اللغة العبرية "العاصفة"، فيما يشير الرقم 53 إلى كتيبة مدرعة إسرائيلية تحمل رسمياً اسم "كتيبة سوفا 53"، وتتبع للواء المدرع 188 المعروف باسم لواء "باراك"، وهو من التشكيلات العسكرية المرتبطة بجبهة الجولان.
وتعزز مشاركة الكتيبة في أعمال الشق احتمال ارتباط التسمية المتداولة بها، إذ ذكر الجيش الإسرائيلي في آذار/مارس 2023 أن قوات مدرعة من الكتيبة 53 شاركت، إلى جانب هندسة الفرقة 210 وقوات مشاة، في فتح محور جديد على الجبهة السورية.
ومع ذلك، لا تتوافر في المواد الرسمية الإسرائيلية التي أمكن مراجعتها وثيقة تسمي المشروع نفسه "سوفا 53"، ما يستدعي التمييز بين الاسم المتداول للطريق وبين الاسم الرسمي للكتيبة العسكرية التي شاركت في الأعمال.
من حضر شمالاً إلى المثلث الحدودي جنوباً
تشير التقارير الميدانية إلى أن الأعمال بدأت في محيط بلدة حضر شمال محافظة القنيطرة، قبل أن تتحرك تدريجياً باتجاه جباثا الخشب والحميدية، ثم القحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة في الريف الأوسط، وصولاً إلى الرفيد والعشة ومحيط المثلث الحدودي في أقصى جنوب المحافظة.
وتحدثت تقارير سورية خلال السنوات الماضية عن طريق عسكري بعرض يقارب 8 أمتار في بعض المقاطع، ترافقه سواتر ترابية مرتفعة وخنادق ونقاط مراقبة وممرات مخصصة لتحرك الآليات العسكرية.
وكانت هيئة البث الإسرائيلية قد نشرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 تقريراً مصوراً عن نشاط لقوات إسرائيلية خلف السياج على الجبهة السورية، تحدث عن بقاء جنود في المنطقة لقرابة 72 ساعة لتنفيذ مهمات تضمنت فتح محاور طرق وجمع معلومات، في مؤشر مبكر إلى وجود أعمال ميدانية قبل اتساع تداول اسم "سوفا 53".
وفي 12 آذار/مارس 2023، قدم الجيش الإسرائيلي تفاصيل أكثر وضوحاً عن طبيعة تلك الأعمال، معلناً شق جزء من محور جديد على الجبهة السورية بواسطة هندسة الفرقة 210 وبمشاركة قوات من الكتيبة 53.
شبكة محاور تتجاوز 90 كيلومتراً
كشف الجيش الإسرائيلي في تقريره المنشور عام 2023 أن المحور الجديد ليس طريقاً منفرداً، وإنما جزء من شبكة أوسع من الطرق العسكرية التي يجري إعدادها وفق خطة هندسية متكاملة.
وأوضح أحد ضباط هندسة الفرقة 210 أن القوات تعمل على المحور الأكثر شرقاً ضمن منظومة من الطرق، وأن أعمال الفتح ستتواصل على مراحل حتى الوصول إلى مثلث الحدود جنوباً.
وأشار الجيش إلى أن الخطة تشمل فتح وتأهيل محاور بمحاذاة ما يسمى "خط ألفا" لمسافة تتجاوز 90 كيلومتراً، بهدف تسهيل حركة القوات والآليات في الظروف الاعتيادية وحالات الطوارئ.
وتشمل أعمال فتح المحاور، وفق الرواية الإسرائيلية، دراسة طبيعة الأرض وفحص الألغام والمخاطر الموجودة في المسار، ثم تنظيفه وتسويته وتهيئته لعبور الآليات الثقيلة والمدرعات.
وخط "ألفا" هو خط انتشار القوات الإسرائيلية الذي حدده اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي عام 1974، ويقع غرب منطقة الفصل التي تراقبها قوات الأمم المتحدة "أندوف"، فيما يشكل "خط برافو" حدها من الجانب السوري. ولا يعد خط ألفا حدوداً دولية، وإنما خطاً عسكرياً لتنظيم الفصل بين القوات.
"شرق جديد".. مرحلة أوسع من التحصينات
دخلت التحصينات الإسرائيلية على الجبهة السورية مرحلة جديدة بعد هجوم حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع إعادة الجيش الإسرائيلي تقييم منظومة حماية حدوده، وخصوصاً الاعتماد على السياج الإلكتروني ووسائل المراقبة التقنية.
وفي 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 كشف الجيش الإسرائيلي رسمياً عن مشروع هندسي واسع أطلق عليه اسم "شرق جديد"، موضحاً أن هندسة الفرقة 210 تعمل على إنشاء منظومة من العوائق الأرضية والتحصينات على الجبهة السورية.
ويقوم المشروع على إقامة خنادق وسواتر ترابية وعوائق مادية إلى جانب أنظمة الرصد والإنذار والمراقبة، بهدف إبطاء حركة المركبات والآليات في حال وقوع هجوم ومنح القوات الإسرائيلية وقتاً إضافياً للاستجابة.
