شتاء جديد يهدد المساكن المؤقتة في ريف إدلب وحماة.. مخاوف من تكرار أضرار العواصف
تتجدد مخاوف العائلات المقيمة في المساكن المؤقتة والمنازل المتضررة في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل ضعف قدرتها على ترميم منازلها وتأمين مستلزمات التدفئة والعزل، بعد سنوات من النزوح والدمار الذي طال مناطق سكنية واسعة خلال الحرب.
وتعيش أسر عديدة في خيام وكرفانات وغرف مبنية بمواد بسيطة أو منازل أُصلحت بصورة جزئية، رغم افتقار بعضها إلى شروط السلامة والعزل الحراري والمائي، ما يجعلها عرضة لتسرب الأمطار وتأثير الرياح والعواصف، ويزيد المخاطر على قاطنيها، ولا سيما الأطفال وكبار السن.
وتعيد هذه الظروف إلى الواجهة الأضرار التي تعرضت لها مساكن مؤقتة خلال الشتاء الماضي، وسط مطالب بتوفير دعم عاجل لمواد التدفئة والعزل، وتسريع ترميم المنازل المتضررة، وإيجاد حلول سكنية أكثر استدامة للعائلات العائدة إلى مناطقها.
ضعف الإمكانات يعرقل ترميم المنازل
قال الناشط في المجال الإنساني والخدمي إبراهيم جمعة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن استمرار إقامة عائلات في مساكن مؤقتة أو منازل متضررة يعود بصورة أساسية إلى ضعف إمكاناتها المادية، وعدم قدرتها على استكمال أعمال الترميم والتجهيز اللازمة لتوفير ظروف سكن مناسبة.
وأوضح أن عدداً من الأسر لجأ إلى إصلاح أجزاء محدودة من منازله باستخدام المواد المتاحة، بهدف العودة والاستقرار في قراه، إلا أن هذه الإصلاحات لم تكن كافية لمعالجة الأضرار الإنشائية أو توفير الحماية المطلوبة خلال فصل الشتاء.
وأشار إلى أن محدودية الدعم الحكومي والإنساني المقدم لهذه العائلات تزيد صعوبة استكمال أعمال الترميم، ما يضطرها إلى مواصلة الإقامة في مساكن غير مكتملة التجهيز، بانتظار تحسن ظروفها المالية أو الحصول على مساعدة تمكنها من إصلاح منازلها.
وأضاف أن ارتفاع أسعار مواد البناء والمحروقات وأجور النقل والعمالة أدى إلى زيادة تكاليف الترميم، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الحديد والإسمنت والرمل والبحص، الأمر الذي يجعل إعادة تأهيل المنازل عبئاً يفوق قدرة كثير من الأسر.
مخاوف من تكرار أضرار الشتاء الماضي
أوضح جمعة أن العائلات تستعد لفصل الشتاء الجديد بإمكانات محدودة، من خلال محاولة تدعيم المساكن وصيانة الأسقف وتغطيتها بالشوادر ومواد العزل المتاحة، بهدف الحد من تسرب مياه الأمطار والتخفيف من تأثير العواصف.
وأشار إلى أن المخاوف الحالية ترتبط بما شهدته المنطقة خلال الشتاء الماضي، حين أدت العواصف الهوائية والمطرية إلى غمر عدد من المنازل بالمياه وتضرر مساكن أخرى، فضلاً عن انهيار بعض الأسقف، ما عرض السكان لمخاطر مباشرة.
وقدّر جمعة نسبة الأضرار الناجمة عن العواصف التي شهدتها المناطق المعنية بنحو 70%، وفق تقديراته الميدانية، مشيراً إلى أن كثيراً من الأسر لم يتمكن من معالجة تلك الأضرار بصورة جذرية.
وبيّن أن الأهالي حاولوا إصلاح ما تضرر بعد انحسار العواصف، إلا أن معظم التدخلات اقتصرت على حلول مؤقتة لتأمين الاحتياجات الضرورية، نتيجة نقص الموارد وارتفاع تكاليف الإصلاح.
