إزالة سوريا من مجموعة «E:1» والتفاوض على اتفاقية تجارة واستثمار مع الولايات المتحدة
إزالة سوريا من مجموعة «E:1» والتفاوض على اتفاقية تجارة واستثمار مع الولايات المتحدة
● اقتصاد ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

باحثان في معهد الشرق الأوسط يدعوان لإزالة سوريا من مجموعة «E:1» والتفاوض على اتفاقية تجارة واستثمار مع الولايات المتحدة

دعا الباحثان كرم شعار وتشارلز ليستر، في مقال نشره معهد الشرق الأوسط في واشنطن، الولايات المتحدة وسوريا إلى إعطاء الأولوية للتفاوض على اتفاقية ثنائية شاملة للتجارة والاستثمار، معتبرين أن التطورات التي شهدتها العلاقات بين البلدين بعد سقوط نظام بشار الأسد أوجدت فرصة لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية السورية الأميركية على أسس جديدة.

وكرم شعار هو مدير شركة «كرم شعار للاستشارات»، ويتركز عمله على أبحاث الاقتصاد السياسي والاستشارات المتعلقة بسوريا، فيما يشغل تشارلز ليستر منصب باحث بارز ومدير مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط، إلى جانب عمله مستشاراً بارزاً لدى شركة كرم شعار للاستشارات.

ورأى الباحثان أن العلاقات السورية الأميركية لم تشهد فرصة مماثلة منذ الفترة القصيرة بين عامي 1961 و1963، عندما توسع التعاون في عهد الرئيس الأميركي جون كينيدي والرئيس السوري ناظم القدسي، وشمل قروضاً من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ودعماً للاستقرار من صندوق النقد الدولي، واتفاق السلع الزراعية الموقع في تشرين الثاني 1961، والذي سمح ببيع فائض المنتجات الزراعية الأميركية في سوريا باستخدام العملة المحلية عقب موجات جفاف شديدة.

وأشار المقال إلى أن انقلاب حزب البعث في آذار 1963 أنهى تلك المرحلة، ودخلت العلاقات بين البلدين بعدها في تدهور استمر لأكثر من نصف قرن.

وقال الباحثان إن سقوط نظام بشار الأسد ووصول حكومة جديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع في نهاية 2024 فتحا نافذة جيوسياسية يمكن أن تغير طبيعة العلاقات بين دمشق وواشنطن، داعين الولايات المتحدة إلى الانتقال من التركيز على المسار الدبلوماسي إلى توسيع التفاهمات الاقتصادية والتجارية.

واعتبرا أن اتفاقية تجارة واستثمار مع سوريا تنسجم مع توجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو عقد اتفاقات اقتصادية واسعة، ويمكن أن تحول العلاقة مع خصم سابق إلى شراكة اقتصادية.

قيود أميركية مستمرة ودعوة لإخراج سوريا من مجموعة «E:1»

وأشار المقال إلى استمرار قيود أميركية على التصدير إلى سوريا رغم التطورات التي شهدها ملف العقوبات، ومن بينها إلغاء قانون قيصر في 2025 وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في آب 2026.

وأوضح الباحثان أن سوريا لا تزال مدرجة ضمن مجموعة الدول «E:1» في لوائح إدارة التصدير الأميركية، بانتظار نشر القاعدة النهائية من قبل مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية.

ويعني استمرار هذا التصنيف، وفق المقال، أن المواد ذات الاستخدام المزدوج المدرجة على قائمة الرقابة التجارية لا تزال بحاجة إلى تراخيص تصدير خاصة، رغم أن طلبات التصدير المخصصة للاستخدامات التجارية أصبحت تُراجع على أساس افتراض الموافقة.

وفي المقابل، يمكن تصدير بعض السلع الاستهلاكية والتقنيات الأقل حساسية من دون الحصول على ترخيص فردي باستخدام استثناء «السلام والازدهار لسوريا»، إلا أن بعض القيود ما تزال تشمل ما يعرف ببرمجيات السوق الواسعة، والتي يمكن أن تضم أدوات الذكاء الاصطناعي، وأدوات المطورين، ومنصات التعليم، وبيئات التعاون السحابي.

ودعا شعار وليستر مكتب الصناعة والأمن الأميركي إلى إزالة سوريا من مجموعة «E:1» بعد شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بما يجعلها مؤهلة للاستفادة من استثناءات إضافية ضمن لوائح إدارة التصدير الأميركية.

