المكافآت في تربية الأطفال.. متى تعزز السلوك ومتى تضعف الشعور بالمسؤولية؟
المكافآت في تربية الأطفال.. متى تعزز السلوك ومتى تضعف الشعور بالمسؤولية؟
● مجتمع ٨ أكتوبر ٢٠٢٦

المكافآت في تربية الأطفال.. متى تعزز السلوك ومتى تضعف الشعور بالمسؤولية؟

تستخدم بعض الأسر المكافآت لتشجيع أطفالها على الالتزام بالتعليمات أو إنجاز المهام اليومية، سواء من خلال تقديم المال والهدايا أو التعبير عن التقدير والثناء، إلا أن تكرار ربط السلوك الإيجابي بالحصول على مقابل قد يؤثر تدريجياً في دوافع الطفل وطريقة تعامله مع المسؤوليات المطلوبة منه.

وتتفاوت نتائج هذا الأسلوب تبعاً لطبيعة المكافأة وتوقيت تقديمها ومدى اعتماد الأهل عليها، إذ يمكن أن تساعد في اكتساب سلوك جديد، بينما قد يؤدي استخدامها بصورة مستمرة ومشروطة إلى انتظار الطفل مقابلاً لكل مهمة، بدلاً من القيام بها انطلاقاً من شعوره بالمسؤولية أو الرغبة في الإنجاز.

متى تكون المكافأة وسيلة تربوية مفيدة؟

قالت الدكتورة حلا صقال، المتخصصة في الصحة النفسية ورئيسة قسم علم النفس في جامعة باشاك شهير، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المكافأة تعد إحدى الأدوات التربوية التي يمكن الاستفادة منها في توجيه سلوك الطفل، لكن تأثيرها يرتبط بكيفية استخدامها ومدى استمرار الاعتماد عليها.

وأوضحت أن المكافأة تكون مفيدة عندما تستخدم بصورة مؤقتة لمساعدة الطفل على اكتساب عادة جديدة أو إنجاز مهمة يجد صعوبة في الالتزام بها، بحيث تؤدي دوراً تشجيعياً خلال المراحل الأولى من تعلم السلوك.

وأضافت أن المشكلة تبدأ عندما تصبح المكافأة شرطاً مسبقاً لأي عمل، ويعتاد الطفل على معرفة المقابل الذي سيحصل عليه قبل تنفيذ المهمة، ما قد يحولها من وسيلة للتشجيع إلى عنصر أساسي يتحكم في استجابته.

من التشجيع إلى انتظار المقابل

وبيّنت صقال أن الاعتماد المتكرر على المكافآت المادية قد يؤدي إلى ظهور أنماط سلوكية غير مرغوبة، من بينها امتناع الطفل عن تنفيذ بعض المهام ما لم يحصل على مقابل.

وأشارت إلى أن بعض الأطفال قد يتجهون إلى إنجاز المطلوب بسرعة دون الاهتمام بجودته، عندما تصبح الأولوية لديهم الحصول على المكافأة بدلاً من إتمام العمل بصورة صحيحة.

وفي هذه الحالة، ينتقل اهتمام الطفل من طبيعة المهمة وأهميتها إلى النتيجة المادية المرتبطة بها، الأمر الذي قد يضعف قدرته على التعامل مع بعض المسؤوليات اليومية باعتبارها جزءاً من حياته المعتادة.

كيف تتأثر الدافعية الداخلية؟

وأوضحت صقال أن من أبرز الآثار المحتملة للإفراط في المكافآت الخارجية تراجع الدافعية الداخلية لدى الطفل، وهي الرغبة في أداء النشاط بدافع الفضول أو الاستمتاع أو الشعور بالرضا عن الإنجاز.

وقالت إن التعزيز المادي المستمر قد يجعل الطفل أقل اهتماماً بالمهمة نفسها، وأكثر ارتباطاً بالمقابل الذي ينتظره بعد تنفيذها.

ولفتت إلى أن هذا النمط قد يؤثر في شعوره بالفخر بما ينجزه، خصوصاً عندما يعتاد على تقييم نجاحه من خلال ما يحصل عليه من هدايا أو أموال، بدلاً من تقدير الجهد الذي بذله والمهارات التي اكتسبها.

ولا يعني ذلك أن تقديم المكافآت يؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبية، وإنما يرتبط التأثير، وفق توضيحاتها، باستمرار استخدامها وتحويلها إلى شرط ثابت للسلوك.

المكافأة المادية والمعنوية.. ما الفرق؟

وفرّقت صقال بين المكافآت المادية التي يحصل فيها الطفل على أشياء ملموسة، مثل المال أو الهدايا، والمكافآت المعنوية التي تقوم على التشجيع بالكلمات والتقدير والثناء.

وأوضحت أن المكافأة المعنوية يمكن أن تترك أثراً نفسياً أطول، لأنها تعزز ثقة الطفل بنفسه وتشعره بأن جهده محل تقدير واهتمام من الأشخاص المحيطين به.

