الأم بعد عودة الأبناء من المدرسة.. متابعة دراسية وأعباء تحتاج إلى شراكة الأسرة
تواجه أمهات مع عودة أبنائهن من المدرسة سلسلة من المسؤوليات اليومية، تبدأ بمتابعة الواجبات والدروس والتواصل مع المعلمين، وتتداخل مع إعداد الطعام وأعمال المنزل ورعاية الأطفال، فيما تصبح المهمة أكثر صعوبة لدى الأمهات العاملات اللواتي ينتقلن من دوامهن الوظيفي إلى مهام منزلية وتربوية تمتد حتى نهاية اليوم.
ولا ترتبط المتابعة المنزلية بمساعدة الطفل على إنجاز واجباته فقط، بل تشمل معرفة المطلوب منه، ومتابعة مستواه والصعوبات التي يواجهها، وهو ما يجعل توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، إلى جانب وضوح التواصل بين المدرسة والأهل، عاملاً مهماً في تخفيف الضغط عن الأم ومنع تراكم الأعباء عليها.
أربعة أطفال ومسؤوليات متزامنة
قالت محاسن العمر، وهي أم لأربعة أطفال، بينهم طفل في مرحلة الروضة وطفلة في الصف الثالث وطفل في الصف الرابع، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الساعات التي تلي عودة أبنائها من المدرسة تكون من أكثر فترات اليوم ازدحاماً بالنسبة إليها.
وتتنقل العمر بين متابعة الدروس والواجبات وأعمال المنزل ورعاية طفلها الرضيع، وتعتمد على مجموعات «واتساب» التي تجمع المعلمين بالأهالي لمعرفة الواجبات المطلوبة والاطلاع على الملاحظات والشروحات المتعلقة بالتمارين.
لكن المتابعة لا تكون سهلة دائماً، إذ تواجه أحياناً معلومات أو دروساً لا تعرفها، ما يدفعها إلى البحث عبر الإنترنت لفهمها قبل أن تتمكن من شرحها لأبنائها ومساعدتهم على إنجاز المطلوب منهم.
وأوضحت أن انشغال زوجها بعمله يحد من قدرته على مشاركتها متابعة الأطفال، ما يجعل الجزء الأكبر من المسؤولية اليومية يقع عليها.
من المدرسة إلى المنزل
تزداد صعوبة المهمة لدى الأم العاملة التي يتزامن التزامها الوظيفي مع مسؤولياتها المنزلية، وهو ما تعيشه مريم حاج موسى، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال، بينهم طفلة في الصف الأول، إلى جانب طفلتين تحتاجان إلى رعاية خاصة، إحداهما تعاني من إعاقة ذهنية والأخرى من الضمور.
وقالت موسى إن دوامها المسائي يجعل يومها موزعاً بين مهام متلاحقة، إذ تبدأ قبل ذهابها إلى المدرسة بترتيب المنزل وتنظيفه وتجهيز وجبة الطعام، ثم تعود لتستكمل أعمالها وتتابع واجبات ابنتها، بالتزامن مع تحضير الدروس التي ستقدمها لطلابها في اليوم التالي.
وبذلك يمتد يومها بين التدريس ورعاية الأطفال ومتابعة الدراسة والأعمال المنزلية، في محاولة يومية للتوفيق بين مسؤوليات يصعب فصل إحداها عن الأخرى.
حين يتحول الضغط إلى حالة مستمرة
قالت الأخصائية النفسية هيفين هوري، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأم التي تدير المنزل وتتابع أبناءها وتعمل خارجه تؤدي عدة أدوار في الوقت نفسه، ولا يقتصر العبء على الجهد الجسدي، بل يشمل ما يعرف بـ«الحِمل الذهني».
وأوضحت أن هذا الحمل يعني بقاء الأم مسؤولة بصورة مستمرة عن التذكر والتخطيط والمتابعة، بدءاً من مواعيد الأطفال وصولاً إلى الواجبات المدرسية والاحتياجات اليومية للمنزل.
