تلدو تستعيد سكانها وتنتظر الخدمات.. نقص التمويل يعرقل إعادة تأهيل المرافق الأساسية
عادت نحو 70% من العائلات إلى بلدة تلدو في منطقة الحولة بريف حمص الشمالي، إلا أن استعادة الخدمات الأساسية لا تزال تواجه صعوبات كبيرة، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب، ومحدودية الموارد المالية المتاحة للمجلس البلدي، ما ينعكس على قطاعات المياه والصحة والنظافة والطرقات والصرف الصحي.
ورغم التحسن الذي طرأ على التغذية الكهربائية، لا تزال مرافق خدمية رئيسية خارج الخدمة أو تعمل بإمكانات محدودة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات مع عودة السكان، وسط مطالب بتوفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة وتحسين ظروف المعيشة.
عودة السكان تسبق تعافي الخدمات
قال رئيس بلدية تلدو حسان بكار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن نحو 70% من العائلات عادت إلى البلدة، بينما لا تزال النسبة المتبقية، البالغة 30%، خارجها لأسباب مختلفة، بينها ظروف العمل والسفر والإقامة في مناطق أخرى.
وأوضح أن الخدمات تشهد تحسناً تدريجياً، لكنه لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الاحتياجات، مشيراً إلى أن الأضرار الواسعة التي تعرضت لها البلدة خلال سنوات الحرب تركت آثاراً مباشرة على المؤسسات العامة وشبكات البنية التحتية.
وأضاف أن تلدو شهدت قصفاً ومعارك متكررة، ما أدى إلى تضرر مرافقها وتوقف عدد من المؤسسات الحكومية عن العمل، وصولاً إلى إغلاق البلدية بصورة كاملة خلال إحدى مراحل الحرب، وانقطاع الخدمات البلدية عن السكان.
وأشار إلى أن استعادة عمل المؤسسات بعد تلك المرحلة لم تترافق مع توافر الموارد الكافية لمعالجة الأضرار المتراكمة، الأمر الذي جعل إعادة تأهيل الخدمات عملية تدريجية تتطلب دعماً مالياً وفنياً أكبر.
ثلاث عربات نظافة لخدمة 50 ألف نسمة
تعد النظافة العامة من أبرز التحديات التي تواجه المجلس البلدي، في ظل نقص الآليات والتجهيزات اللازمة لجمع النفايات ونقلها بصورة منتظمة.
وأوضح بكار أن البلدية لا تمتلك سوى ثلاث عربات مخصصة لأعمال النظافة، وهي غير كافية لتغطية احتياجات نحو 50 ألف نسمة، خصوصاً مع اتساع المناطق السكنية وزيادة كمية النفايات الناتجة عن عودة الأهالي.
وتتفاقم المشكلة نتيجة غياب حاويات القمامة وتهالك الجرارات المتاحة، التي تتعرض لأعطال متكررة، ما يحد من قدرة فرق النظافة على تنفيذ أعمالها اليومية.
وبيّن أن تحسين هذا القطاع يحتاج إلى رفد البلدية بآليات إضافية، وتأمين الحاويات وزيادة عدد العمال، إلى جانب توفير مستلزمات التشغيل والصيانة بصورة مستمرة.
ولا تقتصر الصعوبات على جمع النفايات، إذ تواجه البلدية احتياجات متزايدة في صيانة الطرق وشبكات الصرف الصحي والإنارة العامة، دون وجود مخصصات مالية تتناسب مع حجم الأعمال المطلوبة.
المياه لا تصل إلى أحياء عديدة
يمثل ضعف شبكات المياه أحد أبرز المشكلات اليومية التي يعاني منها السكان، إذ لا تصل المياه إلى عدد من الأحياء بسبب الحاجة إلى تنفيذ تمديدات جديدة وتوسيع الشبكة القائمة.
وأشار رئيس البلدية إلى أن معالجة المشكلة تتطلب أعمالاً فنية ومشروعات بنية تحتية لا يستطيع المجلس تنفيذها ضمن إمكاناته الحالية.
وتشمل الاحتياجات أيضاً إعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي، وإصلاح الطرق المتضررة، وتحسين الإنارة، بما يتيح توفير خدمات أكثر انتظاماً للأحياء التي شهدت عودة السكان.
وتبرز أهمية هذه الأعمال في ظل ارتفاع عدد العائلات المقيمة، وما يرافق ذلك من زيادة الضغط على الشبكات والمرافق التي تعرضت للتلف أو توقفت عن العمل خلال السنوات الماضية.
المشفى الوطني خارج الخدمة
يحتل القطاع الصحي موقعاً متقدماً ضمن أولويات إعادة التأهيل في تلدو، ولا سيما المشفى الوطني الذي كان يقدم خدماته لسكان منطقة الحولة، قبل أن يتوقف عن العمل نتيجة الأضرار التي لحقت به.
