إصلاح الأجهزة بدل استبدالها.. كيف تواجه الأسر السورية ارتفاع الأسعار وضعف الدخل؟
إصلاح الأجهزة بدل استبدالها.. كيف تواجه الأسر السورية ارتفاع الأسعار وضعف الدخل؟
● مجتمع ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦

إصلاح الأجهزة بدل استبدالها.. كيف تواجه الأسر السورية ارتفاع الأسعار وضعف الدخل؟

تدفع الظروف المعيشية وارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية والإلكترونية عدداً من الأسر السورية إلى إصلاح أجهزتها القديمة وإطالة عمرها، في ظل محدودية الدخل وتراجع القدرة على شراء بدائل جديدة، ما يجعل تكاليف الصيانة وقطع التبديل عاملاً أساسياً في تحديد خيارات المستهلكين.

وتواجه الأسر تحديات متزايدة في الموازنة بين احتياجاتها اليومية والنفقات الإضافية، إذ تتطلب عملية شراء هاتف أو جهاز منزلي جديد تخصيص مبالغ قد تتجاوز إمكاناتها، فيما يوفر الإصلاح خياراً أقل تكلفة في بعض الحالات، رغم ارتفاع أسعار قطع الغيار وأجور الصيانة.

وتعكس هذه الخيارات تغيراً في أولويات الإنفاق لدى الأسر، التي تسعى إلى المحافظة على الأجهزة المتوافرة لديها لأطول فترة ممكنة، مع تأجيل المشتريات التي يمكن الاستغناء عنها أو البحث عن بدائل مستعملة تتناسب مع مواردها المالية.

إصلاح الهاتف لتوفير احتياجات الأسرة

تروي رابعة أحمد، التي تعمل مستخدمة بعقد وكالة في إحدى مدارس بلدة دير حسان بريف إدلب الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن ظروفها المادية لا تسمح لها بشراء هاتف جديد، رغم حاجتها إلى استبدال هاتفها الحالي بعد تعرض شاشته للكسر نتيجة سقوطه.

وأوضحت أن تكلفة تبديل شاشة الهاتف تتراوح بين 17 و18 دولاراً، بينما يبدأ سعر الهاتف الجديد من نحو 75 دولاراً، وهو مبلغ يصعب عليها تخصيصه في ظل التزاماتها المعيشية.

وأضافت أنها تتمنى امتلاك هاتف جديد، لكنها تفضل إصلاح جهازها الحالي وتوجيه المبلغ الذي قد تنفقه على شراء بديل نحو تأمين احتياجات منزلها وأبنائها.

وتوضح تجربة رابعة طبيعة القرارات اليومية التي تواجهها بعض الأسر، حيث تصبح المفاضلة بين إصلاح جهاز قديم وشراء آخر جديد مرتبطة بالأولويات الأساسية، ومدى قدرة الأسرة على تحمل نفقات إضافية.

تراجع القدرة الشرائية يعيد ترتيب أولويات الاستهلاك

قال المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن توجه الأسر نحو إصلاح الأجهزة بدلاً من استبدالها يرتبط بتراجع القدرة الشرائية، نتيجة ارتفاع الأسعار مقارنة بمستويات الدخل، وتزايد الأعباء المعيشية التي تحد من قدرة المواطنين على شراء السلع الجديدة.

وأوضح أن محدودية الموارد المالية دفعت كثيراً من الأسر إلى إعادة النظر في قراراتها الاستهلاكية، والبحث عن خيارات تساعدها على تقليل النفقات والمحافظة على الأجهزة الموجودة لديها.

وأشار إلى أن شراء هاتف أو غسالة أو براد جديد قد يتطلب اقتطاع جزء كبير من دخل الأسرة، أو اللجوء إلى الاستدانة، الأمر الذي يجعل إصلاح الجهاز الحالي أكثر ملاءمة عندما يكون العطل محدوداً وتكلفة معالجته مقبولة.

وتنعكس هذه الظروف على توزيع النفقات داخل الأسرة، حيث تحظى احتياجات الغذاء والسكن والصحة والتعليم بالأولوية، بينما يجري تأجيل شراء الأجهزة والسلع المعمرة إلى حين توافر الإمكانات المالية.

وتدفع هذه المعادلة بعض الأسر إلى استخدام الأجهزة لفترات أطول من عمرها المعتاد، والاعتماد على الصيانة المتكررة للمحافظة على قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

متى تصبح الصيانة أكثر تكلفة من الاستبدال؟

أوضح الدبس أن إصلاح الأجهزة لا يضمن دائماً تحقيق وفر مالي، في ظل ارتفاع أسعار قطع التبديل وتكاليف الاستيراد والنقل وتقلبات سعر الصرف، إضافة إلى أجور الفنيين المختصين.

وبيّن أن تكلفة بعض الإصلاحات قد تقترب من سعر جهاز مستعمل بحالة جيدة، أو جهاز جديد منخفض المواصفات، ما يضع المستهلك أمام خيارات تتطلب دراسة التكلفة والعمر المتوقع للجهاز بعد صيانته.

وتختلف الجدوى الاقتصادية للإصلاح بحسب طبيعة العطل وحالة الجهاز وتوافر قطع الغيار، إذ يمكن أن تكون معالجة الأعطال البسيطة مناسبة من الناحية المالية، بينما يؤدي تكرار الأعطال أو ارتفاع تكلفة القطع الأساسية إلى زيادة النفقات على المدى الطويل.

