ركود نسبي الأسواق السورية وسط تفاقم الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الإنتاج
تشهد الأسواق السورية حالة ركود اقتصادي خلال الفترة الأخيرة، في ظل استمرار تذبذب قيمة الليرة السورية أمام الدولار وتزايد الضغوط المعيشية على الأسر، ما انعكس بشكل مباشر على ضعف القدرة الشرائية وتراجع حاد في حركة البيع والشراء في مختلف القطاعات التجارية، وسط بيئة اقتصادية تتداخل فيها عوامل نقدية وإنتاجية وخدمية بشكل معقد.
وتشير بيانات سوق الصرف إلى أن الدولار الأمريكي سجل بعد عيد الأضحى مستوى بلغ نحو 145 ليرة جديدة ما يعادل 14,500 ليرة قديمة قبل أن يشهد تراجعاً طفيفاً ليستقر عند حدود 143 ليرة نحو 14,300 ليرة قديمة.
وفي سياق الانعكاسات المعيشية، أكد مواطنين أن تراجع قيمة الليرة أدى إلى تآكل واضح في القدرة الشرائية، وذكروا أن معظم الاحتياجات اليومية لم تعد في متناول المواطن إلا في حدودها الدنيا، وأن كثيراً من السلع باتت تصنف ككماليات لا يمكن الاقتراب منها.
من جهتهم، أوضح تجار أن السوق يعاني من اختلال في التوازن بين العرض والطلب، ولفتوا إلى أن انخفاض المبيعات بات ظاهرة عامة لا تخص قطاعاً بعينه، وأن المستهلك أصبح يتجه نحو التقشف الشديد في الإنفاق.
وأضافوا أن استمرار النشاط التجاري حتى بهوامش ربح منخفضة أفضل من توقف البيع بالكامل، لكنه شدد على أن تحريك السوق يتطلب قدرة شرائية حقيقية لدى المستهلك، وهو ما لا يتوفر حالياً بالشكل الكافي.
وفي قطاع الأحذية بمدينة حلب، أكدت فعاليات تجارية أن الحركة الشرائية تراجعت بشكل حاد بعد عيد الأضحى مقارنة بالفترات السابقة، وأوضحت أن الطلب انخفض حتى خلال موسم العيد نفسه، حيث أصبح المستهلك يقتصر على شراء الضروريات الأساسية فقط، بينما خرجت باقي السلع من دائرة الاهتمام الفعلي.
وذكرت المصادر ذاتها أن بداية العام شهدت نشاطاً أفضل نسبياً، إلا أن ارتفاع سعر الصرف بشكل مفاجئ وسريع أعقبه موجة غلاء واسعة أدى إلى انكماش حاد في الطلب، مشيراً إلى أن عدداً من المحال أُغلقت فعلياً، فيما أخرى باتت معروضة للبيع أو مهددة بالإغلاق نتيجة تراكم البضائع وضعف السيولة.
على المستوى الحكومي، أوضح مدير المكتب الإعلامي في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بحلب بلال الأخرس أن المديرية تعمل على ضبط الأسواق من خلال تكثيف الرقابة على الأسعار وجودة المواد المطروحة، ومتابعة التزام الفعاليات التجارية بالإعلان عن الأسعار بشكل واضح، إلى جانب تسهيل الإجراءات الإدارية أمام التجار وأصحاب المنشآت الاقتصادية.
كما أشار إلى استمرار التنسيق مع الجهات المعنية لضمان توفر السلع الأساسية في الأسواق، مؤكداً أن حركة تسجيل الشركات والمنشآت التجارية مستمرة رغم حالة الركود، لكنها تختلف من قطاع إلى آخر وفق طبيعة النشاط والطلب.
وفي السياق الاقتصادي العام، أكد الخبير الاقتصادي مهران لبابيدي أن تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين أدى إلى انكماش حاد في الأرباح وتراكم المخزون لدى التجار، بالتزامن مع ارتفاع التكاليف التشغيلية مثل الإيجارات وفواتير الخدمات والنقل والطاقة، ما وضع العديد من المنشآت أمام مخاطر حقيقية قد تصل إلى حد الإغلاق أو الإفلاس.
وأضاف أن المستهلك بات يوجه إنفاقه بشكل شبه كامل نحو السلع الأساسية، ما أدى إلى ضربة مباشرة للسلع غير الضرورية وتراجع الطلب في قطاعات متعددة.
وأشار لبابيدي إلى أن انخفاض الطلب لا يؤدي تلقائياً إلى انخفاض الأسعار، لأن الكلفة الفعلية للإنتاج والاستيراد ما زالت مرتفعة، ما يجبر التجار على البيع عند حدود التكلفة أو بخسارة في بعض الحالات لتأمين السيولة واستمرار الدورة التجارية.
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن آليات التسعير التقليدية لم تعد صالحة في ظل التذبذب اللحظي لسعر الصرف، حيث لجأ التجار إلى ما وصفه بـ”التسعير التحوطي”، أي احتساب تكلفة البضاعة المستقبلية بدلاً من التكلفة الحالية، بهدف حماية أنفسهم من خسائر محتملة نتيجة تغير سعر الدولار.
