مواقع التواصل والتركيز الدراسي.. باحثة تربوية توضح لـ«شام» تأثير الاستخدام المتكرر على الطلاب
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً من الحياة اليومية للطلاب، ولم يعد استخدامها مقتصراً على أوقات الفراغ، بل امتد إلى فترات الدراسة وأداء الواجبات المنزلية، ما يثير تساؤلات حول تأثير التصفح المتكرر والتنقل بين التطبيقات في قدرة الطلاب على التركيز، ومدى انعكاس ذلك على جودة التعلم والتحصيل الدراسي.
وفي ظل انتشار المحتوى الرقمي القصير وسهولة الوصول إلى التطبيقات عبر الهواتف الذكية، تبرز تحديات تتعلق بتنظيم الوقت والانتباه، خصوصاً عندما تتداخل الإشعارات والمحادثات والمقاطع المتتابعة مع المهام التعليمية التي تتطلب قراءة متأنية ومتابعة مستمرة.
وقالت الباحثة التربوية وطالبة الدكتوراه دعاء عتيق، في حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، إن مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن اعتبارها سبباً وحيداً لضعف التركيز أو تراجع التحصيل الدراسي، موضحة أن تأثيرها المحتمل يرتبط بطريقة الاستخدام ومدته وتوقيته، ومدى تداخله مع وقت الدراسة والنوم والأنشطة اليومية.
وأكدت أن التعامل التربوي مع هذه المسألة ينبغي أن يركز على مساعدة الطالب في اكتساب مهارات تنظيم الانتباه وإدارة الوقت، بدلاً من الاكتفاء بمنع استخدام التكنولوجيا أو تحميلها مسؤولية جميع الصعوبات التعليمية.
التصفح المتكرر وتشتت الانتباه أثناء الدراسة
أوضحت عتيق أن الدراسة تتطلب توجيه الانتباه نحو مهمة محددة والاستمرار في متابعتها حتى إنجازها، بينما قد يؤدي الانتقال المتكرر بين الواجبات الدراسية ومواقع التواصل إلى تشتيت الانتباه وإضعاف استمرارية العمل.
وبيّنت أن هذا السلوك يظهر عندما يتوقف الطالب عن قراءة درس أو حل مسألة لتفقد هاتفه، أو الرد على رسالة، أو مشاهدة مقطع قصير، ثم يعود إلى المهمة التعليمية قبل أن ينتقل مجدداً إلى محتوى آخر.
وأشارت إلى أن تكرار هذه المقاطعات قد يجعل متابعة الأفكار المترابطة أكثر صعوبة، خصوصاً في المواد التي تحتاج إلى فهم متسلسل أو تركيز مستمر.
وأكدت أن المشكلة لا تكمن في وجود الهاتف أو استخدام التكنولوجيا بحد ذاتهما، وإنما في نمط الاستخدام الذي يجعل المثيرات الرقمية تتداخل بصورة متكررة مع المهمة التعليمية.
ولفتت إلى أن الطالب قد يستخدم المنصات الرقمية لأغراض تعليمية مفيدة، لكن الاستفادة منها تتطلب القدرة على التمييز بين الاستخدام المرتبط بالدراسة والتصفح الذي يقطع وقت التعلم دون هدف محدد.
المقاطع القصيرة ومتطلبات التركيز الممتد
تطرقت الباحثة التربوية إلى طبيعة المحتوى القصير المنتشر عبر مواقع التواصل، موضحة أن الانتقال السريع بين المقاطع والمنشورات قد يرتبط لدى بعض الطلاب بصعوبة الاستمرار في المهام التي تتطلب وقتاً أطول وتركيزاً متواصلاً.
وأشارت إلى أن التعلم لا يقتصر على الاطلاع السريع على المعلومات، بل يحتاج إلى القراءة المتأنية وفهم الأفكار والربط بينها، إلى جانب التفكير في الحلول ومراجعة الأخطاء.
وبيّنت أن بعض المهام الدراسية، مثل قراءة نص طويل أو حل مجموعة من المسائل أو إعداد بحث، تتطلب متابعة مستمرة لا تتحقق بالضرورة من خلال الانتقال السريع بين موضوعات متعددة.
وشددت عتيق على أن مشاهدة المقاطع القصيرة لا تعني تلقائياً ضعف التركيز، ولا يمكن اعتبارها مؤشراً كافياً للحكم على قدرات الطالب التعليمية.
وأوضحت أن المسألة ترتبط بطبيعة الاستخدام، ومدى قدرة الطالب على الانتقال من المحتوى السريع إلى الأنشطة التي تحتاج إلى تركيز ممتد، دون الشعور بالحاجة المستمرة إلى تفقد الهاتف أو تغيير النشاط.