وأكد بكار أن المشفى لا يزال بحاجة إلى إعادة تأهيل تتيح استئناف خدماته، إلى جانب ترميم مرافق صحية أخرى وتوسيع قدرتها على استقبال المرضى.
ويشكل استمرار توقف المشفى تحدياً أمام السكان، نظراً إلى أهمية وجود منشأة صحية قادرة على تقديم الخدمات الطبية الأساسية داخل المنطقة.
وأوضح أن إعادة تشغيل المنشآت الصحية تحتاج إلى إمكانات مالية وتجهيزات وأعمال ترميم، وهي متطلبات تتجاوز قدرة المجلس البلدي على معالجتها بصورة منفردة.
وتأتي المطالب بإعادة تأهيل المشفى ضمن الاحتياجات الأساسية المرتبطة باستقرار العائلات العائدة، إلى جانب توفير المياه والصرف الصحي والطرقات والخدمات البلدية.
مشروعات معلقة بسبب نقص التمويل
كشف بكار أن المجلس البلدي رفع عدداً من المشروعات الخدمية إلى محافظة حمص، بهدف معالجة الاحتياجات الأكثر إلحاحاً، إلا أن معظمها لم يحصل على الموافقات اللازمة أو لم تُرصد له المخصصات المالية المطلوبة.
وأضاف أن المشروعات التي حصلت على موافقات واجهت بدورها محدودية في التمويل، ما أدى إلى اقتصار الأعمال المنفذة على تدخلات جزئية لا تعالج حجم الأضرار بصورة شاملة.
ومن بين الأعمال التي تمكن المجلس من تنفيذها تزفيت طريق بطول 320 متراً وعرض أربعة أمتار وسماكة خمسة سنتيمترات، في إجراء وصفه بكار بأنه إسعافي، نظراً إلى الحاجة إلى إعادة تأهيل مساحات أوسع من شبكة الطرق.
وأشار إلى أن المجلس يعتمد في معالجة بعض المشكلات اليومية على المبادرات المحلية والتعاون مع الأهالي، إلى جانب الجهود التي يبذلها العاملون في البلدية ضمن الإمكانات المتاحة.
لكن هذه الجهود، وفق بكار، لا تستطيع تعويض غياب التمويل اللازم لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، خصوصاً تلك التي تتطلب آليات متخصصة وتجهيزات ومواد بناء وأعمالاً فنية واسعة.
تحسن الكهرباء يخفف الأعباء
في مقابل الصعوبات التي تواجه معظم القطاعات الخدمية، شهدت التغذية الكهربائية في تلدو تحسناً ملحوظاً خلال الفترة الماضية، مع زيادة ساعات وصول التيار إلى المنازل.
وأوضح بكار أن هذا التحسن انعكس إيجاباً على حياة السكان، وأسهم في تخفيف بعض الأعباء اليومية، كما ساعد على توفير ظروف أفضل للعائلات التي عادت إلى البلدة.
ويظهر تحسن الكهرباء أهمية إعادة تشغيل الخدمات الأساسية في تشجيع الاستقرار، خصوصاً أن عودة السكان ترتبط بقدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية داخل مناطقهم.
ومع ذلك، فإن استمرار النقص في المياه والصحة والنظافة والطرقات يجعل التحسن في قطاع واحد غير كافٍ لمعالجة مجمل التحديات التي تواجه البلدة.
أولويات خدمية لاستقرار العائلات
حدد رئيس بلدية تلدو توفير الموارد المالية بوصفه الاحتياج الأبرز للمجلس خلال المرحلة الحالية، بما يسمح بتنفيذ المشروعات التي جرى إعدادها ورفعها إلى الجهات المعنية.
وتشمل الأولويات زيادة آليات النظافة وتجهيزاتها، وتوسيع شبكات المياه والصرف الصحي، وإعادة تأهيل الطرق والإنارة، فضلاً عن ترميم المنشآت الصحية وإعادة تشغيل المشفى الوطني.
كما تبرز الحاجة إلى وضع خطط تنفيذية تتناسب مع حجم الأضرار وعدد السكان، وتحديد المشروعات الأكثر إلحاحاً لضمان توجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات التي تؤثر مباشرة في الحياة اليومية.
وتعكس تجربة تلدو تحدياً تواجهه المناطق التي شهدت عودة واسعة للسكان بعد سنوات الحرب، حيث تتقدم حركة العودة على وتيرة إعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة.
وفي ظل عودة معظم العائلات إلى البلدة، يبقى تحسين الخدمات مرتبطاً بتوفير التمويل والمعدات اللازمة، والانتقال من المعالجات الإسعافية المحدودة إلى مشروعات إعادة تأهيل أوسع، تتيح للسكان الحصول على احتياجاتهم الأساسية بصورة منتظمة وتوفر ظروفاً أكثر استقراراً للعائلات العائدة.