وتزداد هذه المخاوف مع استمرار ارتفاع أسعار مواد التدفئة، ما يضع العائلات أمام أعباء إضافية لتأمين الدفء داخل مساكن لا توفر عزلاً حرارياً كافياً.
دعم محدود لا يغطي الاحتياجات
أكد جمعة أن المساعدات التي وصلت إلى الأسر المتضررة خلال الشتاء الماضي كانت محدودة، ولم تتناسب مع حجم الأضرار والاحتياجات التي واجهتها.
وأشار إلى تنفيذ مبادرة محدودة لترميم 100 منزل مع اقتراب فصل الشتاء الحالي، إلا أن احتياجات العائلات المقيمة في المساكن المؤقتة والمنازل المتضررة لا تزال تتطلب تدخلات أوسع.
وشدد على ضرورة إعطاء الأولوية لتوفير مواد التدفئة والعوازل المائية، ومساعدة الأسر على إصلاح الأسقف والأجزاء المتضررة من منازلها قبل بدء الهطولات المطرية.
كما دعا إلى تسريع مشاريع ترميم المنازل في المناطق التي عاد إليها سكانها، بما يساعد على تحسين ظروف السكن وتقليل الحاجة إلى التدخلات الطارئة عند وقوع العواصف.
مساكن تفتقر إلى شروط الأمان والعزل
قال المهندس المدني محمد حبوش، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن أبرز المشكلات التي تواجه المساكن المؤقتة في ريف إدلب تتمثل في ضعف السلامة الإنشائية والعزل الحراري والمائي، إلى جانب محدودية الخصوصية التي توفرها هذه المساكن لقاطنيها.
وأوضح أن بعض الأسر تقيم في غرف مبنية من البلوك ومغطاة بمواد عزل بسيطة، قد تتعرض للتلف أو الثقوب، ما يسمح بتسرب مياه الأمطار إلى داخل الغرف.
وأضاف أن عائلات أخرى تستخدم خياماً قديمة نقلتها من المخيمات إلى قراها بعد العودة، فيما يقيم آخرون في منازل متضررة جزئياً أجروا فيها إصلاحات محدودة دون تقييم هندسي شامل لسلامتها.
وأشار إلى أن هذه الأنماط من السكن قد لا توفر الحماية المطلوبة من الظروف الجوية القاسية، خصوصاً عند تعرضها لرياح قوية أو هطولات مطرية غزيرة.
وبيّن أن غياب العزل الحراري يؤدي إلى فقدان الحرارة داخل المساكن خلال الشتاء، ما يزيد الحاجة إلى وسائل التدفئة ويرفع الأعباء المالية على الأسر، فضلاً عن تأثير البرودة والرطوبة في الظروف الصحية والمعيشية للقاطنين.
مخاطر التصدع والانهيار
حذر حبوش من المخاطر المرتبطة بالإقامة في مبانٍ متضررة لم تخضع لتقييم هندسي، ولا سيما تلك التي تعاني من ضعف الجدران أو تخلخل بعض عناصرها الإنشائية.
وأوضح أن الرياح القوية وتسرب المياه إلى الأجزاء المتضررة قد يزيدان احتمالات التصدع أو انهيار أجزاء من المبنى، خصوصاً في حال وجود أضرار سابقة لم تُعالج بصورة سليمة.
وأشار إلى أن المخاطر لا تقتصر على الأضرار الإنشائية، بل تشمل أيضاً تسرب المياه والرطوبة وانخفاض درجات الحرارة داخل المساكن، وما قد يترتب على ذلك من مشكلات صحية للسكان.
ولفت إلى أن عودة الأهالي إلى القرى المتضررة دفعت بعضهم إلى استخدام ما تبقى من منازلهم أو بناء غرف مؤقتة وفق إمكاناتهم المالية، دون توافر الشروط الفنية التي تضمن سلامة البناء على المدى الطويل.
وأكد أن معالجة هذه المخاطر تتطلب إجراء تقييم هندسي للمباني المتضررة قبل إعادة استخدامها، لتحديد مدى صلاحيتها للسكن وطبيعة الإصلاحات اللازمة.