وبحسب هوري، فإن شعور الأم بأنها تتحمل هذه المسؤوليات وحدها قد يحول الضغط اليومي إلى ضغط مزمن، تظهر آثاره في صورة إرهاق مستمر رغم النوم، وسرعة انفعال، وتوتر، وصعوبة في التركيز، واضطراب في النوم أو الشهية، وشعور بالوحدة وفقدان المتعة، وقد تتطور الحالة إلى أعراض قلق أو اكتئاب إذا استمرت لفترة طويلة.
الاحتراق الوالدي
حذرت هوري من أن استمرار الضغوط قد يقود إلى ما يعرف بـ«الاحتراق الوالدي»، وهو حالة من الاستنزاف يمكن أن تؤثر في قدرة الأم على التفاعل العاطفي مع أطفالها رغم محبتها لهم.
وأشارت إلى أن استنزاف طاقة الأم قد يظهر في قلة الصبر أو ارتفاع الصوت أو الانشغال الذهني المستمر، فتكون موجودة جسدياً مع أطفالها، لكنها غير قادرة على منحهم القدر نفسه من الانتباه والتفاعل.
وقد تختصر العلاقة اليومية عندها بسلسلة من الأوامر المتعلقة بالطعام والدراسة والنوم، مع تراجع مساحة الحديث واللعب، ثم تشعر الأم بالذنب بعد مواقف الانفعال، ما يضيف ضغطاً جديداً إلى الضغوط القائمة.
ولفتت هوري إلى أن الأطفال يلتقطون الحالة النفسية للأم، وقد تظهر لديهم استجابات مختلفة مثل القلق أو العناد أو زيادة التعلق بها، فيما قد يحاول بعضهم كتمان مشاعره تجنباً لإضافة أعباء جديدة عليها.
الخطأ يمكن إصلاحه
أكدت هوري أن انفعال الأم في موقف عابر لا يعني بالضرورة إحداث أثر دائم في الطفل، مشيرة إلى أهمية العودة إليه بعد هدوء الموقف والاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه.
وأوضحت أن قول الأم لطفلها إنها كانت متعبة وإن صراخها كان خطأ منها يساعده على فهم المشاعر وتعلم تحمل المسؤولية، بدلاً من تركه يعتقد أنه المسؤول عن توتر والدته أو غضبها.
وشددت على أن الطفل لا يحتاج إلى صورة مثالية للأم، وإنما إلى حضور عاطفي وعلاقة تسمح بوقوع الخطأ ثم إصلاحه.
تنظيم المسؤوليات بدلاً من ملاحقتها
ترى هوري أن تخفيف الضغط يبدأ بتنظيم المهام وإخراجها من ذاكرة الأم إلى قائمة مكتوبة على الورق أو الهاتف، ويمكن أن تكون ضمن برنامج أسبوعي تشارك فيه الأسرة، بما يقلل من الحاجة إلى تذكر كل التفاصيل طوال الوقت.
كما دعت إلى ترتيب الأولويات والتركيز على الضروري يومياً، وتأجيل بعض الأعمال أو تبسيطها أو الاستغناء عنها عندما لا تكون أساسية.
ويمكن إشراك الأطفال أنفسهم في مسؤوليات تناسب أعمارهم، مثل ترتيب ألعابهم وتجهيز حقائبهم المدرسية، بما يساعدهم على تعلم الاعتماد على النفس ويخفف في الوقت ذاته جزءاً من الأعباء المنزلية.
واقترحت تخصيص فترة قصيرة لكل طفل، تتراوح بين عشر و15 دقيقة يومياً، يكون فيها التواصل مباشراً من دون هاتف أو تعليمات أو واجبات، باعتبار أن جودة الوقت الذي يقضيه الطفل مع والديه قد تكون أكثر أهمية من مدته.
الأب شريك لا مساعد
أكدت هوري أن دور الأب لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المساعدة عند الحاجة، وإنما يقوم على الشراكة في التربية وإدارة المنزل، بحيث يتولى مسؤوليات كاملة من التخطيط إلى التنفيذ.