وبيّن أن هذا السلوك يؤدي إلى رفع الأسعار بشكل فوري مع أي انخفاض في قيمة الليرة، وأحياناً بنسبة تفوق نسبة التراجع نفسها، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار السعري وفوضى واضحة بين الأسواق.
وأضاف قوشجي أن غياب الاستقرار النقدي أدى إلى تفاوت كبير في أسعار السلع بين متجر وآخر، بل وأحياناً داخل اليوم الواحد، نتيجة مخاوف التجار من إعادة التسعير المتكرر وخسارة رأس المال عند إعادة التوريد. واعتبر أن هذا الواقع يعكس خللاً هيكلياً في الاقتصاد المرتبط بشكل وثيق بسعر الصرف والاعتماد الكبير على الاستيراد.
بدوره، أوضح المحلل الاقتصادي سامر مصطفى أن تذبذب سعر الصرف يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وزيادة الطلب على القطع الأجنبي لتمويل الاستيراد، إضافة إلى انتهاء موسم الحوالات الخارجية الذي كان يشكل مصدر دعم مهم للعملة، فضلاً عن العامل النفسي الذي يدفع الأفراد إلى شراء الدولار والذهب كملاذ آمن، ما يخلق طلباً إضافياً غير مرتبط بالإنتاج الفعلي.
وفي تفسير أوسع لحالة السوق، أكد خبراء اقتصاديون أن ما يحدث يندرج ضمن حالة “الركود التضخمي”، حيث تتوفر السلع بكثرة في الأسواق، لكن ضعف القوة الشرائية يمنع تحويل هذا التوفر إلى حركة بيع فعلية، ما يؤدي إلى تراكم المخزون وتراجع الأرباح وارتفاع مخاطر الإغلاق لدى بعض الفعاليات التجارية.
وفي جانب العرض والطلب، أوضح نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق محمد الحلاق أن قوى السوق التقليدية لم تعد كافية لتفسير حركة الأسعار، مشيراً إلى أن استقرار الأسواق يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل استقرار سعر الصرف، وتوفر التمويل، ووضوح التشريعات الاقتصادية، ووجود قدرة شرائية فعلية لدى المواطنين. وبيّن أن انخفاض الطلب وحده لا يؤدي إلى انخفاض الأسعار إذا بقيت كلفة الإنتاج والاستيراد مرتفعة.
من جهته، أكد أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من نمو الدخول، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من دخل الأسر يذهب لتغطية نفقات الطاقة والنقل والكهرباء، ما يقلل من الإنفاق على الغذاء والاحتياجات الأساسية، ويدفع العديد من الأسر إلى استبدال السلع ببدائل أقل جودة وأرخص سعراً.
أما الخبير المالي والمصرفي فراس شعبو، فأوضح أن ارتفاع سعر الصرف وتكاليف الطاقة والنقل، إلى جانب ضعف الإنتاج المحلي وغياب المنافسة الفعلية، تمثل أبرز العوامل التي تدفع نحو استمرار الضغوط التضخمية في السوق، لافتاً إلى أن محدودية التمويل المصرفي تزيد من اعتماد التجار على مصادر تمويل مرتفعة الكلفة تنعكس مباشرة على الأسعار.
وفي المقابل، رأى الخبير الاقتصادي حسين إبراهيم أن الأزمة الأساسية لا تكمن في توفر السلع، بل في ضعف القدرة على شرائها، مشيراً إلى أن الأسواق السورية تعيش حالة وفرة في المعروض مقابل تراجع حاد في حجم المبيعات، وأن قطاعات مثل العقارات والسيارات والأثاث والأجهزة الكهربائية والسياحة من أكثر القطاعات تضرراً نتيجة ضعف الطلب.
وفي قطاع الخضر والفواكه، أكد رئيس لجنة تجار ومصدري الخضر والفواكه بدمشق أسامة قزيز أن الأسعار انخفضت بنسبة لا تقل عن 30 بالمئة خلال الفترة الأخيرة نتيجة وفرة الإنتاج وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الصادرات، ما أدى إلى استقرار نسبي في الأسعار، لكنه لم ينعكس بشكل واضح على تحسن الطلب أو حركة السوق.
كما أشار إلى استمرار أزمة التصدير إلى دول الخليج نتيجة تأخير عمليات المناقلة عبر معبر جابر، ما يؤدي إلى بقاء الشحنات لفترات طويلة وخسائر كبيرة للمصدرين، رغم استمرار حركة التصدير اليومية بمئات البرادات.
هذا ويجمع معظم الخبراء على أن استمرار حالة الركود الحالية يرتبط بتفاعل ثلاثي بين تذبذب سعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف القدرة الشرائية، مع تأكيد أن أي تعافٍ اقتصادي حقيقي يتطلب استقراراً نقدياً فعلياً، وتحفيز الإنتاج المحلي، وإعادة بناء القوة الشرائية للأسر باعتبارها المحرك الأساسي للدورة الاقتصادية.