غلاء المعيشة يعيد تشكيل عادات الشراء لدى السوريين.. الضروريات أولاً والكماليات مؤجلة
تغيّرت أنماط الاستهلاك لدى شريحة واسعة من الأسر السورية مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف القدرة الشرائية، إذ باتت قرارات الشراء ترتبط بتأمين الاحتياجات الأساسية قبل غيرها، فيما تراجعت القدرة على اقتناء سلع وخدمات كانت تدخل سابقاً ضمن الإنفاق المعتاد، الأمر الذي انعكس على حركة الأسواق وطبيعة الطلب على المنتجات.
وتشمل هذه التحولات تقليل الكميات المشتراة، والبحث عن البدائل الأقل سعراً، والمقارنة بين المتاجر، وتأجيل شراء الأجهزة والأثاث والملابس، إلى جانب الاعتماد المتزايد لدى بعض الأسر على الدين أو المساعدات لتغطية نفقاتها، في ظل اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الاحتياجات اليومية.
تحول في سلوك المستهلك السوري
قال المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التغير الذي طرأ على عادات الشراء لدى الأسر السورية يتجاوز كونه استجابة مؤقتة لارتفاع الأسعار، ويعكس تحولاً أساسياً في طريقة اتخاذ القرارات الاستهلاكية.
وأوضح أن كثيراً من الأسر انتقلت من شراء السلع وفق الرغبة والاختيار إلى تحديد ما تحتاج إليه بصورة عاجلة، ثم توزيع ما يتبقى من دخلها على الالتزامات الأخرى، ما جعل درجة الضرورة العامل الأساسي في اتخاذ قرار الشراء.
وأضاف أن المستهلك بات أكثر اهتماماً بسعر المنتج وحجم العبوة وإمكانية الاستغناء عنه أو استبداله، في حين تراجعت أهمية بعض الاعتبارات التي كانت تؤثر سابقاً في الاختيار، مثل العلامة التجارية أو تنوع المنتجات.
وتشير تقديرات أوردها الدبس إلى أن الغذاء يستحوذ على نحو 52 بالمئة من أولويات إنفاق الأسر، بينما تتوزع بقية النفقات على الطاقة والمياه والصحة والنقل والتعليم والاتصالات وسداد الديون وغيرها من الالتزامات.
كيف تعيد الأسر ترتيب نفقاتها؟
بيّن الدبس أن الغذاء الأساسي يحتل المرتبة الأولى في سلم الإنفاق، ولا سيما الخبز والحبوب والأرز والبرغل والبقوليات والزيوت والبطاطا والخضراوات الأقل تكلفة، باعتبارها مواد يصعب الاستغناء عنها.
وتأتي بعد ذلك نفقات الطاقة والخدمات الضرورية، مثل الغاز والكهرباء والوقود والمياه والنقل، تليها المصاريف الصحية المرتبطة بالأدوية والعلاجات التي لا يمكن تأجيلها.
أما السكن، بما يشمله من الإيجارات والتدفئة والإصلاحات الأساسية، فيمثل التزاماً رئيسياً آخر، إلى جانب التعليم والاتصالات والنقل المدرسي، في حين تتراجع المخصصات المتاحة للملابس غير الضرورية والترفيه والمطاعم والأجهزة المنزلية.
ولفت إلى أن ترتيب الأولويات لا يعني بالضرورة قدرة الأسر على تغطية جميع هذه البنود، إذ تضطر بعض العائلات إلى المفاضلة بين احتياجات أساسية متزامنة عندما لا يكفي الدخل لتأمينها.
فجوة متزايدة بين الدخل وتكاليف المعيشة
تعكس تقديرات الإنفاق حجم الضغوط التي تواجهها الأسر السورية، إذ تشير بيانات أوردها المحلل الاقتصادي إلى أن الحد الأدنى لسلة الإنفاق لأسرة مكونة من خمسة أفراد بلغ نحو 2.43 مليون ليرة سورية في شباط 2026، بينما لم يكن الحد الأدنى الرسمي للأجور يغطي سوى نحو 31 بالمئة من هذه التكلفة.
وتوضح هذه الفجوة أسباب لجوء الأسر إلى تقليص مشترياتها، أو توزيع الإنفاق على فترات أقصر، أو شراء المواد بكميات تتناسب مع السيولة المتاحة بدلاً من تأمين احتياجاتها لفترات طويلة.
كما تسهم محدودية الدخل في زيادة الاعتماد على الشراء بالدين أو التقسيط والتحويلات والمساعدات، خصوصاً لدى الأسر التي لا تمتلك مدخرات أو مصادر دخل إضافية.
مشتريات تتحول إلى التزامات مؤجلة
أشار الدبس إلى أن ارتفاع الأسعار أدى إلى انتقال العديد من السلع والخدمات من خانة المشتريات المعتادة إلى قائمة النفقات المؤجلة، وفي مقدمتها الملابس والأحذية الجديدة، باستثناء الحالات الضرورية، والأثاث والأجهزة المنزلية والهواتف والمعدات الإلكترونية.
ويمتد التأجيل إلى المطاعم والمقاهي والوجبات الجاهزة والرحلات والأنشطة الترفيهية والمناسبات الاجتماعية المكلفة، فضلاً عن بعض أعمال صيانة المنازل والنفقات التعليمية غير الأساسية.
