خبز التنور في سوريا.. حرفة تقليدية تحفظ التراث وتؤمّن الدخل
تحافظ النساء السوريات في الأرياف على إعداد خبز التنور كطقس شعبي متوارث، تعلّمنه من جداتهن والأجيال السابقة، لما يتميز به من طعم شهي يجعله مطلوباً لدى الأسرة ويحظى بمكانة خاصة في حياتهم اليومية.
تنتشر أفران التنور في المناطق الريفية، حيث يقوم البعض بصناعتها وبيعها للأسر التي بدورها تنشئها بالقرب من أماكن سكنها، وتقريبا، يوجد فرن بالقرب من كل منزل، أو في كل حارة أو حي صغير، تستخدمه الأسر في خبز الخبز متى شاؤوا.
ويعد صنع أفران التنور واحدة من الحرف التي لا تزال حاضرة في العديد من المناطق السورية مثل إدلب والحسكة ودير الزور وغيرها، والتنور هو عبارة عن فرن تقليدي أسطواني الشكل يصنع من الطين الحر "الصلصال"، ويُستخدم لخبز العجين مثل خبز التنور أو الفطائر المنزلية، حيث يُشعل بالحطب ليمنح حرارة قوية وثابتة تضمن خبزاً متقناً وشهياً.
غالبا ما تبدأ ربه المنزل بالعمل على إعداد الخبز في الصباح الباكر، فتحضر أولاً العجين المكوّن من الطحين والماء والخميرة والملح، ثم يتم عجن الكمية المراد خبزها وتركها لتختمر بعد أن تغطي بكيس وقطعة قماش.
بعد ذلك تتوجه السيدة إلى التنور فتضع الحطب بداخله لإشعاله حتى يصبح جاهزاً للاستخدام، وبعد أن تصبح العجينة جاهزة، تُقطع إلى قطع مدورة صغيرة، هذه العملية تسمى باللهجة المحلية "التقريص".
في أغلب الأحيان، تتفق بعض النساء على موعد محدد لإشعال التنور والخبز في اليوم ذاته، ويتعاونن فيما بينهن لإنهاء العمل بسرعة، بحيث لا يشعرن بالتعب ولا يضطررن لإشعال التنور أكثر من مرة، وتتجمع النساء حول التنور، ويبدأن في عملية "الرق"، أي تحويل كل قطعة إلى رغيف باستخدام "الشوبك"، ثم يتم إلصاق الرغيف بجدار فوهة التنور من الداخل، وسحبه بعد أن ينضج.
وكلما مر أحد من الجيران بجانبهن، تقوم النساء بإعطائه رغيفاً سخناً كنوع من الضيافة، وغالباً ما يحضرن إلى جانب خبز التنور أرغفة صغيرة تُعرف باللهجة المحلية باسم "الكماجات"، حيث تُدهن هذه الأرغفة بالزيت والفليفلة، أو بالزيت والجبنة، أو بالزيت والزعتر، مما يمنحها طعماً شهياً جداً.
خلال سنوات الثورة السورية، طرأت تغييرات كبيرة على هذه العادة التقليدية، إذ لم تعد كثير من النساء قادرات على ممارستها بسبب النزوح ومغادرتهن منازلهن إلى أماكن أخرى، فبعض النساء في المخيمات لم يستطعن إنشاء “التنور” بجانب الخيمة، كما أن النساء اللواتي أقمن في منازل مستأجرة، أو عشن في المدن، أو هاجرن خارج البلاد، لم تسنح لهن الفرصة بإنشاء تنور.
وعندما كانت الأسرة ترغب في تناول خبز التنور ولم تتمكن من إعداده في المنزل، كانت تقوم بشرائه من أفران التنور الجاهزة الموجودة في العديد من المناطق، سواء في المدن أو القرى أو البلدات، رغم أن الخبز الذي كان يُعد في السابق كان ألذ بحسب ٱراء العديد من الأهالي، مشيرين إلى أن الخبز الذي يعد بواسطة التنور المنزلي من قبل ربة المنزل له مذاق خاص.
في المقابل حرصت أخريات على إنشاء تنور في مخيمات النزوح بعد توافر الإمكانيات لهن، وحافظن على طقس خبز التنور، والآن، وبعد عودة النساء إلى القرى والبلدات، سارعت العديد منهن إلى صيانة التنور الموجود بالقرب من المنازل أو الأحياء لممارسة هذا الطقس مجدداً بشكل متكرر حسب الإمكانيات المتاحة.
لم يقتصر خبز التنور على كونه عادة شعبية متوارثة ومخصصة للأسرة فقط، بل تحول أيضاً إلى مصدر رزق ودخل للعديد من الأسر، فقد صارت العديد من النساء تعمل في التنانير الجاهزة الموجودة في القرى والبلدات والمدن، ويكسبن منها المال، وأحيانًا تكون بعض النساء صاحبات الأفران نفسها، يقمن بإعداد الخبز وبيعه للناس بشكل يومي.
يحمل الحفاظ على طقس خبز التنور العديد من الدلالات المميزة، أهمها حرص النساء على حماية التراث الثقافي والعادات المتوارثة عبر الأجيال، كما يعكس اهتمامهن بالأسرة، خاصة أنهن يبذلن جهداً كبيراً في إعداد الخبز، لتلبية رغبات أفراد العائلة بتقديم ما يحبونه، أما فيما يتعلق بالاستفادة الاقتصادية، فإن استغلال بعض النساء لخبز التنور كمصدر دخل يعكس حرصهن على تحويل مهاراتهن التقليدية إلى نشاط اقتصادي يساهم في تغطية النفقات المالية ودعم أسرهن.