33 اتفاقية نافذة وغياب إطار استثماري خاص مع واشنطن

وذكر الباحثان، استناداً إلى مراجعة منصة سياسات الاستثمار التابعة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أن سوريا لديها 33 اتفاقية ثنائية للتجارة والاستثمار نافذة، إضافة إلى 8 اتفاقيات أخرى موقعة لم تدخل حيز التنفيذ، بينما لا توجد الولايات المتحدة ضمن هذه الشبكة.

واعتبر المقال أن غياب اتفاقية ثنائية يترك الشركات الأميركية من دون مجموعة من الحمايات والامتيازات التي قد يتمتع بها مستثمرون من دول ترتبط مع سوريا باتفاقيات من هذا النوع، ومنها المعاملة العادلة والمنصفة، والحماية والأمن للأصول المادية والقانونية، والحماية من نزع الملكية دون تعويض، والمعاملة الوطنية، ومعاملة الدولة الأولى بالرعاية.

كما تشمل الضمانات التي تناولها الباحثان حرية تحويل الأموال وإعادة رأس المال، وإمكانية تسوية النزاعات مباشرة بين المستثمر والدولة من خلال التحكيم المحايد، إلى جانب حماية الموظفين الرئيسيين ومنع فرض متطلبات أداء قسرية على المستثمرين.

وأشار المقال إلى أن سوريا طرف في اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها منذ عام 1959، كما أصبحت دولة متعاقدة في اتفاقية المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار منذ عام 2006.

وإلى جانب ذلك، تمتلك سوريا شبكة قائمة من اتفاقيات التجارة والاستثمار توفر درجات متفاوتة من الحماية للمستثمرين، إلا أن سنوات الحرب والعقوبات حدّت، بحسب المقال، من الفاعلية العملية لهذا الإطار.

ورأى الباحثان أن اتفاقية سورية أميركية حديثة وشاملة يمكن أن توفر إطاراً مخصصاً للحماية القانونية وآليات فعالة لتسوية النزاعات بين المستثمرين والدولة، بما يمنح رأس المال الأميركي درجة أكبر من الوضوح القانوني عند دخول السوق السورية.

الرسوم الأميركية وصلت إلى 41% قبل عودتها إلى 10%

وتناول المقال السياسة الجمركية الأميركية تجاه سوريا، مشيراً إلى أن إدارة ترامب فرضت في نيسان 2025 نظاماً للرسوم المتبادلة بموجب الأمر التنفيذي رقم 14257، يقوم على احتساب رسم يرتبط بنسبة العجز التجاري مقارنة بصادرات الدولة إلى السوق الأميركية، مع اعتماد رسم أساسي قدره 10% للدول التي تقل نتيجة المعادلة لديها عن هذه النسبة.

ورأى الباحثان أن تطبيق هذه المعادلة على سوريا لم يكن مناسباً بالنظر إلى أن العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية خلال عهد النظام السابق أدتا إلى مستويات محدودة وغير متوازنة من التجارة مع الولايات المتحدة، وهو ما أسفر عن فرض رسوم وصلت إلى 41% على سوريا.

وأشار المقال إلى أن المحكمة العليا الأميركية أبطلت لاحقاً نظام الرسوم الذي تبنته الإدارة، فعادت سوريا إلى الرسم الأساسي البالغ 10%، إلا أن الباحثين اعتبرا أن الاختلال الكبير وعدم الاستقرار في العلاقات التجارية الثنائية ما يزالان يضعان سوريا في موقع غير مواتٍ.

كما قارن المقال وضع سوريا بدول مجاورة مثل الأردن ومصر، اللتين تستفيدان من امتيازات الإعفاء الجمركي ضمن برنامج المناطق الصناعية المؤهلة الأميركي، ورأى أن إبرام اتفاقية ثنائية مع دمشق قد يعالج بعض التفاوتات في الرسوم ويتيح مزايا إضافية للتجارة والاستثمار.

سوريا تطرح نفسها مركزاً للربط بين الخليج والمتوسط وأوروبا

وتطرق المقال إلى التوجه الذي تبنته الحكومة السورية بعد سقوط نظام الأسد نحو تقديم سوريا كدولة محايدة تسعى للاستفادة من موقعها الجغرافي لتصبح مركزاً للربط العابر للحدود في مجالات الطاقة والتجارة والاتصالات والنقل، بين آسيا والخليج وبلاد الشام والبحر المتوسط وأوروبا.