تكاليف إعادة البناء تتجاوز قدرة العائلات
أوضح حبوش أن إعادة تأهيل المنازل المتضررة بصورة سليمة قد تتطلب دراسات هندسية وأعمال تدعيم أو إزالة للأجزاء غير الآمنة، وصولاً إلى إعادة البناء عند الضرورة.
وأشار إلى أن تنفيذ هذه الأعمال وفق الأصول الهندسية يحتاج إلى موارد مالية لا تتوافر لدى كثير من العائلات العائدة، خصوصاً بعد سنوات من النزوح وما رافقها من أعباء معيشية واقتصادية.
وقدّر تكلفة بناء منزل مؤلف من طابقين، تبلغ مساحة كل طابق منهما نحو 100 متر مربع، بما يتراوح بين 30 ألفاً و40 ألف دولار أمريكي، دون احتساب ثمن الأرض، على أن تشمل هذه التقديرات أعمال البناء والإكساء وفق مواصفات هندسية مناسبة.
وبيّن أن هذه التكاليف تمثل عائقاً كبيراً أمام الأسر محدودة الدخل، ولا سيما مع ارتفاع أسعار مواد البناء وأجور الورشات، ما يدفع بعضها إلى الاعتماد على حلول مؤقتة قد لا توفر السلامة والاستقرار المطلوبين.
وأكد أهمية تنفيذ أعمال البناء والترميم وفق مخططات ودراسات هندسية تضمن صلاحية المساكن للاستخدام طويل الأمد، بدلاً من الاكتفاء بإصلاحات قصيرة الأجل تحتاج إلى تجديد مستمر.
إجراءات إسعافية للحد من مخاطر الأمطار
أشار حبوش إلى إمكانية اتخاذ مجموعة من الإجراءات المؤقتة لتقليل المخاطر التي تواجه المساكن خلال فصل الشتاء، في مقدمتها تحسين العزل المائي والحراري ومعالجة مسارات تصريف مياه الأمطار.
وأوضح أن إنشاء قنوات وسواقٍ لتصريف المياه بعيداً عن المباني قد يساعد على الحد من تجمعها قرب الجدران والأساسات، ويخفف من احتمالات تسربها إلى داخل المساكن أو تأثيرها في الأجزاء الإنشائية المتضررة.
كما لفت إلى أهمية توفير مواد العزل المناسبة للأسقف والجدران، بما يقلل دخول مياه الأمطار وفقدان الحرارة داخل الغرف، ويحسن ظروف الإقامة خلال فترات البرد.
وأكد أن هذه التدابير يمكن أن تشكل حلولاً إسعافية لموسم شتوي واحد، لكنها لا تغني عن المعالجة الهندسية للمباني غير الآمنة أو استبدال المساكن المؤقتة بمساكن دائمة.
وشدد على أن الأولوية يجب أن تكون لحماية السكان من المخاطر المباشرة، مع وضع حلول طويلة الأمد تعالج أسباب استمرار الإقامة في مساكن غير ملائمة.
الانتقال إلى السكن الدائم
تظهر شهادات الأهالي والتقديرات الفنية أن التحديات التي تواجه العائلات المقيمة في المساكن المؤقتة تتجاوز الاستعداد لفصل الشتاء، وترتبط بضعف القدرة على إعادة البناء وارتفاع تكاليف السكن واستمرار الحاجة إلى الدعم الإنساني والخدمي.
فالإصلاحات المحدودة التي تنفذها الأسر قد تساعد على تقليل بعض الأضرار خلال الهطولات المطرية، لكنها لا تعالج المشكلات المرتبطة بسلامة المباني أو افتقارها إلى العزل والتجهيزات الأساسية.
ويرى المهندس محمد حبوش أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في إنهاء الاعتماد على المساكن المؤقتة تدريجياً، والانتقال إلى مساكن دائمة تستوفي الشروط الهندسية ومتطلبات السلامة.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تبقى الحاجة قائمة إلى تدخلات عاجلة لتوفير التدفئة والعزل وإصلاح المساكن المتضررة، بالتوازي مع برامج لإعادة التأهيل والإعمار تتيح للعائلات العائدة الاستقرار في منازل آمنة، وتحد من تكرار الأضرار والمخاطر التي واجهتها خلال المواسم الماضية.