وأوضح أن بعض الأسر باتت تقلص أيضاً مشترياتها من اللحوم والألبان والبيض، أو تخفض الكميات المعتادة منها عند ارتفاع أسعارها، ما يشير إلى أن التغيرات الاستهلاكية لم تعد مقتصرة على الكماليات.
وحذر من اختزال هذه التحولات في تراجع الإنفاق الترفيهي، لأن الضغوط المالية وصلت لدى بعض الأسر إلى تقليل عدد الوجبات أو أحجام الحصص الغذائية، واختيار أصناف أقل تكلفة وقيمة غذائية.
وأضاف أن بعض النفقات المتعلقة بالصحة والتعليم قد تصبح بدورها عرضة للتأجيل أو التقليص لدى الأسر الأشد فقراً، رغم أهميتها الأساسية.
العبوات الصغيرة والبدائل الاقتصادية
انعكس تغير القدرة الشرائية على طريقة شراء المنتجات، إذ أصبح المستهلك يميل إلى الكميات الصغيرة والسلع الاقتصادية، مع زيادة الاهتمام بمقارنة الأسعار والبحث عن العروض والتخفيضات.
وأوضح الدبس أن التحول لا يعني توقف المستهلك عن شراء جميع المنتجات التي اعتادها، وإنما انتقاله في كثير من الحالات إلى أصناف أقل سعراً، أو علامات تجارية بديلة، أو عبوات أصغر يستطيع دفع ثمنها.
وأشار إلى أن شراء كميات محدودة من المواد الغذائية والاحتياجات اليومية أصبح خياراً لدى الأسر التي لا تمتلك السيولة الكافية لشراء العبوات الكبيرة، حتى عندما تكون تكلفة الوحدة في العبوة الأكبر أقل نسبياً.
وتعكس هذه الممارسات تغيراً في معايير الشراء، إذ أصبحت القدرة على دفع ثمن المنتج في لحظة الشراء أكثر تأثيراً في القرار من اعتبارات أخرى تتعلق بالجودة أو الكمية أو التوفير على المدى الطويل.
كيف تأثرت الأسواق والتجارة؟
أكد الدبس أن تغير السلوك الاستهلاكي أحدث تحولاً في تركيبة الطلب داخل الأسواق السورية، وليس مجرد انخفاض في إجمالي المبيعات.
وأوضح أن السلع مرتفعة السعر، ولا سيما الأجهزة والأثاث والملابس وبعض الخدمات الترفيهية، أصبحت أكثر تأثراً بضعف الدخل، في حين يحافظ الطلب على المواد الغذائية الأساسية والمنتجات الاقتصادية على قدر أكبر من الاستقرار النسبي.
وأضاف أن هذه التحولات تدفع التجار إلى مراجعة أصناف البضائع المعروضة وأحجامها وأسعارها، مع التركيز بصورة أكبر على المنتجات منخفضة التكلفة والعبوات الصغيرة والعروض التي تستهدف المستهلكين محدودي الدخل.
كما تواجه بعض الأنشطة التجارية ضغوطاً على هوامش الربح، نتيجة الحاجة إلى تقديم تخفيضات أو تقليل الأرباح على بعض المنتجات للمحافظة على حركة البيع وتصريف المخزون.
ولفت إلى أن قدرة الأسواق على التكيف تختلف بحسب طبيعة النشاط التجاري والفئات المستهدفة، إذ تكون القطاعات المرتبطة بالسلع غير الأساسية أكثر عرضة لتراجع الطلب مقارنة بالأنشطة التي توفر الاحتياجات اليومية.
هل تصبح عادات التقشف دائمة؟
يرى الدبس أن استمرار الضغوط المعيشية لفترات طويلة قد يحول بعض الممارسات الحالية إلى عادات استهلاكية مستقرة، حتى في حال حدوث تحسن نسبي في الأسعار أو مستويات الدخل مستقبلاً.
وأوضح أن الأسرة التي اعتادت اختيار منتجات أقل سعراً أو تقليل تناول الطعام خارج المنزل أو تأجيل شراء الأثاث والأجهزة قد تستمر في هذه السلوكيات، بعدما تصبح جزءاً من طريقة إدارتها للميزانية.
وأضاف أن طول فترة التقشف يسهم في إعادة تعريف ما تعتبره الأسرة ضرورياً، ويؤثر في أولوياتها وتوقعاتها بشأن الإنفاق، بحيث لا تعود جميع المشتريات السابقة إلى مكانتها بمجرد تحسن الظروف الاقتصادية.
وأشار إلى أن معالجة هذه التحولات ترتبط بتقليص الفجوة بين الدخل وتكاليف الاحتياجات الأساسية، لأن استمرار هذه الفجوة يدفع الأسر إلى اتخاذ قرارات استهلاكية لا تعكس بالضرورة رغباتها الفعلية، وإنما حدود قدرتها المالية.
وتظهر التغيرات في عادات الشراء أن أثر غلاء المعيشة يمتد إلى طبيعة الغذاء الذي تستهلكه الأسر، والسلع التي تستطيع اقتناءها، والخدمات التي تؤجل الاستفادة منها، فضلاً عن انعكاساته على نشاط الأسواق. ومع استمرار تفاوت الدخل وتكاليف المعيشة، تبقى قدرة الأسر على استعادة خيارات استهلاكية أوسع مرتبطة بتحسن قدرتها الشرائية وتوفر الاحتياجات الأساسية بأسعار تتناسب مع مواردها.