وأكدت أهمية تدريب الطلاب تدريجياً على إنجاز المهام التي تتطلب وقتاً أطول، بما يساعدهم على تطوير قدرتهم على متابعة العمل والتعامل مع المشتتات.
علامات قد تشير إلى صعوبات في تنظيم الانتباه
حددت عتيق مجموعة من المؤشرات السلوكية التي تستحق انتباه الأسرة والمعلمين، خصوصاً عندما تتكرر وتنعكس على أداء الطالب الدراسي.
وأوضحت أن من أبرز هذه المؤشرات تفقد الهاتف بصورة متكررة أثناء الدراسة، وصعوبة الاستمرار في أداء مهمة واحدة، والانتقال المستمر بين التطبيقات والواجبات المدرسية.
كما تشمل تأجيل الواجبات أو تركها قبل إتمامها، وتراجع جودة الإنجاز، والحاجة المتكررة إلى العودة للمهمة بعد الانشغال بمحتوى رقمي آخر.
لكنها أكدت أن ظهور هذه العلامات لا يثبت أن مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب المباشر، إذ قد ترتبط الصعوبات الدراسية بعوامل أخرى تتداخل مع بعضها.
وأشارت إلى أن قلة النوم، وضعف الدافعية، وصعوبة المادة التعليمية، والضغوط النفسية أو الأسرية، قد تؤثر أيضاً في قدرة الطالب على التركيز والإنجاز.
ودعت إلى متابعة التغيرات المستمرة في سلوك الطالب ومستواه الدراسي، وعدم إصدار أحكام استناداً إلى موقف عابر أو يوم دراسي واحد.
وبيّنت أن فهم الظروف المحيطة بالطالب يساعد الأسرة والمعلم على اختيار أساليب الدعم المناسبة، بدلاً من اختزال المشكلة في استخدام الهاتف وحده.
هل عدد ساعات الاستخدام هو العامل الأهم؟
قالت عتيق إن الوقت الذي يقضيه الطالب على مواقع التواصل يمثل عاملاً مهماً، لأنه قد يؤثر في المدة المتاحة للدراسة والنوم والأنشطة الأخرى، لكنه لا يكفي وحده لتقييم تأثير الاستخدام في التعلم.
وأوضحت أن هناك فرقاً بين طالب يستخدم مواقع التواصل خلال وقت محدد بعد الانتهاء من واجباته، وآخر يتصفح التطبيقات بصورة متكررة أثناء الدراسة أو في أوقات النوم.
وأضافت أن الغرض من الاستخدام وطبيعته وتوقيته عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار، إلى جانب عدد الساعات اليومية.
وأشارت إلى أن الاستخدام المرتبط بالبحث عن معلومة أو متابعة محتوى تعليمي يختلف عن التصفح العشوائي الذي يستمر دون هدف واضح ويتداخل مع الواجبات.
وأكدت أن السؤال التربوي لا ينبغي أن يقتصر على المدة التي يقضيها الطالب أمام الشاشة، وإنما يشمل قدرته على التحكم في استخدام التطبيقات والتوقف عنها عندما يحتاج إلى التركيز في مهمة أخرى.
ولفتت إلى أن اكتساب هذه القدرة يمثل جزءاً من مهارات التنظيم الذاتي التي يحتاج إليها الطلاب في الدراسة والحياة اليومية.
كيف تساعد الأسرة أبناءها على تنظيم استخدام الهاتف؟
أكدت الباحثة التربوية أن التعامل مع استخدام مواقع التواصل لا ينبغي أن يقوم على المنع والعقاب وحدهما، بل على بناء عادات تساعد الطالب على تنظيم وقته وانتباهه بصورة تدريجية.
وأوضحت أن الأسرة تستطيع المساهمة في ذلك من خلال الاتفاق على أوقات واضحة للدراسة وأخرى للاستخدام الترفيهي، بما يتيح للطالب الاستفادة من التكنولوجيا دون أن تتداخل بصورة مستمرة مع واجباته.
وأشارت إلى أهمية إبعاد الهاتف عن مكان الدراسة، أو تعطيل الإشعارات خلال أداء المهام التعليمية، للحد من المقاطعات المتكررة.
كما شددت على ضرورة تنظيم مواعيد النوم، وتوفير روتين يومي متوازن يراعي الدراسة والراحة والأنشطة الأخرى.
وبيّنت أن نجاح هذه الإجراءات يرتبط بوضوح القواعد واستمراريتها، ومشاركة الطالب في فهم أسبابها وأهدافها، بدلاً من فرضها بوصفها عقوبات.
وأكدت أن الهدف يتمثل في مساعدة الطالب على إدراك الأوقات التي يحتاج فيها إلى التركيز، وتعلم كيفية تأجيل استخدام الهاتف حتى الانتهاء من المهمة المطلوبة.