وفي هذه الحالات، قد يكون شراء جهاز بديل أكثر جدوى، إلا أن محدودية السيولة المالية لدى بعض الأسر تحول دون اتخاذ هذا القرار، وتدفعها إلى الاستمرار في إصلاح الأجهزة القديمة رغم تكاليفها المتراكمة.

وتزداد صعوبة المفاضلة عندما تكون الأجهزة ضرورية للحياة اليومية، مثل البرادات والغسالات والهواتف، حيث قد يضطر المستهلك إلى تحمل نفقات الصيانة بصورة عاجلة لضمان استمرار استخدامها.

تغير أنماط الاستهلاك تحت ضغط الظروف المعيشية

يرى الدبس أن التوسع في إصلاح الأجهزة والمحافظة عليها يعكس تغيراً في السلوك الاستهلاكي لدى الأسر السورية، مع تزايد الاهتمام بإطالة عمر السلع وتقليل المشتريات الجديدة.

وأوضح أن هذا التوجه يرتبط بإعادة ترتيب الأولويات في ظل ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية، حيث تتجه الأسر إلى تأجيل النفقات غير الضرورية والبحث عن بدائل تتناسب مع إمكاناتها.

وتشمل هذه التغيرات الاعتماد على الأجهزة المستعملة أو المجددة، وإجراء الصيانة الدورية للأجهزة الحالية، إلى جانب التريث في قرارات الشراء حتى عند ظهور أعطال أو تراجع كفاءة بعض الأجهزة.

وأشار إلى أهمية التمييز بين الاستهلاك المستدام القائم على الوعي الاقتصادي والبيئي، وبين السلوك الاستهلاكي الذي تفرضه محدودية الدخل، موضحاً أن لجوء الأسر إلى الإصلاح قد يكون نتيجة مباشرة لصعوبة شراء البدائل الجديدة.

وتنعكس هذه الظروف أيضاً على الجانب الاجتماعي، إذ تواجه بعض الأسر ضغوطاً إضافية عند تعطل الأجهزة الضرورية، وتضطر إلى الموازنة بين إصلاحها وتأمين احتياجات أخرى، بما يزيد من صعوبة إدارة النفقات اليومية.

تطوير قطاع الصيانة وتوفير قطع الغيار

دعا الدبس إلى تشجيع التصنيع المحلي للأجهزة بجودة مناسبة وأسعار منافسة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الاستيراد وخفض التكاليف المرتبطة بالشحن والنقل.

وأكد أهمية دعم تصنيع قطع الغيار محلياً قدر الإمكان، وتوفير القطع الأصلية أو البدائل الموثوقة بأسعار مناسبة، لضمان حصول المستهلكين على خدمات صيانة ذات جودة وتكلفة مقبولة.

كما شدد على ضرورة تعزيز المنافسة بين الموردين والتجار، والحد من الاحتكار والتلاعب بالأسعار، بما يسهم في تحسين توافر قطع التبديل وتقليل الأعباء المالية على المستهلكين.

وأشار إلى أهمية توسيع انتشار ورش الصيانة المؤهلة، وتطوير برامج التدريب المهني للفنيين، إلى جانب توفير ضمانات واضحة على قطع الغيار وخدمات الإصلاح، لحماية المستهلك من الأعطال المتكررة والنفقات غير المتوقعة.

وتشمل المقترحات دعم مشاريع إعادة تأهيل الأجهزة وتدويرها، وتشجيع بيع الأجهزة المجددة بضمانات محددة، بما يوفر خيارات إضافية للأسر التي لا تستطيع تحمل أسعار الأجهزة الجديدة.

ويمكن أن يسهم تطوير هذه الأنشطة في تحسين خدمات الصيانة وتوفير فرص عمل مرتبطة بالإصلاح وإعادة التأهيل، بالتوازي مع إتاحة بدائل اقتصادية للمستهلكين.

تحسين الدخل واستقرار الأسعار أساس معالجة المشكلة

أكد الدبس أن إصلاح الأجهزة وإطالة عمرها يساعدان الأسر على تقليل بعض النفقات الاستهلاكية، إلا أن معالجة الضغوط المالية تتطلب تحسين مستويات الدخل وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الأسعار.

وأوضح أن توفير أجهزة وقطع غيار وخدمات صيانة بأسعار مناسبة يتيح للمستهلك اتخاذ قرارات تستند إلى الجدوى الاقتصادية، مع مراعاة جودة المنتجات وعمرها المتوقع وتكاليف تشغيلها وإصلاحها.

وتبرز الحاجة إلى خيارات متنوعة تشمل الأجهزة الجديدة والمستعملة والمجددة، إلى جانب خدمات صيانة موثوقة، بما يساعد الأسر على اختيار البديل الذي يتناسب مع احتياجاتها وإمكاناتها المادية.

وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، تتفاوت خيارات الأسر السورية بين إصلاح الأجهزة الحالية وشراء بدائل مستعملة وتأجيل الاستبدال، فيما تبقى القدرة الشرائية وتكاليف الصيانة وأسعار الأجهزة الجديدة عوامل رئيسية تحدد قراراتها الاستهلاكية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