وأوضحت أن مجرد مطالبة الأم بتذكير الأب باستمرار بما ينبغي فعله لا يخفف عنها «الحِمل الذهني»، حتى لو شارك لاحقاً في تنفيذ المهمة.
وأشارت إلى أهمية الاتفاق الواضح على توزيع المسؤوليات، إلى جانب إصغاء الزوج إلى الضغوط التي تواجهها الأم وتقدير جهودها، ومنحها مساحة للراحة، وقضاء وقت مباشر مع الأطفال، بما يعزز علاقته بهم ويخفف جانباً من الضغط عنها.
المتابعة المنزلية لا تعني أداء الواجب عن الطفل
من جانبها، قالت هبة الرّحوم، معلمة لطلاب الصف الثالث الابتدائي ومشرفة في منصة VIP التعليمية لـ "شام"، إن المتابعة الدراسية في المنزل تساعد الطفل على بناء روتين يومي يوازن بين وقت الدراسة والراحة، وتتيح للأهل اكتشاف الصعوبات التعليمية قبل تراكمها.
وأضافت أن المتابعة تعزز ثقة الطفل بنفسه وتدعم العلاقة بين المنزل والمدرسة، كما تساعده على تعلم المسؤولية والالتزام بدلاً من اقتصار الدراسة على الحفظ استعداداً للامتحان.
وأشارت إلى أن غياب المتابعة قد يؤدي إلى تراكم الدروس والواجبات وتراجع التحصيل والدافعية، كما قد يؤخر اكتشاف مشكلات تتعلق بالنظر أو التركيز أو صعوبات التعلم.
لكن دور الأسرة، وفق الرّحوم، لا يعني القيام بالواجب بدلاً من الطفل، وإنما مساعدته على فهم المطلوب وتوفير البيئة المناسبة حتى يتمكن تدريجياً من تحمل مسؤوليته الدراسية.
ماذا تستطيع المدرسة أن تفعل؟
أوضحت الرّحوم أن المدرسة والمعلم يستطيعان تخفيف جزء من العبء الواقع على الأهالي من خلال تواصل واضح ومنتظم، ونشر الواجبات والمهام أولاً بأول بطريقة لا تترك مجالاً للالتباس.
كما يمكن تقديم إرشادات مبسطة للأهل حول طريقة مساعدة الطفل، وإعداد تقارير دورية توضح نقاط القوة والضعف بدلاً من الاقتصار على العلامات، إلى جانب عقد اجتماعات مرنة لأولياء الأمور حضورياً أو عبر الإنترنت وتحديد أوقات واضحة للاستفسارات.
وأشارت إلى أن الواجبات المنزلية البسيطة، مثل أوراق العمل القصيرة أو المراجعة الشفهية، يمكن أن تجعل المتابعة أكثر سهولة من تكليف الطفل بمهام تحتاج إلى وقت طويل ومشاركة مستمرة من والديه.
مسؤولية لا ينبغي أن تتحملها الأم وحدها
تكشف تجارب الأمهات أن متابعة الأبناء بعد المدرسة ليست مهمة منفصلة عن بقية تفاصيل الحياة المنزلية، وإنما جزء من شبكة مسؤوليات تتداخل فيها التربية والعمل والرعاية والأعمال اليومية.
ومع أهمية دور الأم في متابعة أبنائها، فإن تحويل هذه المسؤولية إلى مهمة تقع عليها وحدها يمكن أن يزيد احتمالات الإرهاق ويؤثر في علاقتها بأطفالها وفي قدرتها على الاستمرار بأدوارها المختلفة.
ويصبح تخفيف العبء أكثر ارتباطاً بالشراكة داخل الأسرة، واستقلال الطفل تدريجياً في أداء مسؤوليات تناسب عمره، وتواصل المدرسة بصورة واضحة مع الأهل، بما يحافظ على أهمية المتابعة الدراسية من دون أن تتحول ساعات ما بعد المدرسة إلى دوام آخر تتحمله الأم وحدها.