ورأى الباحثان أن حرب إيران في 2026 وإغلاق مضيق هرمز زادا من أهمية هذا التصور، في ظل الحاجة إلى طرق ومسارات إقليمية بديلة.

وأشار المقال إلى أن مشروع الربط الذي تطرحه سوريا قُدّم إلى الاتحاد الأوروبي في نيسان 2026، ثم إلى مجموعة الدول السبع في أيار من العام نفسه، قبل أن يطرحه الرئيس أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول.

ورأى الباحثان أن إنشاء منطقة أكثر ترابطاً واعتماداً متبادلاً من الناحية الاقتصادية ينسجم مع توجهات السياسة الأميركية الرامية إلى تقليص استنزاف الموارد الأميركية في صراعات الشرق الأوسط، مع زيادة دور الاقتصاد والتجارة في العلاقات الإقليمية.

روسيا والصين ودول عربية تتحرك في السوق السورية

وحذر المقال من تأخر الولايات المتحدة في المنافسة الاستثمارية داخل سوريا، في وقت تتحرك فيه قوى دولية وإقليمية لتعزيز مواقعها الاقتصادية.

وأشار الباحثان إلى أن روسيا تحركت سريعاً بعد سقوط نظام الأسد لإعادة بناء علاقاتها السياسية والتجارية مع دمشق من خلال التعاون الاقتصادي، لافتين إلى اتفاق أُبرم في آب 2026 لإعادة هيكلة الوجود الروسي في مرفأ طرطوس، من خلال إعادة البنية التحتية المدنية إلى السيطرة السورية، في خطوة مرتبطة بدعم المصالح السورية في التجارة البحرية.

كما تناول المقال التحركات الصينية، مشيراً إلى أن شركات صينية بدأت الاستثمار في الصناعة والمرافئ الجافة في عدد من المناطق السورية، ومن بينها عقد استراتيجي مع الوكيل الرسمي لشركة «إيه أو جي تكنولوجي» الصينية للأجهزة الطبية للاستثمار في المنطقتين الصناعيتين الحرتين في حسياء وعدرا.

وأشار أيضاً إلى اتفاق تعاون مع مجموعة «سوتشو لاند» الصينية، أعلن عنه عبر مجلس الأعمال السوري الصيني، ويستهدف تنفيذ مشاريع صناعية في سوريا.

ولفت الباحثان إلى أن حلفاء وشركاء للولايات المتحدة بدأوا كذلك في تأسيس علاقات تجارية أكثر عمقاً مع دمشق، مستشهدين بتوقيع السعودية اتفاقية تجارة ثنائية مع سوريا في آب 2025.

ورأى المقال أن الاتفاق يمنح السعودية موقعاً متقدماً في عدد من القطاعات، بينها تقنية المعلومات والغاز، وهي مجالات أشار الباحثان إلى وجود اهتمام أميركي بالدخول إليها.

الاتفاق وحده لن يعيد العلاقات المصرفية

واعتبر شعار وليستر أن إبرام اتفاقية رسمية للتجارة والاستثمار بين سوريا والولايات المتحدة يمكن أن يرسل إشارة مهمة إلى الأسواق العالمية بأن الاستثمار المشروع في سوريا يحظى بإطار مؤسساتي داعم.

وأشارا في الوقت نفسه إلى أن إزالة معظم العقوبات لم تنه جميع العقبات أمام المؤسسات المالية وشركات التأمين الدولية، التي ما تزال تواجه متطلبات امتثال ومخاطر تنظيمية متبقية ومخاوف مرتبطة بالعمل داخل سوريا.

وأوضح الباحثان أن اتفاقية تجارة واستثمار ثنائية لن تكون كافية وحدها لإزالة هذه العقبات أو إعادة علاقات المراسلة المصرفية، لكنها قد توفر طبقة إضافية من الثقة القانونية والسياسية، من خلال إظهار التزام أميركي مستمر بالعلاقات الاستثمارية وتوفير ضمانات قابلة للتطبيق للمستثمرين الأميركيين.

وخلص المقال إلى أن الجمع بين اتفاقية من هذا النوع، ومواصلة توضيح القواعد التنظيمية، وتطبيع القطاع المالي، قد يساهم في تخفيف المخاطر المتصورة وتسهيل التجارة والاستثمار ومنح الشركات الأميركية وضوحاً قانونياً أكبر عند المشاركة في عملية التعافي الاقتصادي في سوريا.

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