دور المعلم في تنمية التركيز داخل البيئة التعليمية
أوضحت عتيق أن المدرسة تؤدي دوراً أساسياً في تنمية مهارات الانتباه والتنظيم الذاتي لدى الطلاب، من خلال طبيعة الأنشطة التعليمية وأساليب التدريس المستخدمة.
وأشارت إلى أن المعلم يستطيع تعزيز التركيز عبر أنشطة القراءة والبحث والمناقشة وحل المشكلات، والمهام التي تتطلب متابعة العمل حتى نهايته.
وبيّنت أن هذه الأنشطة تتيح للطلاب ممارسة التركيز بصورة عملية، وتساعدهم على التعامل مع المهام التي تحتاج إلى وقت وجهد، بدلاً من الاعتماد على التلقي السريع للمعلومات.
كما دعت إلى توعية الطلاب بكيفية إدارة المشتتات الرقمية، والتعرف إلى تأثير المقاطعات المتكررة في سير العمل الدراسي.
وأكدت أن توظيف التكنولوجيا في التعليم ينبغي أن يكون مرتبطاً بهدف واضح، بحيث تساعد الوسائل الرقمية على فهم الدرس أو تطبيق المعلومات، دون أن تتحول إلى مصدر إضافي للتشتت.
ولفتت إلى أهمية التنسيق بين الأسرة والمدرسة في ترسيخ عادات دراسية متوازنة، خصوصاً عندما تظهر صعوبات متكررة في إنجاز الواجبات أو تنظيم الوقت.
الأهل والمعلمون نموذج في الاستخدام المتوازن
شددت عتيق على أن توجيه الطلاب نحو الاستخدام الواعي للتكنولوجيا يحتاج أيضاً إلى نماذج عملية يقدمها الكبار في حياتهم اليومية.
وأوضحت أن التزام الأهل والمعلمين بعادات متوازنة في استخدام الهواتف والتطبيقات يساعد على تعزيز الرسائل التربوية الموجهة إلى الطلاب.
وأشارت إلى أن مطالبة الطالب بإبعاد هاتفه أثناء الدراسة تكون أكثر وضوحاً عندما يلاحظ وجود أوقات مخصصة للعمل أو الحوار أو الأنشطة الأسرية بعيداً عن المقاطعات الرقمية.
وأكدت أن الهدف لا يتمثل في عزل الطلاب عن التكنولوجيا، خصوصاً أنها أصبحت جزءاً من أدوات التعلم والتواصل، وإنما في مساعدتهم على استخدامها بطريقة تخدم احتياجاتهم التعليمية والاجتماعية.
وبيّنت أن تنظيم الاستخدام يتطلب إدراك الطالب متى تكون الوسائل الرقمية مفيدة له، ومتى يصبح الابتعاد عنها ضرورياً لإنجاز مهمة تحتاج إلى انتباه متواصل.
تنظيم الانتباه مهارة تتجاوز الدراسة
اعتبرت عتيق أن تنظيم الانتباه يمثل مهارة تربوية تتجاوز حدود التحصيل الدراسي، نظراً إلى ارتباطها بقدرة الفرد على إدارة وقته ومتابعة مسؤولياته والتعامل مع المثيرات المحيطة به.
وأوضحت أن الطلاب يحتاجون إلى تعلم كيفية تحديد أولوياتهم، وتوزيع وقتهم بين الدراسة والراحة والتواصل الاجتماعي، والتعامل مع التطبيقات الرقمية دون السماح لها بمقاطعة جميع أنشطتهم.
وأكدت أن تنمية هذه المهارات تتطلب الممارسة والمتابعة، مع مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب واختلاف ظروفهم الدراسية والأسرية.
وتشير المعطيات التي عرضتها الباحثة إلى أن العلاقة بين مواقع التواصل والتركيز الدراسي لا يمكن اختزالها في تأثير سلبي مباشر، إذ تتداخل فيها طبيعة الاستخدام ومدته وتوقيته مع عوامل أخرى تتعلق بالنوم والدافعية والظروف التعليمية.
وفي ظل الحضور المتزايد للتكنولوجيا في حياة الطلاب، تبرز أهمية تطوير أساليب تربوية تساعدهم على الاستفادة من الوسائل الرقمية، مع الحفاظ على الوقت اللازم للقراءة والفهم وحل المشكلات وإنجاز الواجبات.
ويبقى التحدي الأساسي في تمكين الطالب من إدارة انتباهه بصورة واعية، بحيث يستخدم مواقع التواصل عندما يحتاج إليها، ويستطيع الابتعاد عنها عندما تتطلب الدراسة تركيزاً متواصلاً، ضمن توازن يجمع بين الاستفادة من التكنولوجيا والمحافظة على جودة التعلم.