وقال ضابط هندسة إسرائيلي إن تجربة اختراق السياج المحيط بقطاع غزة باستخدام الجرافات دفعت الجيش إلى تقليل الاعتماد على التكنولوجيا وحدها وتعزيز استخدام العوائق الأرضية التقليدية.
وكشفت صحيفة "مكور ريشون" الإسرائيلية أن العمل المنظم في مشروع "شرق جديد" بدأ في 6 آب/أغسطس 2024، قبل أن يتوسع لاحقاً عن نطاقه الأصلي.
ولا تقدم المصادر الإسرائيلية "شرق جديد" باعتباره مجرد اسم جديد لـ"سوفا 53"، كما أن الفارق الزمني بينهما يمنع التعامل مع الاسمين باعتبارهما متطابقين بصورة قطعية. إلا أن الأعمال المرتبطة بهما تتقاطع جغرافياً ووظيفياً في شق الطرق وإقامة الخنادق والسواتر وتطوير التحصينات على جبهة الجولان.
80 بالمئة من أعمال الخنادق حتى آب 2026
في 9 آب/أغسطس 2026، نقل موقع "واي نت" الإسرائيلي عن الجيش أن قرابة 80٪ من أعمال حفر الخنادق ضمن مشروع "شرق جديد" أُنجزت، من منطقة مجدل شمس في الجولان المحتل شمالاً حتى منطقة مثلث الحدود جنوباً.
وتصل أبعاد بعض الخنادق، وفق المصادر الإسرائيلية، إلى نحو 4 أمتار من حيث العمق أو العرض، وترافقها سواتر ترابية ونقاط عبور عسكرية محددة ومراقبة، إلى جانب منظومات استطلاع ووسائط إطلاق نار.
وتوضح هذه المعطيات أن التحصينات لم تعد مقتصرة على طرق تستخدمها الدوريات والمدرعات، وإنما باتت تشمل بنية هندسية وعسكرية أوسع تضم الخنادق والسواتر ونقاط المراقبة ومواقع الانتشار ومسارات الحركة العسكرية.
وتزامن ذلك مع توسع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب السوري بعد سقوط النظام السوري البائد في كانون الأول/ديسمبر 2024، واحتفاظ القوات الإسرائيلية بعدد من المواقع داخل منطقة الفصل ومناطق أخرى في محيطها.
اتفاق 1974 وخط الفصل
ترتبط الأعمال الإسرائيلية مباشرة باتفاق فض الاشتباك الموقع بين سوريا وإسرائيل عام 1974، والذي أنشأ منطقة فصل تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف".
ويمنع الاتفاق وجود القوات والمعدات العسكرية السورية أو الإسرائيلية داخل منطقة الفصل إلا وفق الترتيبات المحددة فيه.
وفي عام 2024 أظهرت صور أقمار صناعية حللتها وكالة "أسوشيتد برس" أعمال حفر وطرق وسواتر وأسيجة امتدت لمسافة تزيد على 7.5 كيلومترات في أحد أجزاء الجبهة.
وأكدت الأمم المتحدة حينها أن عناصر "أندوف" رصدوا في عدد من المواقع دخول جنود وآليات إسرائيلية ومعدات حفر إلى داخل منطقة الفصل، إلى جانب إنشاءات تجاوزت خط ألفا، معتبرة ذلك مخالفاً لترتيبات اتفاق 1974.
واستمرت الأمم المتحدة بعد سقوط النظام البائد في التأكيد أن الاتفاق ما يزال نافذاً، رغم التوسع العسكري الإسرائيلي داخل منطقة الفصل.
12 ألف دونم متضرر وأثر مباشر على الأهالي
لم تقتصر تداعيات الأعمال الإسرائيلية على الجانب العسكري، إذ طالت عمليات التجريف وشق الطرق وإقامة السواتر والخنادق أراضي زراعية ومراعي تابعة لسكان القنيطرة.
ونقلت وكالة الأناضول في أيار/مايو 2026 عن مدير إعلام محافظة القنيطرة محمد السعيد أن السلطات المحلية وثقت أضراراً في نحو 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية ومناطق الرعي في الريفين الشمالي والأوسط نتيجة الأعمال الإسرائيلية.
وتحدث سكان محليون عن فقدان القدرة على الوصول إلى مساحات من أراضيهم بعد إقامة الخنادق والسواتر، إلى جانب تأثيرها في حركة المزارعين ورعاة المواشي.
كما وثقت تقارير محلية خلال آذار/مارس 2026 أضراراً أعقبت انهيار أجزاء من سواتر ترابية قرب جباثا الخشب خلال أمطار غزيرة، ما أدى إلى تدفق المياه باتجاه أراضٍ ومنازل في المناطق المجاورة.
وتأتي عودة عمليات التجريف إلى محيط الرفيد والعشة اليوم بعد أكثر من 4 سنوات على بدء أعمال فتح الطرق في المنطقة، وفي وقت تظهر فيه المصادر الإسرائيلية نفسها أن ما بدأ بمحاور حركة عسكرية تطور إلى منظومة واسعة من الطرق والخنادق والسواتر والتحصينات تمتد من شمال الجولان المحتل باتجاه المثلث الحدودي جنوباً.