وأضافت أن التشجيع المعنوي يسهم أيضاً في تقوية التواصل العاطفي بين الطفل وأهله، ويمنحه شعوراً بالدعم والقبول، بينما يرتبط أثر المكافأة المادية غالباً بالشيء الذي يحصل عليه.

وبحسب صقال، فإن الاعتماد على التشجيع المعنوي يساعد في توجيه انتباه الطفل نحو قيمة ما أنجزه، بدلاً من حصر اهتمامه في المقابل المادي.

كيف يمكن تغيير أسلوب المكافأة؟

وأشارت صقال إلى إمكانية تعديل طريقة تعامل الأهل مع المكافآت بصورة تدريجية، من خلال الابتعاد عن تقديمها بوصفها شرطاً يسبق تنفيذ المهمة.

وأوضحت أن مفاجأة الطفل بتقدير أو مكافأة بعد إنجاز عمل معين قد تكون أنسب من الاتفاق المسبق على مقابل مادي لكل سلوك مطلوب، بحيث لا تصبح المكافأة السبب الوحيد الذي يدفعه إلى التصرف.

كما أكدت أهمية الحديث مع الطفل عن شعوره بعد إنجاز المهمة، ومساعدته على ملاحظة ما حققه من تقدم، سواء تعلم مهارة جديدة أو تمكن من أداء مسؤولية كان يجد صعوبة فيها.

وشددت على ضرورة أن يكون الثناء موجهاً إلى السلوك والجهد المبذول، بما يساعد الطفل على إدراك قيمة ما قام به ويعزز شعوره بالفخر بإنجازه.

المسؤوليات اليومية ليست جميعها مقابل مكافأة

وتبرز أهمية التمييز بين المهام التي يحتاج الطفل إلى التشجيع لاكتسابها، والمسؤوليات اليومية التي يفترض أن يتعلم أداءها تدريجياً بما يتناسب مع عمره وقدراته.

فترتيب ألعابه أو المحافظة على أدواته أو المشاركة في بعض الأعمال المنزلية البسيطة يمكن أن يشكل جزءاً من تعلم المسؤولية، دون الحاجة إلى ربط كل مهمة بمبلغ مالي أو هدية.

وفي المقابل، يمكن للأهل تشجيع الطفل من خلال إظهار الاهتمام بما أنجزه، ومنحه فرصة لاختيار الطريقة التي ينفذ بها بعض المهام، ومساعدته على إدراك أثر مشاركته في الحياة اليومية للأسرة.

ويتيح هذا الأسلوب مساحة أكبر للمبادرة والاستقلالية، مع بقاء التوجيه والدعم حاضرين عند الحاجة.

التقدير لا يرتبط بالنتيجة وحدها

ومن الجوانب المهمة في التعامل مع الأطفال الانتباه إلى الجهد الذي يبذلونه، وعدم حصر التشجيع في الوصول إلى نتيجة مثالية أو تنفيذ المهمة دون أخطاء.

فقد يحتاج الطفل إلى تكرار المحاولة أو وقت أطول لاكتساب عادة جديدة، ولذلك يمكن أن يكون تقدير تقدمه التدريجي أكثر فائدة من ربط المكافأة بالنجاح الكامل في كل مرة.

كما يساعد توضيح أسباب بعض المسؤوليات على فهم الطفل لأهميتها، بدلاً من الاكتفاء بطلب تنفيذها مقابل الحصول على شيء معين.

وتؤدي طريقة استجابة الأهل دوراً في هذا الجانب، إذ يمكن للتشجيع اللفظي والاهتمام والمشاركة أن تمنح الطفل شعوراً بالتقدير دون الحاجة إلى تقديم مقابل مادي مستمر.

التوازن في استخدام المكافآت

وتشير توضيحات صقال إلى أن المشكلة التربوية لا تكمن في المكافأة بحد ذاتها، وإنما في تحولها إلى الأسلوب الرئيسي الذي يعتمد عليه الأهل لضمان استجابة الطفل.

ويقتضي الاستخدام المتوازن مراعاة عمر الطفل وطبيعة السلوك المراد تعزيزه، مع تقليل الاعتماد على المقابل المادي تدريجياً عندما يبدأ الطفل باكتساب العادة المطلوبة.

كما أن تنويع وسائل التشجيع، والاهتمام بالمشاعر المرتبطة بالإنجاز، وإتاحة الفرصة للطفل لتحمل مسؤوليات مناسبة لقدراته، يمكن أن يساعد في بناء علاقة أكثر استقراراً بين السلوك والدافعية.

وفي المحصلة، تبقى المكافآت إحدى الوسائل المتاحة للأهل في التربية، بينما يرتبط أثرها بقدرتها على مساعدة الطفل في تعلم السلوك والاستمرار فيه، دون أن يصبح الحصول على المقابل شرطاً دائماً لأداء مسؤولياته أو الشعور بقيمة ما ينجزه.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